واشنطن وحلفاؤها يواجهون طهران بإستراتجية غير متكاملة

الميليشيات والموالون أكثر أهمية لإيران من خططها النووية اذ يمنحونها نفوذا يمتد من الشرق الأوسط وحتى أفريقيا.
الجمعة 2019/11/08
الكل يريد استنتساخ تجربة حزب الله

ظاهريا، تبدو الولايات المتحدة وحلفاؤها متفوقين في المجال العسكري التقليدي في المنطقة، لكن بالتعمق في التفاصيل الدقيقة لخارطة النفوذ والصراعات في الشرق الأوسط يتبين أن إيران تتمتع بقوة غير تقليدية تجعلها تتفوق على خصومها، وذلك عبر شبكة شركاء من غير الدول من يعكس قوتها وثبت نفوذها خارج حدودها. وأصبحت قيمة هذه الشبكة الإستراتيجية أكبر من قيمة قوات إيران التقليدية وصواريخها الباليستية وحتى برنامجها النووي.

لندن – خلال حملته الانتخابية كان “تمزيق الاتفاق النووي” وتحجيم نفوذ إيران من أبرز وعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن ترامب نفذ نصف الوعد، انسحب من الاتفاق النووي دون أن ينجح في تقليم أظافر إيران، التي يصنفها التقرير السنوي للخارجية الأميركية أسوأ دولة راعية للإرهاب في العالم.

تفسر عدة أسباب الموقف الأميركي، منها ما يتعلق بسياسات ترامب القائمة على الصفقات والحسابات ومنها ما يتعلق بإيران نفسها وأسلحتها، حيث صارت تسبق الولايات المتحدة والدول الأوروبية وحلفاءهما في الشرق الأوسط بخطوات تمكنها من التفوق. تتمثل هذه الميزة في ما أطلق عليه المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية اسم “الطرف الثالث”، وهم الميليشيات والجماعات المتمردة.

يمنح هذا الطرف الثالث إيران نفوذا يمتد من الشرق الأوسط وحتى أفريقيا، فإلى جانب حضورها في العمق الإيراني ودورها في لبنان عبر حزب الله والحرب بالوكالة في اليمن، عن طريق الحوثيين، يمتد أفريقيا حيث تنصب إيران نفسها حامية للشيعة هناك، ويبرز دورها بشكل أساسي في نيجيريا من خلال دعمها لجماعة شيعية يقودها إبراهيم الزكزاكي، الذي يطمح أن يكون “نصرالله أفريقيا”، مثلما تطمح إلى ذلك الجماعات الموالية لإيران في العراق ولبنان، لأن تكون نسخة من حزب الله اللبناني، لها نفوذ مالي وعسكري في دولة إستراتيجية.

وتلفت الدراسة التي أعدها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (أي.أي.أس.أس)، الذي يتخذ من لندن مقرا له، إلى أن هذه الشبكات أهم من برنامج الصواريخ الباليستية والخطط النووية المفترضة وقوات إيران العسكرية التقليدية، وهي في عمقها تنفيذ لمبدأ تصدير الثورة الذي أسس له الخميني وربط به مصير الجمهورية الإسلامية.

اليوم، تسبق إيران الولايات المتحدة، التي تكتفي بقرع طبول الحرب دون أن تتجاوز مرحلة التهديد، مكتفية بالعقوبات وبسياستها القديمة في تصنيف طهران على قائمة الإرهاب، وسياسة الحصار التي لم تعد تجدي نفعا حيث فتحت إيران منافذ لها من عدة جهات تضمن لها إمكانية التنفس وإن بصعوبة.

فيلق القدس وزعيمه قاسم سليماني يستجيبان لأوامر المرشد الأعلى، مما يجعله يتجاوز الهياكل العسكرية الأخرى التي تدعمها إيران

استغلت إيران في العقد الأخير كل الظروف التي وفرتها لها الإدارة الأميركية، منذ عهد الرئيس جورج بوش الابن الذي كان مهووسا بضرب العراق، وفتحت بوابة العراق أمام إيران في عهد باراك أوباما، الذي ركّز على توقيع الاتفاق النووي مع إيران بأي ثمن، ما جعله يتغاضى عن كل ممارسات إيران ويغض الطرف عن تحذيرات الحلفاء من أنه لا يمكن الوثوق في إيران وأن السلاح النووي ليس سوى غطاء لمشاريع أهم تستهدف تحويل بغداد وبيروت وصنعاء إلى حاميات إيرانية.

