هناك شيء ناقص في حياتنا نبحث عنه بالكتابة

المصرية زينب عفيفي: إذا كانت الرواية الرومانسية تهمة فأنا متهمة.
الجمعة 2021/07/30
الكتابة ليست صورا فوتوغرافية

الكتابة النابعة من الذات لها مآزقها الكثيرة مثل الشخصنة والعاطفية المفرطة وغيرها، لكن من ناحية أخرى لها ميزاتها حيث يمكنها أن تقدم نصوصا مفعمة بالأحاسيس، نصوصا حية تتجاوز التلفيق والاصطناع، فيما يبقى رهانها لكي لا تقع في الانغلاق هو مزجها بين الحقيقي والخيالي، على غرار كتابات الروائية والقاصة المصرية زينب عفيفي. في هذا الحوار مع “العرب” نتعرف على أهم خصوصيات الكتابة عندها.

يشكل إخلاص الكاتبة الروائية زينب عفيفي للقضايا الإنسانية التي تربط بين أفراد الأسرة والمجتمع وما يتفاعل فيهما من أحلام وطموحات وتناقضات، وأيضا إخلاصها لرؤى ذاتها وأفكارها وواقعها، وكذا لمعالجة عمق هذه القضايا بلغة راقية وأسلوب سلس وقدرة هادئة على سرد تفاصيل ذوات وحيوات الشخصيات، أهم محاور تميز روايتها وقصصها القصيرة، فهي خلال هذه الأعمال لم تذهب إلى الافتعال أو المزايدة لا على موضوعاتها التي تعالجها ولا على شخصياتها المختارة والمنتقاة من طبقات وفئات اجتماعية مختلفة.

وفي روايتها الجديدة الصادرة أخيرا عن الدار المصرية اللبنانية بعنوان “معك تكتمل صورتي” تواصل طرح رؤاها وأفكارها وتدخل منطقة إنسانية جديدة إنها منطقة الفقد والموت.

الرواية الرومانسية

بداية تؤكد عفيفي أن الفقد دوما يشعرنا بأن هناك شيئا ناقصا في حياتنا، نظل نبحث عنه طوال الوقت، وبعد عناء البحث نكتشف أنه باق في أعماقنا ولم يغادرنا، وفي رواية “معك تكتمل صورتي” ترفض البطلة دون وعي منها فكرة الفقد والموت، وأن من أحببناهم لا يموتون مثل كل البشر.

تدور الرواية حول توأم متشابه حد التطابق، إلى درجة أنه يصعب على الجميع التفرقة بينهما حتى الأب والأم نفسيهما، واحدة شخصيتها مرحة ومتفائلة تحب القصص والروايات والأخرى شخصية هادئة خجولة تحب العزلة والانفراد بنفسها وتهوى التصوير، تموت إحداهما في حادث سيارة، وتبقى الأخرى على قيد الحياة ولا يعرف الجميع من التي رحلت ومن التي بقيت، فقد عاشتا حياة متبادلة، لعبتا معا واختلقتا عوالم تخصهما وحدهما من الأسرار والحكايات، لم تكن أمهما نفسها تعلمها عنهما، كانتا تعشقان لعبة “الغماية” التي كان يفشل اللاعبون الآخرون معهما في التمييز بينهما.

في ظل الزخم الإبداعي الناتج عن العزلة، والكتابات التي ملأت الساحة الأدبية صخبا، توارى صوت النقد

تشابه كبير جعل الجميع لا يعرف من التي رحلت ومن التي بقيت على قيد الحياة، إلا فاطمة التي كانت تعلم وترفض موت توأمها نصفها الناقص.

تكشف الكاتبة أن فكرة هذه الرواية راودتها كثيرا وعاشت معها، لأنها عاشت ما يشبهها، فقد ماتت توأمها لحظة الميلاد، وحينما كبرت وكانت تفشل في العثور عن أي شيء أحبته يأتي الصوت الداخلي ليخبرها أنه رحل مع توأمك، لكن الرواية تختلف تماما عن حياتها، التوأم عاشا لسن المراهقة، وجمعتهما حكايات وأسرار كثيرة اعتمدت عليها الرواية في السرد، ولم تقم على أحداث الحكاية الأصلية، فتوأم الكاتبة ولدت ميتة، وظنت لوقت أنها هي من قتلتها، ولكن أمها أخبرتها أنها كانت مولودة ضعيفة لم تحتمل الحياة وفارقتها، وبقيت هي ومازالت تحتملها كما تقول.

