يسرائيل كاتس يميني إسرائيلي بثلاثة مقاود وزارية من دون رخصة

المسمى الكامل لوزارة النقل التي يتولاها كاتس حاليا هو "وزارة النقل وسلامة الطرق"، في حين أنه أدين عام 1988 بقيادة سيارة تابعة لوزارة التجارة من دون رخصة قيادة، والتسبب في حادث سير مروع، والكذب على سلطات التحقيق.
السبت 2019/06/15
يميني إسرائيلي يعرّي آليات المتشددين في اختيار قياداتهم

مثل اختيار يسرائيل كاتس وزيرا للخارجية خطوة لامتصاص قدر من الغضب السياسي. لكن الأمر قد يكون مرتبطا بترتيبات داخلية، وربما خارجية أيضا، لأن الإعلان تم في اليوم الأخير للفترة المسموح بها له للاستمرار كقائم بأعمال وزير الخارجية في 29 مايو الماضي وهو المنصب الذي تولاه كاتس لمدة 90 يوما.

وأكد بنيامين نتنياهو فشله في تشكيل حكومة ائتلافية جديدة، والإعلان عن انتخابات الكنيست قبل مضي بضعة أشهر على تشكيله، والدعوة إلى انتخابات جديدة في 17 سبتمبر المقبل، وهو ما يمنح كاتس فرصة للبقاء في مناصبه حتى ذلك الوقت على الأقل.

يشغل كاتس أيضا منصب وزير المواصلات، ووزير شؤون المخابرات، ما يعطيه إشرافا على جهاز الموساد، وجهاز الاستخبارات الداخلية. وهو ما يعتبره البعض إفلاسا في بنك الشخصيات السياسية في إسرائيل، أو أن كاتس يمتلك مواهب فذة تؤهله لمجالات غير مترابطة وإدارتها في نفس الوقت دون غيره.

وربما لأن نتنياهو يعتمد الآن على أهل الثقة، ويمهد الساحة أمام صاحب المناصب الوزارية الثلاثة لخلافته بوضع وتجميع الكثير من الملفات الحساسة تحت رئاسته مباشرة، تحسبا لأي مفاجأة في التحقيقات الجارية في ملفات الفساد المتهم فيها نتنياهو شخصيا.

على طريق نتنياهو

سر سعادة كاتس يكمن في أن منصب وزير الخارجية له أهمية خاصة لدى نتنياهو
سر سعادة كاتس يكمن في أن منصب وزير الخارجية له أهمية خاصة لدى نتنياهو

عبر كاتس القيادي في حزب الليكود عن سعادته بتولي المنصب الجديد في بيان أكد فيه عن درايته بطبيعة العلاقة مع أطراف داخلية وخارجية في الفترة المقبلة، وقال “أنظر لتعييني وزيرا لخارجية إسرائيل باعتباره خطوة مهمة للغاية، وأتقدم بالشكر لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على هذه الثقة بعد 3 أشهر من عملي كقائم بأعمال وزير الخارجية”. ووعد بأنه سيعمل مع زملائه الوزراء لتعزيز وتحسين مكانة إسرائيل في العالم في مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية.

يكمن سر سعادة كاتس في أن منصب وزير الخارجية له أهمية خاصة لدى نتنياهو، واحتفظ به لنفسه لسنوات، وأصر على شغل المنصب إلى جانب كونه رئيسا للوزراء من 2002 إلى 2003، ثم من 2012 إلى 2013 وأخيرا من 2015 حتى ثلاثة أشهر مضت.

تعرّض الرجل لموجة من الانتقادات واكبت تعيينه، تضمنت اندهاشا سياسيا من تمرير القرار بموافقات تليفونية من أعضاء الحكومة، وليس عبر اجتماع دوري أو طارئ، إلى جانب أن كاتس لا يجيد اللغة الإنكليزية، وتسبب مؤخرا في تفاقم أزمة كبرى مع بولندا بعد إصراره على ابتزازها بتصريحات غير دبلوماسية ردا على قانون بولندي يرفض تحميل جرائم نازية وقعت للبولنديين، لأنها كانت محتلة بالكامل على يد النازيين، فضلا عن تساؤلات عن دور الكنيست الغائب في إقرار تعيين كاتس.

