هل يرسم المؤتمر الدستوري المرتقب معالم السودان الجديد

تعديل البرلمان المؤقت لوثيقة الدستور يشعل خلافات بين القوى السياسية.
الثلاثاء 2020/10/20
الطريق لا يزال مليئا بالمطبات

يفرض الواقع الذي يعيشه السودان على القوى السياسية متمثلة في الحكومة والحركات المعارضة، النظر بعمق في كيفية تجسيد مسار السلام على الأرض، وخاصة في ما يتعلق بالدستور للقطع مع سنوات عانى فيها الشعب من غياب دستور توافقي يحمل تطلعات الشعب في تنمية متوازنة، ويحمي أركان الحكم الديمقراطي. فهل يتمكن المؤتمر الدستوري الذي سيقام على الأرجح مطلع أبريل المقبل من تحقيق تلك الطموحات؟

الخرطوم - طوى السودانيون حقبة نظام عمر البشير، وهم يتطلعون اليوم من خلال القوى السياسية التي توجت مسارا طويلا من المفاوضات باتفاق سلام طال انتظاره، ولكن الحكومة الانتقالية والحركات المتمردة على أعتاب طريق جديد لبناء سودان جديد، فالجميع أمام قضية ليست بأقل أهمية من تحقيق السلام وهي صناعة دستور يستوعب السودانيين بتنوعاتهم الثقافية والعرقية والدينية واللغوية الواسعة.

وفي أعقاب تتويج الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، ألغت الوثيقة الدستورية التي تنص على إنشاء مفوضية للدستور والإعداد للمؤتمر الدستوري بنهاية الفترة الانتقالية، بحيث يشهد مشاركة كافة السودانيين بمن فيهم النازحون واللاجئون، العمل بدستور السودان الانتقالي لعام 2005، لكنها استثنت منه بعض القوانين خلال الفترة الانتقالية.

وتشير الوثيقة الدستورية في المادة 8 إلى مهام الفترة الانتقالية والتي من بينها عقد مؤتمر دستوري سيناقش كل المسكوت عنه في القضايا الحارقة منذ الاستقلال في ما يتعلق بالهوية وعلاقة الدين بالدولة ونظام الحكم، ومن ثم يبدأ السودانيون في كتابة الدستور الذي يتوقع أن يكون دستورا دائما لفترة طويلة. فهل ينجح السودانيون في مسعاهم؟

الحقائق الجديدة

شهد المشهد السياسي السوداني طيلة الأشهر الماضية حراكا واسعا وتغيرات كبيرة خاصة في ما يتعلق باتساع وتطور العمل المعارض ومن ثم التغيير في موازين القوى. ويبدو أن الجميع سيتفرغ لبناء دولة تسع الجميع بعد أن ظلت هذه الفكرة حلما خاصة في فترة حكم تيار الإسلام السياسي في عهد البشير.

ويرى مراقبون سودانيون أن قضايا الدستور يجب أن ترتبط بقضايا السلام، وتناقش المشاكل الشائكة مثل فصل الدين عن الدولة، التي هي مطلب رئيسي لبعض الحركات المسلحة، كما يجب أن يستمد من روح اتفاق السلام الموقع بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة المختلفة.

وأهم المناقشات المتعلقة بالدستور الجديد، تلك التي تدور حول آلية بناء جيش بعقيدة جديدة، يستطيع استيعاب الحركات المسلحة ودمجها بصورة سليمة ومنها سيكون إتمام مناقشة النقاط العالقة وخاصة المساواة والعدالة بين الأقاليم وتوزيع الثروة والتنمية.

وبعد مرور 65 عاما من نيل السودان استقلاله، لا يزال الشعب غير قادر على بلوغ مشروع البناء الوطني بسماته المعروفة والقائمة على التوافق والمواطنة المتساوية والديمقراطية والتنمية المستدامة والاستقرار السياسي. ولكن مع سقوط النظام السابق باتت تطرح تساؤلات حول كيفية بناء دولة حديثة والتعبير عن قضايا التنوع سواء كانت دينية أو إثنية أو ثقافية، بما فيها تلبية متطلبات العدالة الاجتماعية في إطار ديمقراطي واضح.

