هل تجعلنا الرأسمالية النيوليبرالية زنوجا كلّنا

كيف سيكون المستقبل، بعد أن تقهقرت أوروبا وما عادت مركز العالم.
الأحد 2021/03/28
يجب الخروج من الليل الطويل لما بعد الكولونيالية

هل نصبح كلّنا زنوجا غدا؟ بهذا السؤال يفتتح المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي كتابه “نقد العقل الزنجي”، ليراجع ظهور مصطلح “الزنجي” منذ بدء الاسترقاق الأطلسي في القرن الخامس عشر إلى زمننا الحالي، الذي فُرضت فيه العولمة، ويبيّن علاقة ذلك المصطلح بالعرق والعرقية، ليتخذه مطية لنقد الوضع الراهن في ظل الانحرافات الرأسمالية النيوليبرالية.

يعتبر الكاميروني أشيل مبيمبي من المنظّرين الجادّين في دراسات ما بعد الكولونيالية. وبعد كتابيه “الخيال السياسي في أفريقيا المعاصرة”، و”أفريقيا وفكّ التبعية الكولونيالية” اللذين رسّخ بهما قدمه في هذا المجال، وحاز بفضلهما تقدير علماء الاجتماع والاقتصاد والمؤرخين في العالم، صدر له مؤخرا “نقد العقل الزنجي”، وهو كتاب يتناول فيه قضية الغيرية وعلاقتها بمصطلح “الزنجي” الذي يربطه بتاريخ الرأسمالية، ويتأمل في ما قد يصيب العالم من ميز في ظل نيوليبرالية شرسة، أو ما أسماه “صيرورة العالم الزنجية”.

فما الذي يعنيه بصيرورة العالم الزنجية؟

يقف مبيمبي قريبا من فرانز فانون في تحليله للكولونيالية وما بعدها، واعتباره “العرق” و”الزنجي” شيئا واحدا في المخيال الأوروبي، بل هو يستشهد بمقولته “بحصر الجسد والكائن الحيّ في مسألة المظهر، والبشرة واللون، وبإضفائه على البشرة واللون سردية ذات قاعدة بيولوجية، جعلت العوالمُ الأورو-أميركية بصفة خاصة من الزنجي والعرق وجهين لعملة واحدة، هي الجنون المقنَّن”.

صورة الزنجي

أشيل مبيمبي: الزمن الحاضر يتميز بانحسار الفضاء وإعادة الإعمار، نتج عنهما تنامي الميز الاجتماعي وتدفق أمواج المهاجرين
أشيل مبيمبي: الزمن الحاضر يتميز بانحسار الفضاء وإعادة الإعمار، نتج عنهما تنامي الميز الاجتماعي وتدفق أمواج المهاجرين

الخلط بين “العرق” و”الزنجي” الراسخ في الفكر الأوروبي يمثل مرتكزا غير معلَن قامت عليه الحداثة، بوصفها مشروع معرفة وحكم. ونقد الحداثة والرأسماليّة لم يُبرز بما فيه الكفاية أثرَ ذلك الجمعِ بين العرق والزنجي في تشكيل العالم المعاصر. وهو ما ينهض به مبيمبي هنا، حيث ميّز ثلاث مراحل أدت إلى “صيرورة العالم الزنجية”، الأولى تقع ما بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، وظهرت مع بداية الاسترقاق الأطلسي، الذي مثل ركيزة الحداثة، والرأسمالية الأولى، وتميزت بالنهب وتحويل الأفارقة إلى بضائع، حيث اغتُصب منهم كلّ ما يملكون حتى أسماءهم ولغاتهم. والثانية تمتدّ من أواخر القرن الثامن عشر إلى نهاية الأبارتيد، وقد اتسمت بعدة نزاعات ومطالبات، وبدأ خلالها الزنوج ينطقون بلغتهم الخاصة، ويلحون على حقهم في أن يكونوا بشرا تامّي الشروط في العالم الحيّ.

وتبدأ المرحلة الثالثة في مطلع القرن الحالي وتتميز بانتشار الأسواق على نطاق عالمي، وضغطها على الموارد الطبيعية والحياة البشرية وهيمنة النيوليبرالية التي أدت إلى خصخصة العالم والصلة المطردة بين المال والمجمّع العسكري والتكنولوجيات الإلكترونية والرقمية. أي أن الظاهرة تواصلت حتى عصر الرأسمالية النيوليبرالية، التي يعتبرها مبيمبي نزعة تكاد تكون غريزية لتحويل الإنسان إلى شيء، وبسط سيطرة لا حدود لها على مجمل الكائنات الحية.

