وجوه مدهشة تعبر خرائط العصور والأمكنة في أعمال داوستاشي

بورتريهات التشكيلي المصري عصمت داوستاشي حالات وطقوس مشحونة بالأحاسيس والطاقات المتفجرة، تخاطب الملتقي وتؤثر فيه دون ثرثرة.
الجمعة 2020/01/17
عصمت داوستاشي يحرّر البورتريه المصري من قيود اللقطة الثابتة

بحكايات جدته وانفعالات مصر الحزينة وأرواح شهداء الثورة وتطلعات الإنسان الجديد وإطلالات وامضة على مشاهير الفكر والفن والسياسة والرياضة، قدّم التشكيلي المخضرم عصمت داوستاشي مفاهيم جديدة للبورتريهات في معرضه الشخصي الأخير بـ”أتيليه العرب للثقافة والفنون” في القاهرة.

 القاهرة – التحرر والجرأة هما جناحا الفن للتحليق بعيدا في سماء الابتكار وتقديم بصمة تدل على شخصية الفنان المتجاوز للمألوف، المتمرّد على القيم السائدة. وإذا كانت الرؤية التقليدية للبورتريه تعتبره لقطة لوجه الشخص، في وضع ثابت، من المواجهة، فإن التشكيلي المصري عصمت داوستاشي (77 عاما) تمكن عبر رحلته الفنية الزاخمة من إضافة نكهته التعبيرية إلى البورتريه، ككائن حي ديناميكي له انفعالاته ومزاجه، وكجسد كامل وليس مجرد وجه بالضرورة، وكخارطة نفسية جينية للإنسان، وللمكان والزمن أيضا في منظومة واحدة.

انشغل الفنان عصمت داوستاشي في بورتريهاته فائقة الحساسية بتصوير الأفراد، الحقيقيين والاعتباريين، كحالات وطقوس مشحونة بالأحاسيس والطاقات المتفجرة، بما خلع على أعماله الوهج والمصداقية، وأكسب شخوصها صفة النبض والديمومة.

لخّصت بورتريهات داوستاشي، التي تضمنها معرضه الأخير في “أتيليه العرب للثقافة والفنون” في القاهرة، رحلة إبداع ابتدأت منذ أكثر من نصف قرن، أنجز الفنان خلالها قراءاته العميقة الواسعة للبشر والتاريخ والجغرافيا من خلال نوافذ الوجوه والأجساد، وعلاقة الملامح والقسمات بالأضواء والظلال، واستشفاف الكامن تحت السطح من معان غائرة ومشاعر مصهورة ذائبة في الدماء.

بنى داوستاشي تجربته في فن البورتريه على نسف القوالب وإذابة الأنماط، وذلك عبر التنوّع الذي أتاحته البورتريهات والصور المختلفة للبشر الفعليين والافتراضيين، فالفنان على علاقة محبة وتفاعل وتعايش مع وجوهه وشخصياته دائما، التي تمثل مرايا انفعالاته الذاتية في تناقضاتها ومحفزات لمخيلته وتأملاته في انطلاقاتها وجموحها.

هذه النزعة إلى التطوير والتثوير لدى الفنان المصري المخضرم أدت إلى تركيزه على ألاّ يكون البورتريه هو الوجه فقط، وإنما هو الجسد كاملا والشكل مستوعبا سيولته الحركية وزمانه ومكانه ومزاجه وحالته الشعورية وكل ملابساته وتعقيداته، إلى جانب بواطنه ومخزونه الداخلي الجياش.

امتد البورتريه في تجربة الفنان الإسكندري ليشمل إلى جانب المشاهير أولئك الأفراد العاديين والبسطاء والهامشيين، وتصوّراته عن وجه مصر في فرحها وحزنها.