مضوي إبراهيم: السلام الدائم لا يمكن أن يتم إلا عبر إقرار دستور توافقي
مضوي إبراهيم: السلام الدائم لا يمكن أن يتم إلا عبر إقرار دستور توافقي

وفشلت كافة الحكومات منذ الاستقلال في التعرف على التنوع الاجتماعي في الدولة، كما فشلت في التوصل إلى صيغة البناء الوطني بمؤشرات واضحة، وقد بلغ الفشل ذروته عندما هيمنت أجندة الإسلام السياسي بعد استيلائها على الحكم عبر الانقلاب العسكري في 1989.

ومهدت بعض القوى الفاعلة قبل أشهر الطريق من أجل العمل على اعتماد دستور جديد، فهي ترى أن الدساتير السابقة وضعتها النخب ولم يضعها الشعب نفسه لذلك لم تستمر لفترة طويلة كونها غير نابعة من مكونات المجتمع، فمنذ الاستقلال وحتى الآن ظهرت سبعة دساتير لم يشارك السودانيون من عامة الشعب في صياغتها.

ولكن هناك شكوك تسربت للمتابعين والمحللين حول ما إذا كان سيتفق الجميع على صياغة دستور وفق رؤية توافقية، وما إذا كان اتفاق السلام سيصمد بالفعل بالنظر إلى عدم إبرامه من طرف كل من حركتي تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور، والتي تسيطر على أجزاء من جبل مرة في إقليم دارفور، والحركة الشعبية بقيادة عبدالعزيز الحلو، والتي تقاتل في جنوب كردفان والنيل الأزرق.

وخلال النصف الأول من أغسطس الماضي، بادرت منظمة السودان للتنمية الاجتماعية (سودو) بعقد لقاء تفاكري حول إعداد القواعد الشعبية للمشاركة في المؤتمر القومي الدستوري، وهو ما أكده مضوي إبراهيم مدير المنظمة في مقابلة مع وكالة الأنباء السودانية في وقت سابق هذا الشهر.

ويعتقد مضوي، وهو خبير ومحلل سياسي أيضا، أن الذين حضروا في ذلك الاجتماع اتفقوا على أن الخطوة صحيحة وهي مخرج السودان، فالسلام الدائم لا يمكن أن يتم إلا عبر مؤتمر باعتبار أن هذه هي القضايا المفروض أن تناقش كالمساواة والأسس التي يجب أن يقوم عليها السودان الجديد.

ويعتبر سياسيون سودانيون أن المؤتمر الدستوري مشروع قومي وقد اتفقت القوى السياسية في إعلان الحرية والتغيير خلال شهر يناير 2019 على عقد مؤتمر دستوري لمعالجة المشاكل الأساسية للسودان وتم تأكيد ذلك في الوثيقة الدستورية التي أصبح من مهامها عقد المؤتمر الدستوري.

وتكمن أهمية عقد مؤتمر دستوري في أن السودان بني على أساس خاطئ، إذ أن الدولة، وفق مضوي، صنعها المستعمر بمجموعات متنوعة ثقافيا وعرقيا ودينيا وتاريخيا والآن يود الجميع تأسيس دولة جديدة أهم سماتها المواطنة المتساوية وهي ليست كلمة فحسب، بل يجب تجسيدها على أرض الواقع.

ويقع على عاتق منظمة سودو مهمة كبرى فهي ستقوم بدور توعوي في أجزاء مختلفة من البلاد ولديها مكاتب في دارفور والنيل الأزرق وكردفان والشمال والشرق وستناقش بنود الدستور عن طريق عقد الندوات وجلسات فكرية في وسط الشباب والنساء والإدارات الأهلية الذين يجب توعيتهم بضرورة عقد المؤتمر القومي الدستوري باعتباره استحقاقا دستوريا.