وجاء دونالد ترامب واعدا بنسف كل إرث أوباما، ليتبين لاحقا أنه يتبع نفس السياسة وإن بخطاب مختلف ولغة حماسية أكثر تغطي هذا العجز. نفذت الإدارة الأميركية في عهد ترامب سلسلة من العقوبات، وأدرجت أسماء قياديين على قائمة الإرهاب، وهددت عندما استهدف الحوثيون السعودية وهددت صواريخهم الملاحة البحرية الدولية. اقترح حينها ترامب تكوين تحالف عسكري بالخليج لحماية النفط، لكن كانت هناك رسالة أخرى من بين سطور تهديداته واقتراحاته مفادها “احموا أنفسكم”.

وصلت هذه الرسالة إلى القوى الخليجية، أساسا السعودية والإمارات، وعدلت سياساتها الدفاعية منذ الأيام الأخيرة لأوباما، وحتى عندما وصل أوباما بوعيده بما ينتظر إيران من “أيام سوداء” وحديث مستشاريه السابقين، وخاصة جون بولتون، عن إسقاط النظام الإيراني، تم التعامل معه بحذر، فالواقع يؤكد أن الإستراتيجية القديمة في التعامل مع إيران لم تعد تنفع، كما سيناريو تشجيع التهور الخارجي فالحصار فالعقوبات. ولم توجد مؤشرات حقيقية على أن إيران يمكن أن تتحول من دولة منبوذة إلى ذلك الجار الذي يهتم بشؤونه ويحاول بناء علاقة طيّبة مع جيرانه.

وقد لخصت نيكي هيلي المندوبة الأميركية السابقة في الأمم المتحدة الوضع على مدى السنوات الماضية بقولها إن “إيران كانت تفعل كل ما تريد بينما نحن منشغلون بالاتفاق النووي”. ويثبت ذلك المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في دراسته التي جاءت في أكثر من مئتي صفحة رصدت بتفاصيل دقيقة كيف وظفت طهران ميزان القوى الفعالة في الشرق الأوسط لصالحها عبر مواجهة القوات العسكرية التقليدية المتفوقة عليها بأطراف مكنتها من التأثير عما يحدث داخل بلدان المنطقة.

ومع شعور طهران بالضغط من العقوبات التي أعاد الرئيس الأميركي فرضها في العام المنقضي في محاولة لإجبارها على التفاوض بشأن صفقة نووية جديدة، تتزايد رغبة الفصائل المتشددة في ضرب خصومها.

ميزة إستراتيجية

حزب الله.. الشريك الصغير
حزب الله.. الشريك الصغير

حسب الدراسة، لم تكن أي دولة نشطة وفعالة في النزاعات الإقليمية في التاريخ الحديث مثل إيران، إذ تبلغ تكلفة أنشطتها الإجمالية في سوريا والعراق واليمن 16 مليار دولار (12 مليار جنيه إسترليني) ويتلقى حزب الله اللبناني 700 مليون دولار منها سنويا.

ولا تتطلب مواجهة النفوذ الإيراني ردودا محلية فقط، بل تحتاج فهما لقدراتها السيادية التي أصبحت حجر الأساس في الإستراتيجية الإقليمية التي اختار النظام اتباعها، وخاصة في كيفية التعامل مع الأطراف الثلاثة الذين لا يمكن اعتبارهم فقط “وكلاء”.

طورت إيران قدرتها السيادية على المشاركة في الحروب المندلعة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وفي النزاعات الأخيرة التي مازال بعضها مستمرا إلى اليوم، منحت هذه القوة الفعالة إيران ميزة إستراتيجية ساعدتها على التفوق على خصومها الذين يعتمدون القوات التقليدية ويحاولون تشكيل شبكات شركائهم الخاصة.

بدأت إيران مهمتها التوسعية من العقود الماضية من خلال القوة الناعمة التي تتجسد في المراكز الثقافية وتأسيس الجامعات والبعثات الطلابية، لكن بعد أن أمسكت بمفتاح العراق وسيطرت على السلطة، وبدأت الأوضاع في الشرق الأوسط تدخل منعرجا جديدا مع الحرب في اليمن والانتفاضات التي شهدتها عدة دول، بالتزامن مع سير في مفاوضات الاتفاق النووي، انتقلت إلى مستوى متقدم من العمل العسكري المباشر.

