وديع الجريء جنوبي محنك يدير الاتحاد التونسي لكرة القدم

الجريء طبيب مثير للجدل تلاحقه الانتقادات.
السبت 2021/10/23
خبرة في التأقلم مع أصحاب السلطة

يثير وديع الجريء، رئيس الاتحاد التونسي لكرة القدم، جدلاً واسعا في الأوساط الرياضية والسياسية بالبلاد، منذ توليه الإشراف على دواليب الاتحاد. ويتعرض الرجل القادم من الجنوب نحو العاصمة تونس لانتقادات لاذعة بشأن نشاطه، وسط اتهامات متصاعدة حول تمتعه بحصانة سياسية وقربه من السلطة الحاكمة في مختلف فتراتها، ما مكنه من تحقيق طموحاته التسييرية والسياسية.

ثورة رياضية

البوصيري بوجلال: ما يتم تداوله منذ سنوات حول الجريء بعيد عن الموضوعية
البوصيري بوجلال: ما يتم تداوله منذ سنوات حول الجريء بعيد عن الموضوعية

واجه الجريء خلال مشواره في تسيير اتحاد كرة القدم العديد من المشكلات التي جذبت انتباه الرأي العام وأسالت الكثير من الحبر. ولئن تعددت خلافاته الشخصية فإنها كانت تكشف في كل مرة عن الأطراف السياسية التي تقف وراء نجاح خططه في كل مواجهة يخوضها ضد خصومه.

ولد عام 1972 بمدينة بن قردان، وتخصص في الطب، ولعب في الاتحاد الرياضي لمدينته، ثم ترأس النادي لمدة خمس سنوات، كما أشرف على المكتب الاتحادي للجامعة التونسية لكرة القدم لمدة ست سنوات، ولا يزال يشرف على بعض لجانه، مثل فرق الشباب أو المنتخب الوطني ويرأس لجنته الطبية. وتم انتخابه رئيساً للجامعة التونسية لكرة القدم في عام 2012 وأعيد انتخابه في عام 2016، وبهذه الصفة تم انتخابه رئيساً لاتحاد شمال أفريقيا لكرة القدم في عام 2014.

وفي كأس الأمم الأفريقية 2015 عانت تونس من هزيمة أمام غينيا الاستوائية في الدور ربع النهائي بسبب عمل الحكم الذي تسبب في الضجة، حيث قرر الجريء إبلاغ الاتحاد الأفريقي لكرة القدم باستقالته من لجنة البطولات الأفريقية.

ثمّن مراقبون العمل الذي يؤديه الجريء على رأس الاتحاد التونسي لكرة القدم، معتبرين أنه حقق نتائج ونجاحات كبيرة، وفي مقدمتها تلك المتعلقة بالجانب المادي والموازنات المالية للجامعة الرياضية.

بصمات حركة النهضة

خلافه مع وزير الشباب والرياضة السابق كشف عن علاقة الجريء بحركة النهضة ورئيسها الغنوشي
خلافه مع وزير الشباب والرياضة السابق كشف عن علاقة الجريء بحركة النهضة ورئيسها الغنوشي

وأفاد البوصيري بوجلال، عضو الاتحاد التونسي لكرة القدم، بأن “العمل في الاتحاد منظم وبطريقة ديمقراطية بعيدا عن المشاكل التي من شأنها أن تعكر صفو العلاقات بين مختلف الأطراف”.

وبشأن الانتقادات المتصاعدة حول الجريء أضاف بوجلال في تصريح لـ”العرب” أن “الادعاءات باطلة، ومن يملك أشياء ملموسة عليه أن يعرضها، دون المس من كرامة الأشخاص، وما يتم تداوله منذ سنوات عن الرجل بعيد عن الموضوعية، والمعطيات واضحة وجلية في المسائل الرياضية”.

