هل يبلور الفن التشكيلي حس المُستهلك للأشياء التجارية

قد نكون اليوم أكثر من ذي قبل بحاجة إلى انصهار ما بين الفن والتصاميم التجارية حتى تُنقل الذائقة الشعبية إلى مكان كان مجهولا أو غير مهم لديها.
الجمعة 2019/07/12
وجه امرأة قد يزين جيدُ امرأة أخرى

منذ فترة غير طويلة نشر الفنان التشكيلي السوري مهند عرابي، الذي لمع نجمه خلال الحرب السورية وما بعدها، على صفحته الفيسبوكية صورتين لقطعتين من الصيغة الذهبية إحداهما مرصعة بالألماس.

وأرفق كلا الصورتين بهذه الكلمات المقتضبة “عصفوري الصغير يملك جناحين مرصعين بالألماس، يُمكن أن نرى الفن بأشكال وأماكن مختلفة، على جدار متحف أو حول عنق امرأة.. سعيد بأن أشارككم بتصاميمي الأخيرة المحصورة بكمية محدودة، عصفور من الذهب الخالص مشغول باللؤلؤ والألماس..”.

إحدى القطعتين الذهبيتين تجسد عصفورا منكفئا على ذاته ومنشغلا بما يدور في داخله أكثر من اهتمامه بوجوده في مكان دون آخر، أما القطعة الثانية فتجسد وجه امرأة، مع كثرة المجوهرات التي تمثل هذين العنصرين، غير أن هاتين القطعتين لم تجسدا أي عصفور ولا أي وجه امرأة.

ومن يعرف أعمال مهند عرابي التشكيلية يدرك فورا أن ما حوّله إلى قطعتين تزيينيتين هما عصفوره هو، المحلق خارج دائرة الخطر. أما وجه المرأة فهو وجه أنثاه هو، ذات الملامح الحنونة والطفولية التي لا تخلو من الحزن والاسترسال في التمعّن في فراغ مشحون بأفكارها ومشاعرها.

استرسال يصعب تحديد حدوده، لأنه مفتوح على كل التجارب النفسية المعيشة وقد انصهرت جميعا ببضعة خطوط مختزلة تختصر ليس فقط ملامح أي وجه، بل ملامح وجه الفنان الداخلية.

ربما لم يرق إلى مسامع الفنان بعض الانتقادات اللاذعة التي تناولت “أعماله”، انتقادات تتعلق بكونه اعتزل الفن ليصبح فنانا تزيينيا وتجاريا يريد الربح وكأن الرغبة في الربح تأتي دائما مقترنة بالابتذال والسرعة.

كما لم يسلم الفنان التشكيلي اللبناني حسين ماضي منذ ما يقارب ثلاث سنوات من نفس الاتهامات والانتقادات حين طرحت في السوق فناجين قهوة تابعة لمؤسسة لبنانية تصنع القهوة تحمل ألوانه وتصاميم من لوحاته التي اشتهر بها، لاسيما تلك التي ترد فيها خطوطا وأشكالا هندسية متداخلة ذات طابع عصري جدا.

هكذا أعمال وغيرها تطرح سؤالا مهما، أو لنقل تضعنا أمام حالة “سوسيولوجية” معاصرة لا يستهان بها: هل الفن التشكيلي قادر على بلورة ذوق العامة من خلال منافذ جديدة لم يتطرق إليها من قبل؟ وهل تدفع تلك الأعمال/التصاميم التجارية المُستهلكين إلى الالتفات إلى الفن بشكل عام وإلى الفنان بشكل خاص الذي أبدع التصاميم، وبالتالي إلى عالمه الفني الذي تتداخل فيه عناصر كثيرة ولديه تاريخ خاص تنعكس على صفحاته الكثير مما يحمل “المستهلكين” بداخلهم؟ وهل هنا تحديدا تدعو تلك الأعمال إلى الاهتمام بالفن التشكيلي بشكل عام حد الانفتاح على هواجسه ومسائله الشائكة المطروحة؟ على الأرجح أن الإجابة عن تلك الأسئلة ستأتي إيجابية.

ومن خلال تلك الأعمال وغيرها تنعكس الآية: التجاري يصبح هو الفني والخاص جدا، وحين يقتني أحد الأفراد عقدا يتدلى منه عصفورا “مهنديا”، فهو لا يتبنى بذلك أي ماركة تجارية مستوردة ومسجلة بقدر ما يتبنى مسارا فنيا ما وجد فيه ضالته. فلصفائح حسين ماضي التجريدية الحادة والجارحة في أحيان كثيرة سيرة طويلة قبل أن تصل إلى الالتفاف والالتصاق بفناجين القهوة. وليس عصفور مهند شكله الجميل فقط، بل رحلة عبور خلف وبعد الحروب الدموية بالمعنى المفتوح على التأويل.

في مكان آخر تماما، نتذكر كيف أن مسلسلات عربية “تجارية” ساهمت في إعادة إحياء أهمية شخصيات فنية مشهورة جدا، ولكن “غير لافتة” بالنسبة للجيل الجديد، ونذكر منها تلك المسلسلات التي تناولت حياة كوكب الشرق أم كلثوم والمطربة أسمهان.

تلك الأعمال والإنجازات الفنية المشرفة لا تنتظر أن يأتي إليها العامة والضليعون بأمورها، بل تذهب هي إليهم عبر دهاليز وفوق جسور يعتادها ويهتم بها هؤلاء.

هكذا أعمال تقوّض وبذكاء من حيث تدري أو لا تدري المعنى “السلبي” الذي تحمله كلمة الاستهلاكية، لتجعلها تعمل لصالح الفن الراقي عبر وعي بمآثر فنية هي انعكاس لحياة غير معولمة ولهوية فنية خاصة بكل بلد.

لم تعد المعادلة القائمة ما بين التصميم والفن معادلة صعبة المراس يكون فيها التصميم صنعة وحرفة وله هدف واحد وهو البيع، وكذلك لم يعد الفن هو انعكاس لأهواء الفنان الغامضة ولشخصيته بعيدا عن عامة الشعب. حدث التلاقي بين الاثنين في سعي للربح “المفيد”، إن صح التعبير، وليس المادي البحت.

إضافة إلى ذلك، يختلف ما نتحدث عنه هنا عن حالة تحويل لوحات الفنان الهولندي فنسنت فان غوغ إلى كل ما يخطر على البال من سلع استهلاكية: فناجين وأحذية وملابس الخ.. ليس فقط لأنها مجرد استعادات رخيصة لأعمال أنتجها فنان توفي وهو معدم ماديا، بل لأنها أنتجت في حياة الفنانين وبكميات محدودة صدرت عنهم كنوع من تحوير لمسار فني لم يخرج البتة عن مداره.

قد نكون اليوم أكثر من ذي قبل بحاجة إلى انصهار ما بين الفن والتصاميم التجارية حتى تُنقل الذائقة الشعبية إلى مكان كان مجهولا أو غير مهم لديها.

17