هل نجحت جولة بومبيو في أوروبا

خطاب بومبيو المعادي للصين لم يجد دعما سوى من بولندا، أما التشيك وسلوفينيا والنمسا فكان لها رأي آخر.
الأربعاء 2020/08/19
بومبيو يسعى إلى إبعاد الأوروبيين عن فلك الصين مقابل إغراءات أميركية

اختلفت قراءات المحللين السياسيين حول نجاح جولة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، التي شملت أربع محطات، بدت للبعض ليست وازنة، وأخذته إلى وسط وشرق أوروبا، حيث لم يدخر جهدا في الدعوة إلى تبني استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تحالف قوي ضد المعسكر الشرقي وخاصة الصين تحت يافطة الديمقراطية والحرية ومكافحة التجسس، في ظل التوتر القائم على أنقاض المعارك الجيواستراتيجية والاقتصادية المحتدمة للهيمنة على العالم.

لندن – اعتبر المتابعون للسياسات الأميركية الراهنة في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب أنها مليئة بالتناقضات، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالحلفاء الأوروبيين الأقل أهمية بالنسبة لأجندة الولايات المتحدة المتعلقة بإضعاف قدرات الصين على توسيع نفوذها غربا وتحجيم إمكانياتها تدريجيا.

وتتباين آراء العديد من المحللين حول مدى نجاح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال جولته التي شملت كلا من التشيك وسلوفينيا والنمسا وبولندا في التأثير على صناع القرار في تلك الدول لإبعادهم قدر المستطاع عن فلك الصين وفي المقابل تقديم إغراءات أميركية في شكل مساعدات مالية واتفاقيات عسكرية.

وبينما اعتبر مراقبون أن خطابه المعادي للصين لم يجد سوى القليل من الدعم من طرف المسؤولين الذين التقاهم، قوبلت محاولاته لتقسيم أوروبا بالانتقاد من قبل البعض، لاسيما وأنها تأتي بعد فترة وجيزة من قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من ألمانيا على خلفية خط أنابيب الغاز الروسي – الألماني المعروف باسم “نورد ستريم 2”.

وخلال زيارته الثانية إلى أوروبا في أقل من شهر، وعلى نحو لم يكن مفاجئا، شن بومبيو كالعادة حملة ضد التغول الصيني، حيث وجه الإهانات إلى بكين وسعى جاهدا لتلقين “أصدقاء الولايات المتحدة” رؤية واشنطن في حربها الباردة مع الحكومة الشيوعية ذات التأثير الكبير على الدول مستغلة في ذلك نقص خبراتها في العديد من المجالات التي تعتبرها إدارة ترامب خطا أحمر.

وكان أحد محاور جولة بومبيو، تشكيل تحالف أوروبي ضد الصين وروسيا. وطالب الدول الأربع التي زارها بالابتعاد عن عملاق الاتصالات الصينية هواوي التي تعتبرها إدارة ترامب تهديدا لأنها تتصدر تقنية شبكة الجيل الخامس (جي 5)، وكذلك إمدادات الطاقة الروسية إلى غربي أوروبا.

وخلال جولته أكد بومبيو مرارا أن الصين وروسيا تشكلان تهديدا على “العالم الديمقراطي”، قائلا إن “استخدام تقنيات من الصين وروسيا سيشكل خطرا على سيادة تلك الدول”. ورغم ذلك، لم تجد خطاباته صدى يُذكر، بل قوبلت بالرفض. ففي مؤتمر صحافي مشترك في براغ، وصف رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيس بلاده بأنها “رائدة في أوروبا” في ما يتعلق بشبكات الجيل الخامس والأمن السيبراني، قائلا إن التشيك “دولة ذات سيادة ولا أرى أي تهديد كبير عليها”.

وحدث مشهد مشابه في فيينا، المحطة الثالثة لبومبيو. فخلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الأميركي، قال وزير الخارجية النمساوي ألكسندر شالنبرغ إن “نهجنا لا يتمثل في حظر منافس واحد أو مزود واحد، بشكل عام، ولكن يتمثل في وضع قائمة واضحة المعايير لتجنب مقدمي خدمات مرتفعي الخطورة”.

وفي ما يتعلق بقضية شبكة الجيل الخامس والأمن السيبراني، أعربت النمسا عن موقف مماثل للتشيك. وقال شالنبرغ إن فيينا قد تبنت موقفا مشتركا داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يسمى “صندوق أدوات الاتحاد الأوروبي”.