اتهامات من جهات عديدة تُكال إلى الجريء حول تمتعه بحصانة سياسية وقربه من السلطة الحاكمة في مختلف فتراتها، ما مكنه من تحقيق طموحاته التسييرية والسياسية

ولفت المسؤول الجامعي إلى أن الاتحاد في عصر الجريء حقق جملة من الإنجازات والمشاريع، أهمها المركب الطبي والرياضي، وملاءمة ميزانية الاتحاد التي كانت تسجل عجزا ماليا في حدود ثمانية ملايين دينار، فضلا عن تحسين الترتيب العالمي للكرة التونسية في المرتبة الرابعة عشرة عالميا، والوصول إلى نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية في 2019، إضافة إلى الترشح لنهائيات كأس العالم.

ولعلّ ما ميّز فترة الجريء المتواصلة على رأس الاتحاد، حسب المتابعين للشأن الرياضي التونسي، إحداث نوع من التوزان الكروي بين الجهات والأقاليم، وبعد أن كانت نوادي الشمال تضطلع بنصيب الأسد من المشاركة في الرابطة المحترفة لكرة القدم عرفت السنوات العشر الأخيرة “ثورة” رياضية في الجنوب، حيث اكتسحت فرق المحافظات الجنوبية قسم النخبة وباتت تنافس بندية أعرق النوادي التونسية المتوجة بالألقاب والبطولات.

في المقابل تتهمه أطراف باستغلال النفوذ التسييري والسياسي في إدارة دواليب الجامعة. ويقول أحمد صواب، القاضي السابق بالمحكمة الإدارية، إن “الجريء عرف كيف يتأقلم مع أصحاب السلطة وصناع القرار السياسي، بدءا بمنظومة التجمع الدستوري الديمقراطي في فترة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، مرورا بمنظومة الإسلام السياسي الذي قادته حركة النهضة، ثم فترة حكومة يوسف الشاهد في الثلاث سنوات الأخيرة، ومكنه رئيس الحكومة من دعم قوات الأمن لمنع تنفيذ حكم قضائي”، واصفا إياه بـ”عنوان التدخل السياسي في الرياضة”.

ويضيف صواب في تصريح لـ”العرب” أنه تم تداول اسم الجريء لتقلد منصب رئاسة الحكومة في 2019، ما يعني أن له طموحات سياسية كبيرة. كما اتهم القاضي السابق الجريء بممارسة الفساد، مضيفاً قوله إنه “استعمل صلاحياته لإصدار قرار ضد فريق هلال الشابة الذي منع من خوض مباريات الرابطة المحترفة الأولى لكرة القدم الموسم الماضي، وكذلك سنة 2012 وجّه رسالة إلى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي (تم تسريبها إعلاميا) طلب فيها الحماية من وزير شؤون الشباب والرياضة طارق ذياب آنذاك”.

الخلافات الشخصية للجريء، وإن تعددت، تكشف في كل مرة عن الأطراف السياسية التي تقف وراء نجاح خططه في كل مواجهة يخوضها ضد خصومه

ونشب خلاف بين الجريء وطارق ذياب الوزير السابق للشباب والرياضة في عهد حكومة الترويكا، وكشف عن علاقة الجريء بحزب حركة النهضة وخاصة برئيسه الغنوشي.

ولم ينته الخلاف سريعا، إذ عاد للظهور على الساحة عندما تم تكليف الحبيب الجملي بتكوين الحكومة مما جعل الجريء يسارع إلى اللجوء مجددا إلى الغنوشي بمكالمة هاتفية، أعرب من خلالها عن رفضه لتعيين ذياب مجددا في نفس المنصب.

وسبق أن لقيت ماجدولين الشارني، وزيرة الشباب والرياضة، المصير ذاته بعد خلافها مع الجريء بالرغم من أنها كانت مدعومة من حزب نداء تونس الذي كان آنذاك ذا وزن سياسي هام على الساحة الوطنية. كما دخل الجريء في خلاف مع حسين جنيح المسؤول السابق في النجم الساحلي لسنوات، انتهى بانضمام الأخير إلى مكتب الجامعة كمسؤول عن منتخب الأكابر إثر ترشحه في قائمة الجريء.