وتلفت عفيفي إلى أن الرواية “معك تكتمل صورتي” تعتبر العمل الإبداعي الخامس مع الدار المصرية اللبنانية، والعمل الرابع عشر في مسيرتها الأدبية، حيث جاءت رواية “شمس تشرق مرتين” كأول عمل صدر لها في نفس الدار ثم مجموعتها القصصية “خمس دقائق”، وتتصور أنها في هذه المجموعة قد تخلصت من أعباء نفسية كثيرة داخل روحها كانت تريد أن تتخلص منها بشدة، وتنقي عالمها النفسي من أي شوائب استعدادا لدخول معركة حقيقية في الكتابة، التي ظلت تلوح لها وهي تتجاهل رغباتها تجاهها، إلى أن اهتدت، كما تقول، إلى حب نفسها في روايتها “أهداني حبا”.

وتتابع “لا أحد يعرف عذاب الكتابة مثل الذي يريد أن يكتب عن أشياء حقيقية من الخيال، وبقدر بكارة الإحساس بقدر عذاب الانتقاء، الكتابة ليست صورا فوتوغرافية في الحياة مثل الصور الصحافية، الصورة الإبداعية تتزين بالبلاغة والعذوبة، ولا مانع أن تأخذ من الصحافة لغتها السلسة البسيطة والتي لا تعني السطحية، وإنما البساطة مع العمق، أو ما يحب أن يعبر عنه البعض بالأسلوب السهل الممتنع، أردت بشدة أن أكتب ليس ليراني الناس كاتبة فذة، وإنما أردت أن أكتب في هذا الوقت لأنني أريد أن أضع حدا لوحدتي رغم صخب الصحافة الذي أعيشه. أحببت أن أرى نفسي، وأرى وجهي الآخر الذي أكونه ولا أكونه، في الكتابة صنعت عوالم بأبطال أحببت أن يكون لهم وجود حقيقي في حياتي، أحادثهم ويحادثونني، ونصنع معا عالما آخر نعيش فيه ما لم يمكنا منه الواقع”.

وترى عفيفي أنها في روايتها “أهداني حبا” صنعت بطلا خرافيا، فارسا ثوريا، جاء من أجل تخليص البلاد من كل أوجه الفساد، وتقع في حبه امرأة لا يعلم عنها شيئا، أحبت فيه أفكاره ومبادئه، وتصورت أنه جاء من أجل تحقيق أحلامها، ولكنه يموت قبل تحقيق الحلم، فتقرر أن تكتب له رسالة تعترف له أنها لم تحب غيره، وأنها بحثت عنه في وجوه كثيرة ولم تجده، وذلك في سرد تاريخي لأحداث سياسية منذ السبعينات وما مرت به مصر من أحداث سياسية وثورات من أجل تحقيق نفس الأحلام والأفكار التي طالب بها الحبيب الأول من خلال القضاء على أوجه الفساد المختلفة متمثلة في مطالب الشعب المستمرة على مدى عقود طويلة.

الحكايات وإن بدت متشابهة فهي مختلفة باختلاف أبطالها وعوالمها الخيالية التي نحلم أن تعبر عن بعض من أنفسنا

وتبين عفيفي أن نهاية الرواية تبقى مفتوحة رغم الإغراءات التي قابلتها في الحياة من استقرار عاطفي إلا أنها ظلت مرتبطة بالمبادئ والأفكار التي تركها لها البطل الأول من خلال أوراقه ومسودة رواية بعنوان “بعد مئة عام من الثورة”.

وتضيف “الرواية وإن حملت عنوانا رومانسيا ‘أهداني حبا’ فهي في حقيقة أحداثها ليست كذلك رغم وجود الخط الرومانسي فيها طوال الحكي. ولا أنكر أننا نعيش في حكايتنا الكاذبة وكأننا نحيا واقعا حقيقيا نتمنى ألا ينتهي، ولكنه ينتهي مهما طال أو قصر العمر، فالحكايات وإن بدت متشابهة فهي مختلفة باختلاف أبطالها وعوالمها الخيالية، التي نحلم أن تعبر عن بعض من أنفسنا وإن لم نكن نحن بالفعل. وحدها الكتابة هي التي أضاءت أجزاء مجهولة من الوجود الإنساني، تستحق البقاء. إنها ثورة على الصمت، وصخب محبب في ظل عالم نصنعه بمفردنا في حضور أبطال رواياتنا”.