وبذلك اتضحت صيرورة الإنسان الآلة والإنسان الأداة، كما كان العبد من قبل، لتلبي غاية مضاعفة هي التكاثر والتمتع بمتاع هذا العالم، والتأقلم باستمرار، حسب منطق قصير المدى، مع متطلبات المجتمع، أي أن صيرورة الفرد في العصر النيوليبرالي هي “عولمة الوضع الزنجي”. ما يعني أن مجتمعا كهذا سيؤدي في النهاية إلى انحدار الأفراد إلى إنسانية زائدة عن الحاجة، مهملة، لا يحتاج إليها رأس المال لتأمين اشتغاله.

لفهم التمثلات المبطنة التي لها صلة بعبارة “زنجي” في اللاوعي الجمعي الأوروبي، خصص أشيل مبيمبي جانبا من كتابه لمسار تحول أناس من أصول أفريقية إلى “زنوج”، وهو ما كان فرانز فانون قد عبر عنه في “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء”، حول المعنى المضمر لكلمة “زنجي” في المخيال الغربي: “الزنجي دابّة، الزنجي رديء، الزنجي شرّير، الزنجي دميم”.

"العِرق الزنجي" هو مرادف للغريزة والنزوات اللاعقلانية والشبقية البدائية، لم يدخل التاريخ وظل غارقا في الخرافة

ويحلل مبيمبي الكيفية التي صار بها “الزنجي” في ذلك المخيال علامةَ غيريّة لا يمكن استيعابها، لأن “العِرق الزنجي” هو مرادف للغريزة والنزوات اللاعقلانية والشبقية البدائية، فهو لم يدخل التاريخ، وظل غارقا في عالم السحر والمعتقدات، وذهنيته الوحشية لا تزال تنتمي إلى عصر سابق للمنطق.

أما “العرق الأبيض”، فهو الوحيد الذي يملك الإرادة والقدرة على بناء حياة تاريخية. وهذا في رأي مبيمبي هو “العقل الزنجي”، الذي يعكس جملة من الأصوات والمعطيات والخطب والمعارف والتعاليق والحماقات تتركز كلها حول الأداة أو الشيء أو البشر من ذوي الأصول الأفريقية، وتؤكد أن تلك هي أسماؤهم ونعوتهم وصفاتهم ومصيرهم.

 ولئن كانت النصوص القديمة تحمل أثر ابتكار صورة “الزنجي”، فإن الفلسفة الأوروبية لم تَعدم هي الأخرى مثل تلك المواقف، تشهد على ذلك كتابات هيغل التي تصف “الزنجي” بكونه لم يغادر حيوانيّته، وترى أن “عقل الزنوج” ليس سوى “نشاطٍ بدائيّ لنسج الخرافات”، وتلك الأفكار هي التي استوحت منها “هيمنةُ العرق” مسوّغاتها.

والمعلوم أن أيديولوجيات “الأجناس المهيمنة” برزت في ظرف استعماري، وشكلت منطلقا للحداثة، وما الحداثة إلا الاسم الآخر للمشروع التوسعي الأوروبي في الامبراطوريات الكولونيالية التي بسطت نفوذها بداية من القرن الثامن عشر.

وفي هذا يقول مبيمبي “إن نقد الحداثة ناقص ولا يكتمل إلا إذا فهمنا أن ظهوره رافق ظهور مفهوم العرق والتحول البطيء لهذا المفهوم كحاضنة مميزة لآليات الهيمنة، في الماضي كما في الحاضر”. فثيمة الفرق العرقي، بمعنى الفرق في قيمة الأعراق، باتت طبيعية في الثقافة الجماهيرية، عبر المتاحف وحدائق الحيوان البشرية والصحافة والفنون والآداب خلال الفترة الاستعمارية، وقد تعرضت أجيال من الفرنسيين إلى بيداغوجيا التعود على العنصرية.

قضية الغيرية وعلاقتها بمصطلح "الزنجي"
قضية الغيرية وعلاقتها بمصطلح "الزنجي"

وكانت الأسباب الاقتصادية والأيديولوجية أو السياسية للاستعمار قد جنّدت الدّالّ العرقي، الذي تلخَّص في وجوب نقل الحضارة إلى “الأعراق الدنيا”، وما زال المؤرخون يذكرون دفاع جول فيري عام 1885 عن سياسة الاستعمار، القائم على “مهمة الإنسان الأبيض الحضارية” “ينبغي أن نقول بصريح العبارة أن الأعراق السامية تملك حقّا تجاه الأعراق الدّنيا.. أكرر أن للأعراق السامية حقّا لأن لديها واجبًا، واجبَ تحضير الأعراق الدّنيا”. أي أنّ “العقل الزنجي” والمشروع الحداثي الأوروبي قاما على مبدأ “تراتبية أعراق” وفرق بيولوجي مزعوم بين “العرق الأبيض” و”العرق الزنجي”.

