يونس السيد يحاصر المجاز ليسبر أغواره

الفنان السوري يتعثّر بهدير البقاء ناشدا الصفاء رسما ولونا.
الجمعة 2021/10/08
كائنات تعبق بالأمل رغم الألم

بعض الأسماء تلد كبيرة، لا تحتاج إلى مرحلة الكمون لتعلن عن ذاتها، رغم تجربتها القصيرة. ورغم الظروف السيئة التي ولدت فيها تلك التجربة الفتية إلاّ أنها استطاعت أن تثبت ذاتها ومقدرتها على الفعل الذي يأتي إغناءً لخطاب جمالي كاندفاعات للحظات أكثر رهافة وأشدّ خطرا، لا يكلّ ولا يهدأ، وحالما في حضرة الصراع الكوني الشامل وبما يلهب خياله لاستخراج كل ما يؤرقه من ترسبات في قاع ذاته. والتشكيلي السوري يونس السيد واحد من هؤلاء.

خرج الشاب السوري يونس السيد من الحرب جريحا قبل سنوات قريبة، ليكون ذلك منعطفا في حياته، فيدير وجهه نحو قلم الرصاص بداية، وهو مازال ممدّدا على السرير في المستشفى، باحثا عن طريق جديد يلوّن به حياته الجديدة ويمنحه عبق وجود متجدّد، وحين وجد ذلك مطواعا بين أصابعه -وكان قد أصرّ على أن يكون فنانا- بدأت الألوان تجذبه أكثر.

بدأ يمنح ذاته الحرية المطلقة في نقل رسومات لأسماء معروفة وأجاد في ذلك، وهو يدرك أنه إن اكتفى بذلك فلن يتحقّق حلمه ولن يكون فنانا حقيقيا، عليه أن يدير الدفة إلى ذاته، إلى الكشف عن تخيّلاته وما يتسلّل إليها من رؤى فيستيقظها ويكرّسها في منجزه.
قد يلقفها من نشيده حتى تمتثل لمقولاته وشروطها الفنية، عليه أن يضيء مصابيحه لا بالمدرك المتعارف عليه، بل بما يتجلى في دواخله وفضاءاتها أولا، وبما يصطبغ به محيطه من علاقات بين مفرداته ثانيا.

عليه أن يقرن نصه/ منتجه بأشدّ العناصر إحياء له ولكائناته لإبعاده عن التلف الذي قد يلاقي طريقه إليه، وتطهيره من الأدران التي كانت قد ظهرت فيه وفي ثيمته.

ولادة جديدة

لوحات الفنان تسلّم بأن مفاتيح الوصول لا تكمن في الإيضاح بل في الإيحاء، وبأنها لا تملك أجنحة نسر بل جسارتها
لوحات الفنان تسلّم بأن مفاتيح الوصول لا تكمن في الإيضاح بل في الإيحاء، وبأنها لا تملك أجنحة نسر بل جسارتها

يونس السيد من الأسماء التي ولدت قبل أوانها، قبل أن تُكمل دورتها التسعوية، ولد من رحم وجع، من ركام ألم أهداه مكاشفات بدايتها مفتوحة ونهايتها أيضا، وتتّسم بإبداع يرتقي بحركاته التي تحوّل مدركاته من مغادرة الحنين المفتون بالتوّغل في مداراته.
ولد وفي ولادته توجد مفعولات السحر لكل ما يوقظ في نفسه من آمال وحضور ورغبات كلها تجزم بأنه قادر على أن يرسم قوله ويعلنها على الملأ بعيدا عن الوهم وكل المنزلقات الأخرى، وحدها ثقته بريشته وما تنبض بالحياة هي خصاله في أعلى قيمها.

لم يمض من الزمن إلاّ القليل، وهو يعوم بين ألوانه وفضاءاته البيضاء، عازفا عليهما بريشته حتى تبدأ إيقاعاته ومجازاتها بإرسال تصوّراته ودلالاته كأحلام تسحب من ضلوعها ويفرشها على حبال روحه وقلبه.

وبينما هو في بدايته التشكيلية إذ بصالة “أدونيا” الدمشقية تدعوه لإقامة معرضه الفردي الأول الذي كان البذرة الأولى في رحلته الفنية، وبذلك تمكّن من إشعال فانوسه الأول ليهديه إلى الطريق الذي سلكه، وليكسر به ظلمات هذا الطريق وقتامته.