 المرأة في ترقبها وتمزقها وتأملاتها
 المرأة في ترقبها وتمزقها وتأملاتها

وجوه عبّرت عن الملك، والساحرة، والملاك، والشيطان، والمرأة الحالمة، والإنسان الجديد في عصر الكونية والعولمة، والكائن البشري الاصطناعي الصالح لكل الأزمنة والأمكنة في مواجهة انهيار العالم، والشخصيات التاريخية المعروفة والمتخيلة، ذات الجذور الفرعونية والقبطية والعربية الإسلامية، إلى جانب أحدث الشخصيات المعاصرة، وعلى رأسها نجم كرة القدم المصري محمد صلاح.

تناغم التثوير الفني لدى داوستاشي مع اهتمامه بالحراك الثوري على أرض الواقع، فكانت لوحة “لا” التي رفع فيها راية الرفض، وكانت لوحاته الكثيرة حول ثورة يناير 2011، ومصر قبل الثورة وخلالها وبعدها، وقد لمست بورتريهات الفنان لشهداء الثورة طمأنينة أرواحهم ويقين الشارع المصري بأن التغيير إلى الأفضل آت لا محالة، وتضحيات الشباب هي أنبل ما في طريق الأمل.

صبغ الفنان عصمت داوستاشي بورتريهاته بخصوصية تجربته التشكيلية الذاتية ومقوّمات هويته المرتكزة إلى الطابع الملحمي السردي والقدرة على حكي أحداث المشهد وتقصّي كل ما يتعلق بالشخصيات من إفضاءات وسيرة ذاتية كاملة، وكأن البورتريه كتاب مفتوح أو سِفْر ضخم، عنوانه الشخصية التي يقيم الفنان حوارا بصريا استثنائيا معها، حافلا باللمسات الاستشعارية والتوترات السحرية.

هذه الأجواء الملحمية اكتسبت في بعض الأعمال صفة الأسطورة، خصوصا مع مزج البورتريهات النسوية بملامح وجوه الجداريات الفرعونية القديمة، ووجوه الفيوم، إلى جانب الاستفادة من التراث الإنساني ورصيد الحضارات القديمة، مثل الأقنعة الأفريقية وغيرها، وصهر الفنان هذا كله في ما يخدم المسار العام، الملامس للحياة المصرية بتجلياتها الموروثة وحركتها المعاصرة.

إن ملكة الحكي لدى الفنان عصمت داوستاشي هي معادل لعشقه التفاصيل والخطوط الدقيقة والمنمنمات المكثفة الثرية، المحيلة إلى رموز وأيقونات متنوعة، والمفتوحة في الوقت ذاته على شخصية الفنان الغنية، المتسعة لأمواج البحر المتوسط، وهمس أصدافه، والتماع رماله، وغموض ضبابه، وجنون حوريّاته وجنيّاته وكواكب التأمل الدائرة في فلك فضائه.

لم يترك داوستاشي فنه أسير حصص مدرسية أو التزامات منهجية، فهو لاعب سيرك يلهو بالفن، ويقفز برشاقة متنقلا فوق حبال الدهشة الرفيعة، ناسجا أعماله بطفولية وتلقائية، وفق تكنيك أبعد ما يكون عن أبجديات الفوتوغرافيا الميكانيكية، فبورتريهات الفنان قراءات بصرية تضع يدها بشكل مباشر على مكامن الأسرار، وتلتقط مفاتيح الشخصيات الجوهرية، ونقاطها الأكثر وضاءة والأغنى دلالة.

اتسمت أعمال عصمت داوستاشي بصفة التجسيم، انطلاقا من شغفه بالنحت، ومع طبيعتها الحركية صارت بورتريهات الفنان ذات الأبعاد المتعددة والصيغة الحكائية بمثابة عرض درامي أو سيرة تسجيلية مصوّرة للشخصيات، حقيقية كانت أو اعتبارية، بما منحها قدرات إضافية على مخاطبة الحواس والتأثير في الملتقي.

بورتريه "الفنان" كما يراه داوستاشي
بورتريه "الفنان" كما يراه داوستاشي

 

17