ياسر الصافي يُطلق الخيال لطفولته المأزومة جماليا

فنان سوري يسرد أكثر مراحل وطنه ألما بعجينة ألوان مُتشائمة.
الخميس 2021/09/30
ظلال متضاربة تشي بالخراب الساكن فينا

ينشئ الفنان السوري ياسر الصافي نوعا من الالتباس في لوحاته، وهو التباس يبدأ من علاقته بما يرسمه وينتهي بتعسير وصولها إلى المتلقي أيضا. وتتكرّر الكائنات والشخوص الغرائبية في لوحاته من دون أن يرشح من تكرارها تأويل محدّد وآمن.

وأنت تمعن في أعمال الفنان التشكيلي السوري ياسر الصافي (القامشلي 1976) لا تنسَ أن تضع على عاتقك مهمة تجريدها من تصنيفاتها نفسها، كما لا تنسَ أن تتحلّى ولو بجزء من جرأة ومغامرة جاك دريدا، حينها فقط قد تستطيع أن تخطو نحو دواخلها وتعيش علاقة حميمية مع وميضها، وبالتالي قد تستطيع أن تقوم بقراءتها.

نص الصافي، والمقصود هنا أعماله، يحمل كل أثر المرحلة، ولهذا لا تستطيع أن تتجاهل مفرداته ولا درجة انعطافاته نحو مراكز الحركة لتُمارس فعله بأرواح مختارة ومستمدة من عبث الحقيقة، يستعيدها الفنان السوري، والمقصود هنا الأرواح ليكشف النقاب مجدّدا عنها ويُرسل فيها شهيقه وزفيره ويتعقّب أعماقها.

أرواح مصادرة

 لوحات تقرأ الغد قبل أن يأتي
 لوحات تقرأ الغد قبل أن يأتي

هي أرواح أطفال تمت مصادرتها من قبل آلهة الأرض بأساليب لا تليق إلاّ بكوكبنا، بوحشية نائمة فينا منذ قرون، أرواح يأبى الصافي أن تموت، ولهذا يحمل مفاتيح طفولته ويطلق سراحها لتبدو أكثر تمايزا في لعق الحياة ودحرجته، فالموت القابع فينا يلوث استيقاظ الطفل فينا، ليواجه هو كل الظلال المتضاربة ويخضع الذاكرة لهجومه نحو الريح، مواجها عنّا جبننا وهزيمتنا.

وبعبارات أخرى فإن الصافي يطلق نوافذ طفولته بل طفولتنا أيضا وهي متبلورة بنا ليكون لها نفوذها بتفكيك الحاضر وتقويضه، فمفهومها المفتاحي يكمن في البحث عن إجراءات تتضمّن كمّا هائلا من خطوات للنقلة نحو إزاحة جوهرية لدوائر الخراب فينا.

أفضل السبل لامتلاك مفاتيح المنطق هو إرسال الروح من جديد في طفولتنا، وعودة الروح إلى أطفال أكلهم البارود

فهو يعتقد أن أفضل السبل لامتلاك مفاتيح المنطق هو إرسال الروح من جديد في طفولتنا، وعودة الروح إلى أطفال أكلتهم البراميل والبارود، ولهذا يشتغل الصافي كثيرا على استراتيجيات الخلق بطرق محبّذة نحو فهم المرحلة أو سوء فهمها حتى، فهو يظهر من خلال نصه/ أعماله خصائص الوضع الحسي لأطفاله ووعيهم لعالمهم الخارجي للتوصّل إلى إتقان التصويب نحو الهدف وقيامهم بالضرورة على العمل من الداخل خشية الوقوع في عدم اتخاذ المفهوم المطروح لتحقيق الحياة الفعلية، ثم يروي لنا الفنان مشاهده البصرية الطفولية المنفتحة على الممارسة السلوكية رغم التحوّلات المحورية ودلالاتها الكثيرة.

من اللحظة الأولى تعتقد أن كل تلك الأشلاء المبعثرة والخراب الكبير في جسد أطفاله وحصاد القتل الممتدّ في أرواحنا وأرواح أطفال الصافي، بل الممتدّ أيضا إلى طفولته.

أقول من اللحظة الأولى تعتقد أنها خربشات طفل لم يستيقظ من الحرب بعد، وقد يكون الطفل هنا الصافي بروحه اللامتناهية والمرتبطة بطرف ما من الكرة الأرضية قد تكون نتيجته فنان يتكئ على التجاهل لما هو قائم من تبعات وتعارض، بل يعمد على تعيين الوجود/ وجوده ووجود أطفاله بعد استيقاظهم من “موتهم المبكّر”، والانخراط في وجودهم الجديد بوصفهم حضورا لا غياب.

