هواجس الريادة السعودية

سعودياً، يأتي المنتج الثقافي متأخرا عمّا كان يدور في العالم العربي، لاسيما إبان الثورات العربية والانقلابات السياسية التي اتخذت من الثقافة الحزبية مرجعاً يشكّل أدبياتها المرحلية على الأقل.
الأحد 2019/03/17
هل هنالك رواد حقيقيون للإبداع

ثمة هواجس تسكن المشهد الثقافي العربي بصورة عامة حول الريادة في كل المجالات الثقافية؛ رائد السينما، والشعر، والرواية، والموسيقى، والمسرح، وأدب الطفل، وكأن الجميع منبتّ الصلة بما حوله من حوامل ثقافية كانت موارده الأساسية في الكتابة والتأليف والعمل. هذه الحوامل هي أشبه ما تكون بريادات غير متصلة شكّلت في الوعي الباطني للمبدع شكلا من أشكال تمرحلات عمله. ولكن، السؤال هو: هل هنالك رواد حقيقيون للإبداع؟

سعودياً، يأتي المنتج الثقافي متأخرا عمّا كان يدور في العالم العربي، لاسيما إبان الثورات العربية والانقلابات السياسية التي اتخذت من الثقافة الحزبية مرجعاً يشكّل أدبياتها المرحلية على الأقل، وإن كانت تنازلت عنها في وقت لاحق لصالح الدكتاتور الحزبي الذي حوّل الديمقراطية إلى رغيف خبز عائلي (العراق ومصر وسوريا وليبيا أنموذجا).

ما حصل في العالم العربي كان -بالنسبة للسعوديين- مجرد فيلم وثائقي يشاهد على شاشة التلفزيونات بعد مرور الحدث بسنوات طويلة، فما كان جوهرياً في القاهرة وبيروت وبغداد كان هامشاً في الرياض، فالثقافة تأتي في آخر الصف إذا ما عرفنا أن الأمية (القراءة والكتابة) كانت هي السائدة في الخمسينات والستينات وحتى السبعينات من القرن الماضي. الأمر الذي جعل من المثقف كائنا فضائيا في صحراء الربع الخالي. ولعل هذا ما يبرّر الموقف المتطرف من قبل المجتمع المحافظ إلى كل المثقفين وما يمتّ لهم بصلة إلى الحد الذي جعل من الكتاب نفسه عدوا مباشرا لهم.

نعم، أتفهّم أنه في حالة اجتماعية كهذه من الممكن أن يكون أي خطاب مختلف عن الخطاب الديني السائد هو خطاب ثقافي رائد وتنويري، ولكن إلى أي حد يمكن الاحتفاء والاهتمام به، وكأنه حالة شبيهة بالحالات العربية الأخرى؟ فهل يمكن -مثلا- اعتبار حامد دمنهوري رائدا للرواية السعودية، وحمزة شحاتة وخصمه محمد محسن عواد رائدين للشعر، وطارق عبدالحكيم رائدا للموسيقى، وأحمد السباعي رائدا للمسرح.. وهكذا؟

الخطابات التوصيفية الجاهزة خطيرة في كونها لا توصل إلى شيء سوى محاولة اعتبارنا شيئا يمكن الاحتفاء به في الصحافة المحلية، ويمكن الإشارة إليه في المناهج التعليمية إلى طلابنا الجامعيين في قسم الإعلام والتاريخ واللغة العربية، لكن الأمر ليس كما يبدو. إنه أشبه بمحاولة إلصاق الإعجاز العلمي بالقرآن، فنحن نهجوه من حيث نظن أننا نمدحه.

عندما نتكلم عن حقبة زمنية لا يقرأ فيها أحد كان من الأجدر توصيف المرحلة بعبارات أقل حماسةً. فلو قيّض لقراء حقيقيين قراءة المنتج آنذاك لوقفوا على الهوة الفنية الكبيرة بينه وبين المنتج الثقافي العربي. إننا في الواقع أمام كتابات مراهقة أصبحت ذا شأن كبير لأنها -صدفة- وقعت ضمن الحيّز الجغرافي السعودي فقط.

الغريب أن هاجس الريادة لم يتوقف عند (الرواد) الذين لا ذنب لهم في تسميتهم بذلك، بل تجاوز الأمر للمثقفين في فترة السبعينات والثمانينات الذين يصنّفون أنفسهم بأنفسهم باعتبارهم رواد الحداثة في السعودية، وباعتبارهم الأساتذة (الكبار) للجيل الذي أتى بعدهم.

وهنا ربما يمكن إعادة السؤال: هل هنالك رواد حقيقيون؟ خصوصا إذا ما علمنا أن الإحصائيات تخبرنا بأن مفهوم الأمية تجاوز معناه الكلاسيكي، وأن النسبة الكلاسيكية لها أصبحت لا تتجاوز 2 بالمئة. وأن الجيل الثقافي الجديد من الكتّاب تجاوز القراءات المحلية إلى القراءات العالمية بلغة الأم، دون وسيط ثقافي، وأن معظمهم لا تسكن مكتباتهم الشخصية سوى الكتب الأجنبية أو المترجمة. فعن أي ريادة نتكلم؟

10