أنيطت مهمة هذه المرحلة إلى فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، والذي يقوده قاسم سليماني. وأصبحت هذه القوة ممثلا إقليميا قويا تكيفت استراتيجياته مع ظروف الصراع المعاصر.

يعتقد وزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو (تولى المنصب من 2001 إلى 2006)، الذي زار إيران عدة مرات، أن دور سليماني يتعدى مهام القائد العسكري العادي، وقال إنه كان يدير سياسته الخارجية في المنطقة من خلال تحالفات مدعومة بالقوة.

ويستجيب فيلق القدس وزعيمه قاسم سليماني لأوامر المرشد الأعلى مباشرة، مما يجعله يتجاوز الهياكل العسكرية التقليدية الأخرى التي تدعمها إيران ليصبح كيانا مستقلا وأقوى.

ومن خلال الاستثمار في فيلق القدس خارج حدودها الإقليمية وعبر تجنيد عدد من الميليشيات المختلفة التي تجمع حوالي 200 ألف مقاتل. كما استغلت “مناطق الصراعات الرمادية” لتشن عملياتها العدائية دون إعلان الحرب المباشرة على الدول الأخرى. فإيران تقاتل في الحروب الداخلية في بعض البلدان وتربحها دون أن تضطر إلى خوض حرب. وتتجنب طهران هذه الصراعات لأنها تعرف قوة خصومها في المجال العسكري التقليدي. لذلك، تختار البلاد نهج الحرب غير المتكافئة من خلال حلفائها من غير الدول.

ويرى معدو دراسة المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في الخطاب الذي ألقاه ممثل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في محافظة خراسان رضوي، أحمد علم الهدى، بعد الهجوم على معمل بقيق للنفط السعودي في سبتمبر 2019، تجسيدا للتفكير الأيديولوجي والإستراتيجي الذي تتبعه إيران، التي لا تتوقع عائدا اقتصاديا من شركائها بل تمولهم ليخدموا مصالحها عن بعد.

وقال علم الهدى إن إيران لم تعد مقيّدة بالحدود الجغرافية، بل أصبحت موجودة في قوات الحشد الشعبي في العراق وحزب الله اللبناني وأنصار الله في اليمن (الحوثيون) وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وحماس. أصبحت كل هذه القوات تمثل إيران، مما حررها من حدودها. وأعلن حسن نصرالله، الذي يشغل منصب أمين عام حزب الله اللبناني، أن المقاومة تتبع زعيما واحدا وهو المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران.

تجربة الحرب الإيرانية

الحرب لا تٌنسى
الحرب لا تٌنسى

استفادت إيران من تجربتها في الحرب العراقية الإيرانية من جهة، ومن جهة أخرى من تجربتها مع الأيديولوجيات الثورية، التي تطورت مع صعود الجمهورية الإسلامية وشعار “الموت لأميركا”، والترويج لمحور المقاومة عززت إيران علاقاتها مع هذه الجماعات في التسعينات من خلال دعمها بالأسلحة والأموال والتدريبات التي يستحقها المقاتلون التابعون لها. أيضا لعبت إيران على وتر المظلومية الشيعية.

وبعد وصوله إلى السلطة في أعقاب الثورة الإسلامية التي نشبت سنة 1979، بدأ الخميني في بناء شبكة غير حكومية تابعة للنظام. وفي سياسته الخارجية توجه إلى “الشعوب المضطهدة” في العالم ودعاها إلى الاتحاد، وحرّض الشيعة في المنطقة على الانتفاض ضد الحكام المدعومين من الغرب، وقاد نظامه للعمل مع الجماعات الشيعية في كل من لبنان والعراق. وطورت طهران القدرة على حشد المجندين ونقلهم عبر مسارح الصراعات. وفتحت انتفاضات الربيع العربي الحدود أمام طهران لتغرق دولا مثل سوريا بمقاتلين من الشيعة الأفغان ومن باكستان وغيرهما.

وتصف دراسة إيران بالانتهازية، مشيرة إلى أنها لم تفوت أي فرصة وجدتها في طريقها. فعند المشاركة في نزاع ما، تصمم أسلوب تدخلها بطريقة تتجنب التصعيد المباشر الذي قد يعرض نظامها للخطر. وخلقت إمكانية إنكار تورطها في الأوضاع الخارجية رغم أنها تتمتع بمنصة دائمة تمكّنها من التأثير.