حضور يمثل كل تصوّرات الصافي ومفاهيمه، حيث يحدّد السياق الجديد باستمرار نسج سلسلة من العلاقات التجاورية داخل تتابع زوايا البعد الإجرائي لعمله وفق ما يثير محور هذا العمل من ذاكرته بمعطياتها التعبيرية، وعليه يمكن أن يقود ذلك فناننا إلى الدعوة بإعادة صياغاته في حدودها الظاهرية منها والجوهرية، وهذا ما يلحق تغييرا حتميا لركيزة تجربته باعتبارها الأساس في تشكّلها ونموّها واشتغاله عليها دون أي خضوع إلاّ للحساسية العالية لأسلوبه ودلالاته مع سبر التجربة الإنسانية المتهالكة عنده حتى نقي الروح.

أبعاد إيحائية

الدمامة ليست شيئا مضافا بل هي واقع جاثم على الصدور
الدمامة ليست شيئا مضافا بل هي واقع جاثم على الصدور

ربما هذا ما يدفع ياسر الصافي إلى البحث المستديم عن سبل تعبيرية غير متداولة، فالأمر يتعلّق بإصراره على التمايز، وهذا ربما الذي يدفعه إلى جعل أعماله مساحات يلعب فيها الفنان مع الطفل المُستيقظ فيه، ويستدعي أطفال الحرب أو أشلاءهم لتكتمل لعبته، أقصد عمله، وإن كانت أشبه بدوّامة فيها يتيه المُتلقي كثيرا وقد يخرج منها بجعبة محيّرة فيها يشرئبّ كل الاحتمالات والمزاعم، وقد يمسك بزمام ما دون أن يدري ما هو.

وهكذا يقلب الصافي الرؤية التقليدية للمُتلقي، ويحرّر طاقاته بقدر ما يحرّر طاقات شخوصه الغريبة القريبة رغم انكساراتها وتشوهاتها، وبذلك يبذل جهدا مضاعفا لتنشيط محرّكات مجازاتهم التي قد تولد وهم في عملية بحث وشوق للدخول إلى عالمه المغلّف بمفاهيم تصنيفية غامضة.

المسخ الذي تنبّأه فينا الصافي عاشه هو نفسه في سقوط كل التجليات، لتغدو ككائنات لا تستحق الحياة بل تحمل وزرها

ويمكن للصافي - وبإلمامة تعبيرية مستحدثة - أن يضع شخوصه، بدمامتها وعفويتها، بضجرها ووجعها، بملامحها الغامضة، وبأوصالها المتقطعة، في طريق الكشف عن تقاطعاتهم، والكشف عن تورّطهم في تحديد الجميل وخلقه. أقول يمكن للصافي أن يُعيد التجربة مع شخوصه بوصفهم الجزء المفترض والأهم من مشروعه الفني حيث الهيمنة المعرفية تطغى على المشهدية البصرية بكثافة ما.

أي أن الإحساس بالمعرفة هنا كعنصر مهيمن على النص/ العمل يعطي فضاءاته نغمات تولّد للمُتلقي خيالات تطمح للمزيد وتمنحه كل التحليل المفاهيمي القابل لدراسة مراتب العلاقات بين الموجودات وفهمها أولا ثم الاختلاف لاحقا، مع تجاوز دلالاتها على نفسها وبذهنية مرتبطة على نحو ما بالكثير من عناصر ذات أبعاد إيحائية، والتي تعدّ بحد ذاتها إبداعاً تأويليا، والتي بدورها قد تكون إشارات إلى تنظيم تجربته أو كينونته.

ياسر الصافي يقرأ الغد قبل أن يأتي ويفهم العالم بوصفه حضورا في الواقع، ولهذا تتداخل رؤيته وتتشابك بل وتتكرّر أيضا، وقد لا يعني له هذا الغد إلاّ هوامش افتتاحية لتدوين “خراب الدورة الدموية” للإنسان، وتدوين تشتيته في القتل.

قتل البدايات وقتل النهايات، ولا شيء خارج الدمار، فقيامته قائمة ولهذا لا داعي بالتفكير بالمدينة الفاضلة، ولا بجنة الأرض، فالطوفان قد بدأ ولا نوح عنده ولا جودي، فلا امتيازات ولا أولويات، فالمسخ الذي تنبّئه فينا ها قد عاشه في سقوط كل التجليات، ويرغمنا أن نعترف بعجزنا ووحشيتنا، بل ويعرينا من إنسانيتنا، ككائنات لا نستحق الحياة بل نحمل وزرها.

16