يطلقون مقاربات المصالحة ثم يسخرون منها

كل ما تمناه الناس من الرجوب ومن معه أن يكفوا عن بيع الأوهام للمعذبين المحرومين من كل شيء وأن يقلعوا عن مناورات الخديعة التي يراد منها مد عمر مرحلة إمساكهم بمقاليد الأمور دون تفويض.
الخميس 2020/07/30
جبريل الرجوب يناور في اتجاه آخر لمداراة فشل مسعاه

طوال عشر سنوات أو أكثر، أو بعد مرور ثلاث سنوات أو أقل، على الانقسام الفلسطيني، كانت ردود أفعال المواطنين الفلسطينيين، على أيّ حديث عن المصالحة، أو أيّ مؤتمر أو فعالية، ساخرة ومحمّلة بقناعة راسخة بأن حركتا فتح وحماس تكذبان. ذلك بمعنى أن السخرية كانت من جانب المجتمع الفلسطيني.

لكن ما جرى هذه المرة، بعد المؤتمر الصحافي المشترك بين جبريل الرجوب وصالح العاروري، هو أن الحركتين هما اللتان بادرتا إلى السخرية ممّا جرى، وأعطت حركة فتح تحديداً، الإشارات الدالة على سجال في داخلها، بينما حماس كانت أقل ضجيجاً وإظهاراً للخلافات الداخلية، إذ يتوافر لها ترف الانتظار، لتفعل فتح كل ما يؤكد مسؤوليتها عن الفشل.

وكان رئيس السلطة، محمود عباس، قد شكّل مجموعة من ثلاثة عناصر غير متجانسة، تابعة له، لكي تقتسم ملف المصالحة، الذي كان بيد عزام الأحمد، وتحوله إلى ثلاثة ملفات، واحد لتوحيد الفعاليات على الأرض “ضد صفقة ترامب نتنياهو وضد الضم”، وواحد لبحث إمكانية التوافق السياسي، وثالث لاحتمالات التوافق على المسائل الأمنية، أي أن كل واحد من الثلاثة يمسك بأحد خطوط المصالحة لكي يسهل إحباط السياق كله بمضاربة ومزايدة كل مجموعة على المجموعتين الأخريين.

المنحى التوافقي المُعتمد من قبل منتسبي فتح المعارضين لتفرد عباس، لم يؤثر سلباً على علاقتهم بدولة الإمارات، بل العكس هو الصحيح، إذ ساندت الإمارات جهود المصالحة المجتمعية التي تمهد للمصالحة السياسية

هذا الأمر في حد ذاته استحق سخرية الشعب الفلسطيني، لكن الجديد هو أن المجموعات التي كلفها عباس أطلقت حملة تشكيك وسخرية ضد بعضها، وكان واضحاً أن جبريل الرجوب، الذي أظهر في مؤتمره الصحافي المشترك مع صالح العاروري، حماسة للمصالحة ممزوجة بعاطفة جياشة؛ قد أصبح هدفاً لحملة سخرية وتسخيف من صفحات إلكترونية ممولة يديرها زميله الممسك بالملف الأمني.

منذ البداية، كانت صيغة التشكيل تؤكد على اللاجدية، إذ تسلّم الرجوب ثلث ملف، رآه كافياً لأن يزف البشرى، ويزعم بأنه يمثل الموقف كاملا، ويرسم كل المشهد، مما يعطي انطباعاً خاطئاً عن كل رئيس وكأنما هو يلعب بالبيضة والحجر.

كان الأجدر بـ”أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح” ألاّ يخرج من مكتب سيده الرئيس، دون أن يحمل ملفاً شاملاً برؤية مكتملة، قبل أن يرتب مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع نائب رئيس حماس، يطلق فيه مشروعاً لا يزيد عن محض مؤتمر صحافي مشترك، يتبعه مؤتمر صحافي مشترك أدنى.

بعدئذٍ يجري الحديث عن مهرجان شعبي مفترض، في غزة، بينما غزة ليست في حاجة إلى المزيد من المهرجانات والخطابات، وإنما تحتاج إلى الحلول، وإلى استعادة الكيان الوطني الفلسطيني بمؤسساته الدستورية، الضامنة لحقوق الغزيين، وللعدالة المطلوبة من السلطات الحاكمة في القطاع، لكي يتمكّن الفلسطينيون من مقاومة مخططات أعدائهم موحدين.

ولم تمض سوى أيام، حتى تبين أن مهرجان غزة، يتعثر، وأصبح الحديث عنه خافتاً. فقد قوبل هذا المقترح بالسؤال: لماذا ينعقد المهرجان في غزة تحديداً؟ إننا لا نرى سبباً لاختيار غزة، سوى أن أصحاب الفكرة يريدون الاستفادة من تعطش الناس في غزة إلى الخلاص، واستعدادهم التلقائي للاحتشاد، علماً أن الضم والصفقة ومركز المعركة هو الضفة، وفاعلية التحشيد ومغزاه، ستكون أقوى في الضفة. وفي حال الإصرار على غزة، ستكون مصداقية الحديث عن المصالحة أقوى، عندما ينتقل عباس إلى غزة، ويكون على رأس المهرجان.