تنحصر خبرة وزير الخارجية الجديد في ملف المواصلات، حيث تم تعيينه وزيرا منذ عام 2009، ولديه ملفات عديدة يتولاها داخل حزب الليكود، إلى جانب عضويته في مجلس الوزراء الأمني المصغر “الكابينت”.

كاتس من مواليد 1955، وحصل على بكالوريوس من الجامعة العبرية بالقدس في السياسة الدولية، وشرع في نيل درجة الماجستير من جامعة بار إيلان الدينية، لكنه لم يتم دراسته بها، ودرس في طفولته بمعهد ديني، ويصنف نفسه على أنه “محافظ على التقاليد اليهودية”، أي في درجة وسط بين المتدين وبين العلماني.

لهذا المنتمي إلى أسرة تنحدر من أصول رومانية خبرة عسكرية، اكتسبها من مشاركته على الجبهة السورية في نهاية حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، بالإضافة إلى حرب لبنان الأولى. وحصل على دورات تدريبية وأصبح برتبة نقيب ثم ضابط احتياط.

مسيرة من العنف

خبرة وزير الخارجية الجديد تنحصر في ملف المواصلات، ولديه ملفات عديدة يتولاها داخل حزب الليكود، إلى جانب عضويته في مجلس الوزراء الأمني المصغر "الكابينت"
خبرة وزير الخارجية الجديد تنحصر في ملف المواصلات، ولديه ملفات عديدة يتولاها داخل حزب الليكود، إلى جانب عضويته في مجلس الوزراء الأمني المصغر "الكابينت"

يمكن ملاحظة آلية اختيار القيادات في معسكر اليمين المتشدد من رصد محطات مهمة في مسيرة كاتس. ويستطيع المتابع أن يرصد عبر سيرة الوزير صاحب المناصب المتعددة، الفقر الشديد في البدائل أمام القيادة الإسرائيلية، خاصة عند الاستعانة بمتورطين في الفساد أو قصر دوائر صنع القرار والتأثير على أهل الثقة.

إذا طبقنا هذا المحدد على كاتس نجد أنه خلال فترة دراسته تبلورت ملامح شخصيته ودوائر علاقاته بمن حوله إلى حد بعيد، حيث ترأس اتحاد الطلبة في الجامعة ونجح في الحصول على دعم خاص لمن يخدمون في صفوف الجيش كقوات احتياط، وأسس رابطة لتشغيلهم.

تعد إدارته لحملة دعائية لصالح رئيس الأركان رفائيل إيتان ضد رافضي الخدمة في حرب لبنان الأولى من المحطات ذات الدلالة على التكوين الشخصي، ثم استعانة إرئيل شارون به لتجاوز قرار إبعاده عن تولي منصب وزير الدفاع لتورطه في مذابح صابرا وشاتيلا.

عاد شارون إلى نفوذه المعتاد داخل الليكود، وتولى منصب وزير التجارة، وعلى الفور عين كاتس مساعدا له ثم مديرا عاما للوزارة. وفي عام 2003 تم اختياره وزيرا للزراعة، وتم التحقيق معه بتهم فساد وخيانة الأمانة بتعيين رجال أعمال ومقربين منه في مناصب عامة مهمة، لكن في النهاية تم حفظ التحقيقات.

اللافت للنظر أن المسمى الكامل لوزارة النقل التي يتولاها حاليا هو “وزارة النقل وسلامة الطرق”، في حين أن كاتس أدين عام 1988 بقيادة سيارة تابعة لوزارة التجارة من دون رخصة قيادة، والتسبب في حادث سير مروع، والكذب على سلطات التحقيق.

وبعد عدة محاولات لدخول الكنيست نال العضوية عام 1998 كبديل لإيهود أولمرت رئيس الوزراء الأسبق والمدان بالفساد. ثمّ تم اختياره في الحكومة رقم 32 التي تشكلت عام 2009 وزيرا للمواصلات، وهو المنصب الذي لا يزال مستمرا فيه حتى الآن.