ويؤكد السياسي كمال محمد الأمين رئيس قطاع القضاء بحزب المؤتمر السوداني أن قضية الدستور ليست حديثة النشأة، بل هي قديمة فالناظر لتاريخ السودان الحديث يجد أن الدستور تغير عدة مرات في أوقات وجيزة، وتساءل لماذا لم تجد تلك الدساتير توافقا من مكونات المجتمع السوداني؟

وبنظرة فاحصة إلى دستور عام 1953، والذي كرس صلاحيات الحاكم العام الإنجليزي ولكن عندما جاء دستور 56 تم إسقاط صلاحيات الحاكم وأُدخل نظام المجلسين ولكن ظل دستورا نخبويا، ونفس الأمر ينطبق على دستور 73 و86 و89 ماعدا دستور 2005 باعتبار أن فيه مشاركة أوسع.

خلافات على الخط

اعتمد المجلس التشريعي المؤقت في السودان ليل الأحد الماضي، مواءمة اتفاقية السلام مع الوثيقة الدستورية بإجراء تعديلات عليها، بينما أبدى الحزب الشيوعي اعتراضه الصريح على الخطوة. وهذا الأمر أكثر شيء قد يؤدي إلى تبخر طموحات عقد المؤتمر الدستوري، لأن التوافق يفترض أن يكون هو الأساس لمواصلة بناء دولة ديمقراطية.

ومنحت الوثيقة الدستورية التي جرى التوصل إليها بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، الذي تم حله في يوم 18 أغسطس من العام الماضي، سُلطات المجلس التشريعي إلى اجتماع مشترك بين مجلسي السيادة والوزراء إلى حين تكوين البرلمان.

ولكن القيادي في الحزب الشيوعي السوداني كمال كرار شدد في تصريحات إعلامية على أن المجلس التشريعي المؤقت غير مخول بتعديل الوثيقة الدستورية لإدراج اتفاق السلام داخلها. وأشار إلى إمكانية تعديلها وفق طريقتين، الأولى عبر المجلس التشريعي الانتقالي بعد تكوينه، والأخرى بتوافق مكونات الحرية والتغيير والتي تشمل الجبهة الثورية أيضا.

الوثيقة الدستورية تنص على عقد مؤتمر بنهاية الفترة الانتقالية فيما أقرت اتفاقية السلام عقده بعد 6 أشهر من التوقيع

وتوقع كرار أن يُواجه تنفيذ الاتفاق عقبات قانونية، حيث جرى الاتفاق على قضايا ذات صلة بالوثيقة الدستورية دون العودة إلى قوى الحرية والتغيير، إضافة إلى الإشكاليات التي يترتب عليها تعديل القوانين. وقال إن الحزب الشيوعي يرى أن يجرى الاتفاق مع الحركات المسلحة على القضايا الإنسانية ووقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية على أن تتم مناقشة بقية القضايا في المؤتمر الدستوري.

والجدل الدائر في السودان بشأن تعديل الوثيقة الدستورية لاستيعاب متطلبات اتفاق السلام ليس بجديد، فطيلة الأشهر الماضية أكد خبراء القانون على أن السلام هو أولوية قصوى للشعب السوداني في المرحلة الحالية وأن الحركات المسلحة لم تشارك في تشكيل الوثيقة الدستورية لذلك يحق لها طلب التعديل بعد السلام.

وتشدد الحركات المتمردة على ضرورة وضع آليات لمنع الانحراف الدستوري بعدف ضمان عدم تكرار التجارب السابقة التي كرست لحكم العسكر بعيدا عن رسم معالم الدولة المدنية، لأن الدستور الجديد يفترض أن يكتب في ظل دولة ليبرالية، وليس عسكرية كما حدث في السابق.

ويعطي اتفاق السلام فرصة قانونية لتعديل بعض بنود الوثيقة الدستورية، ومنها تمديد الفترة الانتقالية لمدة عام إضافي، وإعفاء قادة الحركات المسلحة من البند 20 والذي ينص على عدم ترشح أي شخص شارك في الفترة الانتقالية للانتخابات المقبلة.

6