هل يكون الخوف مساعدا في الحماية من آثار التقنية؟

الآلات تكشف لنا عن المذهل والعجيب وتثري فهمنا للعالم وذواتنا.
الخميس 2021/04/08
هل تهدد التقنيات الإنسان أم تساعده

برغم كل الإنجازات التي حققتها التقنيات الحديثة التي يسّرت حياة الإنسان في كل المجالات كالطب والنقل والطباعة والتواصل الاجتماعي والبث الإذاعي والتلفزيوني والهندسة المعمارية ومدّ الجسور والطّرقات وما إلى ذلك من مظاهر الحداثة، فإن ثمة خوفا متناميا من المخاطر التي يمكن أن تنجرّ عنها حتى صار بعض علماء الاجتماع يتحدثون عن فوبيا التقنية.

يفرح الإنسان عادة بالمستحدثات التقنية التي يستعملها في حياته اليومية، حيث لا يرى حرجا في الإقبال على الوسائل التكنولوجية الجديدة كالهاتف الجوال الذي صار كالسّكين السويسري، يجمع كلّ وظائف الهاتف والكمبيوتر والإنترنت وألعاب الفيديو وآلة التصوير والتسجيل والفونوغراف والتلفزيون والراديو.

 ولكن هذا الإنسان نفسه يقابل بالريبة التقنيات العلمية التي قد تشكل خطرا على مصيره، كالطاقة النووية والاستنساخ والكائنات المعدّلة وراثيّا والتكنولوجيات بالغة الدّقة لكونها في نظره تخلّ بالتوازنات الطبيعية وتهدد البيئة وتلحق الأضرار بالكائنات الحية وفي مقدمتها الإنسان، إضافة إلى دورها في تفكيك الروابط الاجتماعية، كما هو الشأن مع الإنترنت وألعاب الفيديو والهواتف الذكية، لاسيما إذا كانت بأيدي قوى ليبرالية تستهين بكل قيمة أخلاقية مثل لوبيات صناعة الأدوية والنفايات السّامّة، ترى في كل شيء بضاعة صالحة للتسويق، ولا همّ لها سوى الربح.

فهل يعاني الإنسان من انفصام في هذا الباب، حيث يحبّ ويكره الشيء نفسه؟

الإنسان والآلة

الإنسان والتقنيات الحديثة
الإنسان والتقنيات الحديثة

في الواقع ينقسم الناس في موقفهم من التقنيات الحديثة إلى فريقين، لكل منهما حججه وبراهينه. فالذين يدافعون عن التقنية يضعون في المقدمة بُعدها الإنساني، شأن مؤرخ العلوم الفرنسي جورج كانغيليم الذي ذكّر في مقالة له بعنوان “الآلة والبنية الجسدية” بالأصل الحيوي والبيولوجي للتقنية، ولئن كان ديكارت في نظريته عن الإنسان الآلة يحيل البنيةَ الجسدية إلى الميكانيكا، فإن كانغيليم يرى العكس، إذ يدعو إلى النظر إلى الآلات كنموذج حي يحتوي على أعضاء الجنس البشري. وفي رأيه أن التقنية هي ظاهرة بيولوجية في المقام الأول.

 كذلك نجد المفكر جيلبير سيموندون الذي يشبّه الموقف المناهض للتقنية بمعاداة الأجانب، حيث يقول “الآلة هي الأجنبية التي ينغلق بداخلها ما هو إنساني، فيظل مجهولا، خاضعا، مجسّدًا، ولكن دون أن يفقد صلته بالإنسانية”. وفي رأيه أن أهمّ سبب من أسباب الاستلاب في العالم المعاصر يكمن في الجهل بالآلة، وهو استلاب لا تتسبب فيه الآلة بل عدم معرفة طبيعتها وجوهرها، وغيابها عن عالم الدلالات، وعدم إدراجها في قائمة القيم والمبادئ التي تشملها الثقافة.

ففي اعتقاد هذا الفريق أن الأدوات التقنية تحتوي على واقع إنساني، وكما ينبغي إعادة التفّكر في طبيعة الأداة التقنية، ينبغي أيضا وضع تلك “الطبيعة” التي تتردد على كل الألسن اليوم موضع مساءلة، كما يفعل فرنسوا داغونيي الذي يندد بما أسماه “ميثولوجيا الطّبيعة”، لأن ما يمثل هذه الطبيعة من مناظر ومشاهد هي من صنع الإنسان، أو لنقل إنها معدّلة وفق ما اختاره، شأن الثمار والخضر التي نعتبرها “طبيعية”، والحال أن أغلبها ناتج عن أنواع متقاطعة وملقَّحة ومختارة، وليس من صنع الصدفة وحدها.

ويذكّر أنصار هذا الفريق أيضا بما يدين به الإنسان للآلة، فهي التي تدفّئنا وتنير طرقنا وبيوتنا وتؤمن تنقلنا ورحلاتنا وهي التي تعالجنا وتشفينا، بفضلها ازداد معدل أعمارنا ووقايتنا من الأمراض والأوبئة، وكان يمكن أن يهلك منا الكثير لولاها.

أما منتقدو التقنية فيعتقدون أنها تطرح عدة مسائل إيتيقية، فقد بلغت اليوم من القوة ما يجعلها تشكل تهديدا للطبيعة، وتنذر حتى بإبادة البشرية كلها.