وربما يكون بومبيو قد حصل على بعض الدعم في سلوفينيا، الدولة التي تقودها حاليا حكومة شعبوية، ووقع البلدان إعلانا بشأن أمن شبكات الجيل الخامس الخميس الماضي، يستبعد هواوي، ولكن هذا الإعلان أثار انتقادات واسعة النطاق من الدوائر السياسية والإعلامية.

التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة وبولندا هو موضوع شائك آخر بين واشنطن وبرلين
بومبيو يحشد أوروبيا

وقال ميلان برغليز، عضو البرلمان الأوروبي وعضو قيادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي السلوفيني، إن “توقيع الإعلان السياسي بشأن أمن شبكات الجيل الخامس بين وزيري الخارجية لكل من سلوفينيا والولايات المتحدة، لا يتماشى مع مصالح سلوفينيا”.

ويبدو أن بومبيو وجد جمهورا راغبا بين المسؤولين السلوفينيين للاستماع لخطط الولايات المتحدة لكبح المنافسة الصينية في شبكة اتصالات الجيل الخامس، واحتواء التوسع الروسي في مجال الطاقة. ويؤكد المراقبون أن التخلص من الشعور بأن كل ما يُبحث من تهديدات لحقوق الإنسان والاتصالات الآمنة وسيادة القانون والديمقراطية لا يتعلق بقيم الحضارة الغربية تلك، بل يتعلق بمن سيحصل على حصة أكبر من الكعكة في هذا العمل المستقبلي، ومن ثم يسيطر على العالم.

ويرى المتابعون أن تركيز بومبيو خلال لقائه بالمسؤولين في تلك البلدان على مسألة “الديمقراطية والحرية”، كان كذرائع لتعزيز المصالح الخاصة لواشنطن، وبالتالي تقسيم أوروبا إلى كتلة فيها القديم والجديد وهذا قد يبدو أمرا خطيرا وتشتيتا لدور الدول الأوروبية التي تحاول إيجاد موطئ قدم لها في استراتيجية تشكيل العالم الجديد في ظل المتغيرات المتسارعة.

ومما لا شك فيه، فإن مشروع “نورد ستريم 2” يعتبر حاليا إحدى القضايا الرئيسية بين أوروبا والولايات المتحدة، حيث تشعر واشنطن بالقلق من أن المشروع سيقوي اعتماد غربي أوروبا في مجال الطاقة على روسيا، وبالتالي توسيع نفوذ موسكو في غربي أوروبا. ولقد توقع منتقدو العقوبات الأميركية بأن واشنطن تستخدم هذه الإجراءات لدفع وتعزيز بيع غازها الطبيعي المُسال إلى أوروبا.

وقد أثار بومبيو هذه القضية أثناء زيارة فيينا، حيث قال للصحافيين إنه يختلف مع النمسا بشأن التهديد الأمني الذي يمثله المشروع، وهذا الأمر بدا مفهوما لدوائر صنع السياسة الأوروبية، فهذه الدولة هي واحدة من المستثمرين في خط الأنابيب هذا، من خلال شركة الطاقة أو.أم.في المملوكة جزئيا للدولة.

ولم يحصل وزير الخارجية على مبتغاه حينما فشل في الفوز بعقد بناء محطة الطاقة النووية التشيكية “دوكوفاني” لصالح شركة وستنغهاوس الأميركية، إذ رفضت براغ العرض.

أما التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة وبولندا، فهو موضوع شائك آخر بين واشنطن وبرلين، وبين وارسو وبرلين أيضا. فقد وقع بومبيو ووزير الدفاع البولندي ماريوش بلاتستشاك السبت الماضي اتفاقية التعاون الدفاعي المعزز. وتشمل افتتاح قاعدة في بولندا للقوات الأميركية في العام المقبل وسيزداد العدد الإجمالي للعسكريين الأميركيين بمقدار ألف عسكري ليصل إلى نحو 5500.

ويأتي التعاون الدفاعي بين البلدين في وقت قررت فيه واشنطن سحب حوالي ثلث قواتها من ألمانيا، كعقوبة على عدم امتثال برلين لمعيار منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والمُطالب بأن يصل الإنفاق الدفاعي إلى اثنين في المئة من إجمالي الناتج المحلي ومشروع نورد ستريم 2.

7