تسهيل الاختراق القطري

فترة الجريء المتواصلة على رأس الاتحاد تتميز بإحداث نوع من التوازن الكروي بين الجهات والأقاليم
فترة الجريء المتواصلة على رأس الاتحاد تتميز بإحداث نوع من التوازن الكروي بين الجهات والأقاليم

ويرى مراقبون أن الكرة التونسية في عهد الجريء عاشت عدة أزمات، من بينها محاولة السيطرة على الحكام، والسيطرة التامة من خلال اتخاذ قرار بإقصاء هلال الشابة من الدوري التونسي.

وسبق أن أكد مكرم اللقام، الحكم الدولي السابق، في تصريحات تلفزيونية أن الجريء يتحكم بشكل كامل في هذا القطاع، من خلال تعيين بعض الحكام المحسوبين عليه لمباريات بعينها، ومعاقبة البعض الآخر في حال عدم تماشيهم مع أهدافه الخاصة.

وقال رضا شرف الدين، رئيس نادي النجم الساحلي السابق، في تصريحات تلفزيونية إن “خلافه المعلن مع رئيس الاتحاد التونسي الذي مازال متواصلا “تسبب في خسارته لقب الدوري لموسم

2014 – 2015 لصالح الأفريقي، بعد أن تعرض -حسب تصريحاته- لظلم تحكيمي خلال الجولات الأخيرة”.

وفي العام الماضي قرر الاتحاد التونسي لكرة القدم استبعاد نادي هلال الشابة من منافسات الدوري خلال الموسم الماضي، بسبب بعض المتعلقات المالية التي لم تقم إدارة النادي بسدادها.

أحمد صواب: الجريء عنوان التدخل السياسي في الرياضة
أحمد صواب: الجريء عنوان التدخل السياسي في الرياضة

كما أعلن الاتحاد عن إقامة دورة رباعية بين أندية شبيبة القيروان وحمام الأنف، رغم هبوطهما إلى الدرجة الثانية، وقوافل قفصة وأولمبيك سيدي بوزيد بالدرجة الثانية، لتحديد الفريق الذي سيعوض هلال الشابة خلال الموسم الحالي.

ويقول العديد من المتابعين إن هذه العقوبة تأتي في إطار تصفية الحسابات مع رئيس الفريق، توفيق المكشر، الذي تعوّد على انتقاد الجريء بطريقة لاذعة.

وشهدت مدينة الشابة الساحلية احتجاجات شعبية كبيرة بسبب القرار حيث تم إغلاق الطرقات، كما لوح أهالي المدينة بتنظيم رحلات بحرية إلى إيطاليا، احتجاجا على قرار الاتحاد التونسي لكرة القدم باستبعاد ناديهم من الدوري التونسي. وقرّر الجريء في عام 2019 تنظيم مسابقة السوبر المحلي في دولة قطر، في خطوة فاجأت جميع المتابعين، كما صمّم صفقة عقود الرعاية التي وقعها النادي الأفريقي التونسي مع شركة الخطوط الجوية القطرية بقيمة ثمانية ملايين دولار وبعقد يمتد لأربع سنوات، وفقا لما كشفت عنه وسائل إعلام تونسية.

وكانت وسائل الإعلام التونسية أكدت أن أهداف الصفقة تتجاوز الرياضة لتطال جوانب سياسية، وتتمثل أساسا في الرفع من أسهم الدوحة، ومنحها شعبية مزيفة لدى جانب من جماهير الكرة، وإنقاذ حركة النهضة من سهام الرفض التي تطاردها بسبب إسهامها في عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد.

ويعتبر البعض أن الجريء قد حرم المسؤول التونسي طارق بوشماوي من فرصة المنافسة على لقب رئاسة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “كاف”؛ فقد أعلن هشام بن عمران، عضو المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي، عن اتخاذ قرار يقضي بتزكية ترشح رئيسه الجريء للانتخابات الخاصة بدخول المكتب التنفيذي للاتحادين الدولي والأفريقي لكرة القدم، بدلا من ترشيح بوشماوي.

12