أبدى عدد من المحللين الإسرائيليين دهشتهم من الإصرار على شغل كاتس لمناصب عديدة، ما يشتت وقته ويحد من فعالية منظومة العمل، قبل أن يسند إليه المنصب الوزاري الثالث كوزير للخارجية.

انتقد جور فلنر الكاتب بجريدة “ها آرتس” ذلك التوجه وتساءل “هل لا يزال كاتس يتذكر أنه أيضا وزير للمواصلات، في ظل كثافات مرورية في وسط إسرائيل تكبد الميزانية عدّة مليارات فضلا عن ساعات عمل مهدرة ونسبة تلوث عالية، وعدم توفّر أماكن كافية لصف السيارات في جراجات (مراكن السيارات)، ومئات من القتلى في حوادث طرق كل عام”.

كل هذا يأتي وسط إصرار على عطلة المواصلات العامة يوم السبت، وعدم فرض رسوم على السائقين الذين يستخدمون الطرق ذات الكثافة العالية أو تقديم حوافز مالية لمن يستخدمون طرقا بديلة عن الطرق ذات الكثافة الكبيرة.

خط القدس الجديد

نتنياهو يؤكد فشله في تشكيل حكومة ائتلافية جديدة، بالإعلان عن انتخابات الكنيست قبل مضي بضعة أشهر على تشكيله. ما يمنح كاتس فرصة للبقاء في مناصبه فترة أطول
نتنياهو يؤكد فشله في تشكيل حكومة ائتلافية جديدة، بالإعلان عن انتخابات الكنيست قبل مضي بضعة أشهر على تشكيله. ما يمنح كاتس فرصة للبقاء في مناصبه فترة أطول

تفاعل كاتس كوزير للمواصلات على مدار عشر سنوات، مع خطوط السكك الحديدية السريعة للقدس وجنوب إسرائيل، ساعيا منذ عام 2013 لخلق منافسة مع قناة السويس بقطار بضائع يصل بين البحر الأحمر والبحر الأبيض.

غير أن خط القدس لم يحقق النجاح المرجو منه، وعلى العكس تسبب في تكدس في خطوط أخرى للتعجل في افتتاحه. واضطر كاتس إلى شن هجوم حاد على مدير الموساد السابق “التاسع” إفرايم هليفي، حين صرح الأخير بأن منح مد خطوط السكك الحديدية الجديدة أو حق تأسيس شركات تأمين لشركات صينية يهدد أمن إسرائيل، ويفسد صفو العلاقات مع واشنطن؛ والهجوم المستمر منذ عام 2014 وحتى الآن متمثل في تحذيرات عديدة من بعض الخبراء، ومناقشات ساخنة في الكنيست شاركت فيها أربعة أحزاب مختلفة.

ووفقا للخبير الأمني يوسي ميلمان مؤخرا، فإن الأمر يتعلق بمخاطرة، ويرتبط بسيطرة عناصر أجنبية ومعادية على مجالات استراتيجية ذات طابع استراتيجي، والحديث هنا راج عن وجود مقاولين صينيين رئيسيين أو من الباطن حصلوا على عطاءات لمشروعات لإقامة نفق للسكك الحديدية في حيفا وميناء خاص في عسقلان وتوريد عربات قطارات، ومنظومات تشغيل تابعة لوزارة المواصلات، في حين أن الشركات الصينية ممنوعة من التقدم لمناقصات عالمية لصالح توريدات لوزارة الدفاع الإسرائيلية.

تولى كاتس منصبه كوزير لشؤون المخابرات، إلى جانب منصب وزير المواصلات، منذ العام 2015، وهو ما يعكس الأفكار والأولويات التي أبداها في تلك الفترة، بما يمكن أن يكون محور اهتمامه حاليا كوزير للخارجية.