 وبعد ثلاث سنوات من رواية “أهداني حبا” صدرت لعفيفي رواية “أحلم وأنا بجوارك”، والتي تدور بين أم كفيفة تعشق القراءة وابنة وحيدة رفضت الزواج كي تقرأ لأمها الروايات التي كانت تعيش مع أبطالها في الخيال، ثم أصبحت كل منهما لا تستطيع الحياة دون الأخرى إلى أن يظهر في حياتهما كاتب حقيقي تقع في حبه الابنة، ولكن الأم تعرف حقيقته المزيفة وروايته الكاذبة التي أبهرت ابنتها، لتكتب الأم رواية مضادة تحكيها وتكتبها الابنة.

وتقول عفيفي “إذا كانت الرواية الرومانسية تهمة فأنا متهمة مع سبق الإصرار والترصد، وإذا كانت عناوين روايتي مراوغة عن مضمون الرواية، فهذا بالاتفاق بيني وبين دار النشر التي أؤمن بأنها تعرف جيدا كيف تسوق لمؤلفيها، وتحافظ على مستوى إنتاجها وإنتاجهم”.

الكتابة والأسئلة

 الكتابة الروائية عند المرأة

عن سؤال الكتابة، لماذا تكتب؟ تجيب عفيفي “لا أستطيع أن أفعل شيئا آخر، وأتصور أن الكتابة في حياتي وجدت كي أعيش وأتنفس وأحب وأغضب وأثور، كل هذه الانفعالات لولا وجود الكتابة في حياتي لكانت حياتي مظلمة، إنني أكتب لأنني أحب الكتابة، لأن هناك أشياء تثير دهشتي، أكتب لأن الكتابة فعل حياة؛ وأنا أحب الحياة، ومن يحب لا ينتظر مقابلا لحبه، ومن حسن حظي أن مهنتي الصحافة، فأكتب وأتقاضى أجرا، لكن كتاباتي الروائية أكتبها كي أشفى من أوجاعي، كي أخرج من عالمي الضيق إلى عالم أرحب دون انتظار أي مقابل، الكتابة في حياتي تبقيني على قيد الحياة وهذا يكفيني”.

وتشير عفيفي إلى أن الثقافة الآن ليس في مصر وإنما في العالم تواجه محنة التفاعل الفعلي، بسبب الإجراءات الاحترازية المشددة التي فرضها فايروس لا يرى بالعين المجردة، ولكنه استطاع أن يجمد العالم ويعزله، ويمكن القول إن لها جانب إيجابي فقد فرضت عزلة إجبارية على المؤلفين والمبدعين، فأبدعوا في كتابات جديدة من جانب، ومن جانب آخر أحدث ذلك نوعا من الفوضى في الكتابة. وساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على انتشار هذه الظاهرة.

وترى أنه في ظل هذا الزخم الإبداعي الناتج عن العزلة، والكتابات التي ملأت الساحة الأدبية صخبا، توارى صوت النقد، وضعف، ليس لعدم أهميته، وإنما لعدم قدرته على مواجهة هذا الكم الهائل من الكتابات الجديدة، وأصبح كل صاحب صوت عال على السوشيال ميديا ناقدا، واختلطت الأدوار، وأصبح الشاعر ناقدا وروائيا وشاعرا، وأصبح الروائي ناقدا ومنظرا، واختفى الناقد الحقيقي صاحب النظريات النقدية التي تتبنى الإبداعات الجديدة وتحكم على الأعمال الإبداعية بحيادية.

وتختم عفيفي أن “الإبداع في كل صوره لا بد أن يحمل رسالة، أحيانا تأتي واضحة جالية، كالحرية والعدالة والجمال والحب، وهي أحلامنا جميعا في صور مختلفة، إلا أنني أتمنى أن يستشعر قارئي كل هذه الحالات دون رسائل مباشرة، يشعر بأنني استطعت أن أجيب على أسئلة بداخله لم تخطر على باله قبل أن يقرأني”.

15