كل ما تمناه الناس من الرجوب، وغيره من الميسورين المرتاحين هم وأسرهم، أن يكفوا عن بيع الأوهام للمعذبين المحرومين من كل شيء، وأن يقلعوا عن مناورات الخديعة التي يراد منها مد عمر مرحلة إمساكهم بمقاليد الأمور دون تفويض. فإن تبقت لهم مهمة يمكن تأديتها، ويشكرهم عليها الشعب الفلسطيني، فإن هذه المهمة تقتصر على الدخول في المفيد والذهاب إلى مصالحة على أسس دستورية وقانونية، تستعيد مؤسسات الكيان السياسي، وتفسح الطريق للإرادة الشعبية.

الحديث، أصلاً، عن مهرجان في غزة، ينمّ عن إفلاس، باعتباره مشروعاً عجيباً لإطلاق نداءات للمصالحة، بألسنة خطباء مرموقين من العالم، يُصار إلى دعوتهم لإلقاء كلمات. بينما المُنادي الذي يتمناه الجميع، والطرفان المعنيان بالنداء، المتمسكان بالانقسام وبمباهج السلطة كلٌ في منطقته، حاضران. ففتح وحماس، قادرتان، لو أرادتا، على إنهاء الانقسام دون حاجة لمهاتير محمد وجيمي كارتر وشيخ الأزهر وغيرهم.

لا يوجد طرف عربي أو إسلامي يريد إفشال أيّ جهد وفاقي فلسطيني، فالملومان حصرا على استمرار الانقسام هما طرفا الخصومة، ومعهما القادرون على إلزام الطرفين بالمصالحة، ويتقاعسون عن فعل ذلك.

جبريل الرجوب، بدل أن يسعى إلى تمثيل حركته في مهمة المصالحة، أطلق تصريحاً خارج الموضوع، فاحت منه رائحة الانتهازية والنفاق. فقد أراد تحميل دولة الإمارات المسؤولية عن التطبيع، وعن تجاهل السلطة الفلسطينية، وألمح إلى مسؤوليتها عن محاولات إفشال المصالحة، لمجرد أنها أرسلت طائرة محملة بمساعدات طبية هبطت في مطار تل أبيب.

تناسى جبريل طائرات عربية تهبط هناك، كما تناسى طائرات قطرية تهبط محملة بأوراق نقدية مرسلة لحماس من القطريين، الذين يتودد هو إليهم. وليت الرجل وفّر على نفسه مشقة تطيير هكذا رسائل، ومضى في مهمته باقتدار بدل محاولة اللعب على الخلافات العربية.

أعطت حركة فتح تحديداً، الإشارات الدالة على سجال في داخلها، بينما حماس كانت أقل ضجيجاً وإظهاراً للخلافات الداخلية، إذ يتوافر لها ترف الانتظار، لتفعل فتح كل ما يؤكد مسؤوليتها عن الفشل

ليس لدولة الإمارات مصلحة في إفشال جهود المصالحة، فقد كان تيار فتح الإصلاحي، المقرب منها، قد بذل الجهود لتسهيل المصالحة، وسعى إلى تنقية الأجواء وتهدئة النفوس من خلال مشروع تسوية حقوق الدم في قطاع غزة. وكان هذا التيار يفعل ذلك بتمويل كريم من الإمارات.

رحب التيار بمبادرة الرجوب مع العاروري، تشجيعاً للنوايا التي عبّر عنه الرجلان، ولم يتوقف التيار عن الإلحاح منذ سنين، على ضرورة التطبيق العملي لاتفاقات المصالحة، ودعا مؤخراً إلى توحيد الرؤية، واستعادة المؤسسات وعدم الاكتفاء بما يسمى “وحدة ميدانية” دعا إليها الرجوب والعاروري.

هذا المنحى التوافقي المُعتمد من قبل منتسبي فتح المعارضين لتفرد عباس، لم يؤثر سلباً على علاقتهم بدولة الإمارات، بل العكس هو الصحيح، إذ ساندت الإمارات جهود المصالحة المجتمعية التي تمهد للمصالحة السياسية، وثبت أن هذه الدولة معنية بالوفاق الفلسطيني، وليس هناك أدنى مبرر لتصريح الرجوب سوى حساباته الانتهازية الخاصة.

بعد مرور عدة أسابيع على مؤتمره مع العاروري، دون أيّ خطوة عملية للشروع في إنهاء الانقسام، أراد الرجوب أن يناور في اتجاه آخر لمداراة فشل مسعاه. لقد أراد، ولدوافع شخصية، أن يرسل للقطريين برقية ولاء وثناء، علماً أن تركيا وقطر هما الدولتان القادرتان على فرض المصالحة على الطرفين، لأن لكل منهما دالة على عباس وحماس.

9