بين واقع ومتخيّل

صراع وجود وبقاء
صراع وجود وبقاء

هكذا فتح يونس السيد مجراه الخاص في دائرة الجمال التي فيها سيصبّ كل روافده برحاب تفاصيلها وبتعالقات لحظاتها وتشابكاتها، وستلحّ عليه بخلق علاقات من التوازن بين كل ذلك.

علاقات تحكمها مروج من المناحات التي يرعاها الفنان على شكل توالدات بقصد الوصول إلى التكثيف الذي يؤدّي به إلى استنهاض حركات نصه بما يرتقي إلى التمكين المنغرس فيه بكل كلماته وصوره ورموزه لا إلى الإبانة والإيضاح، إلى الذرى التي سيرتادها السيد بحماس واحتجاج، أو إلى اللمح وقصف الحكايات بأسرارها عدولا عن الوقوع في الرتابة أو في نوع ما من اللبس الذي لا يرى.
هو يتبنّى أحداثا حقيقية تعلن عن ذاتها بكل طقوسها وسلوكها، يتبنى خطابا بمكوّناته الذاتية، منتشلا منتجه من الوهن الذي قد يظهر بين ملامح تجربته إذا تركت في حشدها بإيقاع قائم على التماثل لا التغاير، إذا لم يلجأ إلى فتح مجراه الخاص ويستند إليه في كل استحضاراته التي بها سيشرع في تأسيس قواعده في ورطته الجميلة، ويتكئ عليها في المضي نحو منتج طافح بالشجن.

فهو يسلّم بأن مفاتيح الوصول لا تكمن في الإيضاح بل في الإيحاء، وبأنها لا تملك أجنحة نسر بل جسارتها، ولا قوائم غزال بل رشاقتها، فثمة إبانة تتراءى فيها على نحو متزامن تُمَكِّن منتجه من التشكّل والتعاضد وفق نسق بموجبه يتّضح الحيّز الواهي الذي فيه تتقاطع البدايات مع النهايات مشكّلة زمن منتجه وقد ابتناه باندفاعاته المليئة بهدوئه وصخبه، بصمته وصراخه حتى كادت تصبح نبوءة توغل في المجيء.

يونس السيد الفنان والإنسان، ولد من رحم أمل ومن ركام ألم أهدياه معا مكاشفات بدايتها مفتوحة ونهايتها أيضا

السيد يحاصر السطوح لينتقل إلى غورها، يندسّ في الترحال بين خباياها منتشلا منها الموجودات والكائنات الطافحة بالحياة رغم غرقها في الفوضى، يمنحها أشكالا لا متناهية تردّ الروح للهب ألوانها الذي كان يحتمي بالصمت، يشرع في إحضار البعد الغائب وفق النهوض بالدلالة ومقدرتها على التسلّل إلى داخل المنجز وإرغام مفرداته على التجاور والتعايش، حرصا منه على إبهار المتلقي بالغريب من تصاويره وفق ما تمليه عليه استيهاماته، ويقف في حضرة مآزقه علّه يلامس جوهره ويكسر أقفاله الصدئة كلها، ويُهرّب ما يعثر عليه في اللحظة الحاضرة/ الهاربة خوفا عليها من الاكتواء بنار الحدث وقسوته، علّه يتعثّر في كل ذلك بهدير البقاء، فالفناء صاعق في كل حدب ودرب، ويطيح بتداعياته الهشّة كي يشرع في إنجاز ما يجعل منجزه متميّزا.

السيد في لوحاته يدعو تلقائيا المتلقّي إلى هدم الصور المكدّسة بين الأحابيل ليروّج بمجازاته واستعاراته إقامة عالم ينكر كل ما يتولّد عن الخراب، مركّزا على جانب تقني يجعله لا يكف عن ارتياد لحظة المكاشفة وتمثيلها في حضرة منجزه، متعمّدا الالتفات إلى الواقع المدرك أولا، فثمة رغبة ستعلن عن موتها، وإلى الواقع المتخيّل ثانيا، فثمة غرسة ستأتي يجب أن تُهيأ الأرض لاستقبالها.

وهذا الانتقال الجميل بينهما، بين الواقع والمتخيّل، يكشف له حركة نزوح كل منهما باتجاه الآخر، فينجح السيد في رسم الهول بينهما دون أن تخذله مفرداته أو يعطله نحيب التعاقب بينهما، ودون أن تطفئ الريح شموعه التي على ضوئها سيقتفي أثر فراشاته.

17