وقد اقترح إقامة جزيرة دولية أمام ساحل قطاع غزة، تشتمل على ميناء بحري ومحطات لتحلية مياه البحر ومحطات إنتاج للكهرباء يتم ربطها مع غزة بجسر يكون بمثابة منفذ للقطاع على العالم ويحقق انفصاله الحقيقي عن إسرائيل، مع ضمان أمنها، بالإضافة إلى الترويج لفكرة خطوط سكك حديد السلام التي يقترح فيها ربط بعض دول الخليج بميناء حيفا على البحر المتوسط.

طموح سياسي كبير

 الطريق ممهّدا أمام كاتس للمزيد من المناصب
 الطريق ممهّدا أمام كاتس للمزيد من المناصب

قاد كاتس مع مرؤوسيه ما تم تصويره إعلاميا على أنه إنجاز كبير بالحصول على معلومات ضخمة وشاملة من إيران عن مشروعاتها النووية. واكتفى بتصريحات مقتضبة، وتوارى مانحا الفرصة لنتنياهو كي يعلن التفاصيل بشكل درامي أمام الرأي العام، وبالفعل عبرت الإدارة الأميركية عن سعادتها بتلك الخطوة ودعمها لإسرائيل.

وبثت القناة السابعة الإسرائيلية حوارا مع كاتس كشف فيه أن لدى الأميركيين خططا لضرب إيران. وأكد أن طهران قد تصبح حليفة جيدة لإسرائيل في المستقبل، مشددا على دعمه الكامل لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران.

وأعلن خلال مؤتمر “هرتسيليا” الأمني الأخير أنه يرى أمام إيران طريقين إما تصويب المسار والاعتدال وإما الانهيار، “ليس لدينا مشكلة مع الشعب الإيراني ولا نحتاج إلى قوات برية للغزو”.

بشكل موازٍ أتاح نتنياهو لربيبه كاتس الإعلان عن قصف إسرائيلي لأهداف إيرانية في سوريا. وهو ما وفر له انتشارا إعلاميا مكثفا، لأن أغلب الهجمات لم تعترف بها إسرائيل واكتفت غالبا بالصمت حيالها.

يؤكد أداء كاتس في هذا الملف أن السياسات الإسرائيلية حيال إيران، وربما السياسات الخارجية والأمنية بشكل عام لا تتغير بتغير الأشخاص، لكنها في الوقت نفسه يجب أن تكون في يد من هم جزء من دائرة مغلقة منذ أن كانوا في مقتبل أعمارهم.

ولهذا الهدف يتم تذليل العقبات والصعاب والمخاطر أمامهم، ومساندتهم بغية ترقيتهم في الوقت المناسب خشية فتح ملفات عديدة أو حدوث انحراف عن الخط العام المرسوم، إذا وصل إلى المنصب شخص مستقل أو مغامر.

يجمع كاتس بين مجموعة كبيرة من المزايا، مثل غالبية القيادات الإسرائيلية التاريخية، وهو ما يجعل الطريق أمامه ممهدا للمزيد من المناصب، وربما لا يكتفي بالأقنعة أو الحقائب الثلاث، ويصل إلى هدفه الأسمى، وهو الجلوس على مقعد رئيس الحكومة لفترة طويلة. فالتسلسل الوظيفي للرجل وطموحاته الكبيرة يمكن أن تقوده بسهولة إلى هذا المقعد.

ويظل السؤال المحوري يتعلق بالمدى الذي سيقود فيه كاتس سفينة الخارجية، في وقت تريد فيه الإدارة الأميركية تمرير صفقة القرن المتعثرة، وهل سيخلط بين العمل الدبلوماسي وبين العمل السري، بصفته مسؤولا عن أنشطة الموساد والاستخبارات الداخلية في إسرائيل؟ وهل سوف يكتفي بالعمل تحت قيادة رئيس الوزراء المباشرة فقط أم أن المخطط يتجاوز ذلك ليتم تجهيزه كبديل، حال ثبوت تورط الأخير في قضايا فساد بشكل نهائي أو سقوطه في إحدى المناورات السياسية الخطرة التي يضطر إليها سعيا للهروب من شبح الإدانة ودخول السجن؟

12