منتقدو التقنية يرون أنها تطرح عدة مسائل إيتيقية فقد بلغت من القوة ما يجعلها تشكل تهديدا للطبيعة

وقد طرحت مثل هذه الأسئلة بجدية منذ العدوان الأميركي على هيروشيما وناغازاكي باستعمال القنبلة النووية، ما دفع إلى إعادة النظر في واجبات الإنسان الأخلاقية، وهو ما طرحه عالم الاجتماع الألماني هانز يوناس في كتاب “مبدأ المسؤولية” الذي حمل العنوان الفرعي “إيتيقا لأجل الحضارة الصناعية”.

الإيتيقا التقليدية التي تتمحور حول العلاقات بين البشر لا تسمح بمواجهة التحديات الأخلاقية التي يطرحها التطور التقني. ومن ثَمّ ينبغي إعمال الرأي في التزاماتنا إزاء الطبيعة ومسؤوليتنا في علاقتنا بالمستقبل، لأن التقنية يمكن أن يكون لها تأثير بعيد المدى.

ولكي يستبق المخاطر التي تتربص بالإنسان والطبيعة، يقترح يوناس “استكشاف الخوف”، وينبغي تنمية خوف غير مباشر يعمل على تلمس مخاطر التقنية.

ما يعني أن “فوبيا التقنية” ليست دائما هوسا لاعقلانيا كما يعتقد الفريق الأول، لاسيما أن مسألة التقنية تتصل اتصالا وثيقا بالمصالح الاقتصادية كما يؤكد يورغن هابرماس في حديثه عن مخاوفه من بعض البحوث الجينية، فهو يعتقد، شأن يوناس، أن من واجبنا استباق التجديد التقني لكي لا يكبّلنا لاحقا ويضعنا أمام الأمر المقضي، دون أمل في التراجع بعدئذ.

وقد سبق أن ندد هابرماس في كتابه “مستقبل الطبيعة البشرية” بما أسماه “تحسين النسل الليبرالي” الذي يرى أن من حق الأولياء اختيار السمات الوراثية المميزة لنسلهم، وبيّن أنّ في بعض البلدان الليبرالية يوجد أناس على أهبة التوصية بطفل كما يوصون بسيارة تحتوي على ما يختارونه فيها من مواصفات. فكيف يمكن لهذا الطفل الذي يكون ثمرة قرار كهذا أن يعتبر نفسه سيّد حياته إذا علم أنه جاء نتيجة برمجة نسلية؟

وفي رأي هابرماس أن هذا تهديد للفرد في استقلاليته الذاتية، وأن تواطؤ المصالح الاقتصادية يقع في الغالب في صميم الأزمات التي هزّت ثقة المجتمعات.

تحدي التقنية

هل بات التطور التكنولوجي يحدث قلقا وجوديا
هل بات التطور التكنولوجي يحدث قلقا وجوديا

ألا يخفي الخوف من التقنية قلقا وجوديا؟ ذلك ما ذهب إليه أوليفيي ديان في كتاب “الوضع اللابشري، مقالة في الرعب التكنولوجي”، حيث أكّد أن ارتباك الإنسان أمام التطور المطّرد للتقنيات مردّه إلى كونها تغيّر تماما رؤيته لنفسه وللعالم.

 يقول ديان في هذا الصّدد “إن الاستلاب الذي نشعر به اليوم، الضيق الذي يبدو قدر أغلبية المواطنين، يجد جذوره في زوال الوضع البشري، وفي كون هذا الوضع يمّحي عند كلّ تطوّر معلوماتي، وكلّ تحوّل سوسيو – اقتصادي”. فالتّقنيات في رأيه تفتح لنا الباب على مستويات من الواقع ليست في متناولنا، ولا تحمل معنى جُعل لنا، وتخلق توتّرا مع واقعنا البيولوجي، الذي لا يهدف إلى البقاء أكثر مما يهدف إلى الفهم.

 وفي رأيه أن كليانية التكنولوجيات ليست هي التي تولد فينا الضيق، بل قراءات العالم التي تُرغمنا على قبولها، وتضع جوهر الكائن الحيّ والبشريّ وبنيته وشكله موضع مساءلة. ذلك أن شبكة الاتصالات المذهلة، وتقنيات الأرشفة وقواعد البيانات تخزّن وتولّد وتوزّع الملايين من المعلومات التي تفوق طاقة عقل الإنسان. ويتساءل ديان أَلَا تكون بنية الإنسان ناجمة عن ذكاء مشترك يتضافر فيه الإنساني والتقني، البيولوجي واللاعضويّ، ويعجز ذكاؤنا الفرديّ عن تبيّنه؟

بهذا المعنى، فالآلات وهي تكشف لنا عن المذهل والعجيب، تثري أيضا عالمنا وفهمنا إيّاه.

في كتاب “التقنية والعلم كأيديولوجيا” يقول هابرماس “لا يمكن رفع التحدي الذي تطرحه التقنية بوسائل التقنية وحدها، بل ينبغي الدخول في نقاش يفرز تبعات سياسية تنشئ، بصفة عقلانية وإلزامية، علاقة بين المخزون الذي يملكه المجتمع في المعرفة والطاقة التقنية وبين معرفتنا وإرادتنا العملية”.

15