ومكنت شبكة إقليمية من الشركاء إيران من إظهار نفوذها داخل عمق الدول الأخرى بتكلفة منخفضة، وذلك بتمكينها من اختراق مؤسسات الدولة في بعض البلدان مثل العراق، أو بتصويرها من خلال ممثلين أقوياء مثل حزب الله اللبناني، وأيضا من خلال مساعي إشراك الحوثيين في المفاوضات ما يعطيهم شرعية.

وتختلف تكتيكات إيران من بلد إلى آخر. ففي العراق، توظّف طهران المتمردين لمهاجمة الجيش الأميركي، الذي فتح المجال للحشد الشعبي، المكون من ميليشيات موالية لإيران، من خلال إشراكها في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وفي سوريا، عزز قاسم سليماني الجيش السوري لمحاربة المتمردين متعددي الجنسيات الذين تدعمهم الولايات المتحدة.

وفي لبنان، تطورت علاقة حزب الله بطهران، إذ جعلت الصواريخ الإيرانية والأسلحة المضادة للدبابات والصواريخ والـ25 ألف فرد من جنود الاحتياط الممنوحين لحزب الله من المجموعة اللبنانية قوة في حد ذاتها. ويبدو حزب الله جهة فاعلة مستقلة قادرة على عكس قوتها في المسارح العسكرية المعقدة كجزء من تحالف مع جهات فاعلة تابعة للدولة أو إلى جانب الميليشيات المحلية. وبرز هذا الوجه من خلال مشاركة المجموعة في الحرب الأهلية السورية.

يلفت المعهد إلى أن هذه الشبكة نجحت في التمدد لأنه لم يكن هناك أي رد فعل دولي واضح ومباشر وفعّال في ردعها وهي في بدايتها. ومع مرور الوقت وانشغال المجتمع الدولي من جهة بالاتفاق النووي ومن جهة أخرى بالحرب ضد داعش وبتمدد قوى الإسلام السياسي، أصبحت الأطراف الثلاثة بذلك سلاح طهران المؤثر. وتقول الدراسة إن دعم إيران للجماعات المثيرة للقلاقل في البحرين والسعودية والكويت يهدف في المقام الأول إلى إثارة حكومات هذه البلدان والضغط عليها، وفرض تكلفة سياسية على شراكتها مع الولايات المتحدة.

مقاومة ولكن…

تغيير الاستراتيجيات
تغيير الاستراتيجيات

توافق دراسات أخرى مع ما ذهب إليه المعهد الدولية للدراسات الاستراتيجية، حيث يرى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن إيران استفادت من دعم المجموعات التي تخدم أنشطتها أهدافها. وقال “لا تستطيع إيران أن تتنافس مع المملكة العربية السعودية معتمدة القدرات العسكرية التقليدية. لذلك، حاولت استخدام آليات أخرى لتأمين مصالحها وحماية نفسها من التهديدات الخارجية”.

وتذهب في ذات السياق دراسة صادرة عن مؤسسة راند البحثية مشيرة إلى أنه ينظر إلى شركاء إيران من غير الدول على أنهم مجموعة موحدة ذات ولاء ثابت لحكومة طهران، إلا أن المجموعات تحمل اختلافات مهمة في ما بينها. ويرجح مركز ستراتفور للدراسات الأمنية الاستخباراتية أن تواصل إيران اعتماد رد يتحدى توسيع نطاق العقوبات الأميركية. توفر الأسابيع الستة المقبلة العديد من الفرص لإيران، إذ تستطيع شن هجمات ضد المملكة العربية السعودية وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين في الشرق الأوسط.

ويخلص الخبراء إلى أن تغيير إيران لمسارها غير مرجح مع تواجد ترامب في البيت الأبيض، وستواصل اغتنام الفرص لتوسيع استراتيجياتها القائمة على الأطراف ثالثة، مشيرين إلى أن إيران تتمتع بالمرونة الكافية لمقاومة موجة الاحتجاجات المناهضة لنفوذها في البلدان المجاورة لها، لكنها تواجه صعوبات لأن نفوذها يعتمد على مجموعات لا تريد أن تحكم مباشرة مثل حزب الله في لبنان، ومجموعات غير قادرة على افتكاك الحكم مثل ميليشياتها في العراق.

7