ويلاحظ مبيمبي أن عبارة “زنجي” مصطلح يحمل عدة معانٍ ما فتئت تتغير عبر التاريخ، ولكنها تبقى في كل الحالات من ابتداع الرجل الأبيض، كنتاج مسار تصنيف وعَنصرة وحصيلة للوظيفة الجينية للرأسمالية. فالعبد ذو الأصول الأفريقية في أميركا هو صورة مخصوصة للزنجي انتشرت عالميا كعنصر مفتاح لنمط تراكم على المستوى العالمي، و”صيرورة العالم الزنجية” هي لحظة لم نعد نميز فيها بين الإنسان والشيء والبضاعة. وهو ما كان تناوله فرانز فانون وديريك والكوت ونيكولاس غيلين لتصوير عنف الغزو الكولونيالي، وخاصة إيمي سيزير الذي نفى في “خطاب حول الكولونيالية” ما روّجه المستعمر عن صلة الاستعمار بالحضارة، وأكد أنها معادلة عديمة الشرف، وليدة الجشع والأطماع والقوة، فحياة المستعمَر كانت صراعا دائما ضدّ موت كلّيّ الوجود.

ضدّ موت الإنسان

أما الزمن الحاضر، فيتميز في رأي الكاتب بانحسار الفضاء وإعادة إعمار الأرض، نتج عنهما تنامي الميز الاجتماعي وتدفق أمواج المهاجرين على نطاق كوني، فتكاثرت الحدود وتمّ استحضار “شبح العدوّ” لجعل حالة الطوارئ أمرا طبيعيّا، فلم يعد ثمة عمال بل رحالةُ عمل، وشعوب فوق الحاجة أقصتها المنظومات السياسية والاقتصادية.

ومبيمبي يستحضر ميشيل فوكو والمؤرخ وعالم الاجتماع والاقتصاد الأميركي إمانويل فاليرشتاين ليربط أزمة المهاجرين والتصرف في البشرية “الزائدة” بمصطلحين كان صاغهما في أعماله السابقة وهما “سياسة النعي” وخاصة “اقتصاد النعي” لأنّ من وظائف الرأسمالية الراهنة إنتاج فائض من البشر لم تعد في حاجة لاستغلاله، بل للتصرف فيه فقط.

مثلما يستدعي مبيمبي المفكر وعالم الاجتماع البولندي زيغموند باومان للتأكيد على تعريض الرأسمالية هذه “الرواسب” أو “الفضلات” إلى كل أنواع المخاطر، أو عزلها وحبسها في مناطق مراقبة، وهو ما يمثل الوجه السياسي لهذا النوع من العنف الرأسمالي المعاصر.

الزنجي مفهوم أنتجه الرجل الأبيض
الزنجي مفهوم أنتجه الرجل الأبيض

ويؤكد مبيمبي أن منطق توزيع العنف على مستوى المعمورة والعملية الواسعة للحط من قيمة القوى المنتجة لا تسلم منهما أي جهة في العالم، ففي اليونان مثلا، تمّ تطبيق فكرة “حكومة خاصة غير مباشرة” على الوضع الذي تعانيه، وهو مفهوم وقعت صياغته في التسعينات كشكل من أشكال التصرف في الدَّيْن، الذي ينمّي في البلدان التابعة اقتصاديا وتكنولوجيا نزع الملكية على هامش المؤسسات، مع خصخصة كلّ ما هو عامّ لجعل الأفراد مسؤولين عن كل الأدواء، ونقل السلطة السيادية إلى مؤسسات غير ديمقراطية.

 والحكومة الخاصة غير المباشرة هي حركة من النخب تنهل مصادرها من التحولات العميقة التي عرفتها الرأسمالية في السبعينات، وتتوق في آخر المطاف إلى إلغاء السياسي وتفكيك كل فضاء وكل رابط، سواء في الحاضر أو ما بين الأجيال.

ورغم ذلك، يرفع مبيمبي “قدّاسا للعبد” ويمد البصر إلى أفق انعتاق، يتبلور فيه شكل جديد من الأنسنة، ويسمح بالخروج من الليل الطويل لما بعد الكولونيالية. في هذا الصعود المأمول نحو الإنسانية وفي عالم متحرر من ثقل العرق، يلتقي من جديد بفانون ومشروع الصعود المشترك في الإنسانية. فهو يدافع مثله عن بعث “عالم مشترك، ذي إنسانية واحدة، وتاريخ ومستقبل يمكن أن نمنحهما لأنفسنا معا بالتساوي”، “عالم كلّيّ” بعبارة المارتينيكي إدوار غليسّان.

 ولكن العالم لن يكون في مأمن ما لم تهتمّ الإنسانية ببناء ما أسماه مبيمبي “مدّخرات الحياة”، وبعث المؤسسات الاجتماعية للنضال ضدّ موت الإنسان، ووضع حدّ للرشوة والفساد. ولا يمكن الخروج من هذا الوضع إلا متى غيّر الإنسان ما بنفسه، على غرار فرانز فانون، حين رسم للمناضلين الطريق الواجب اتباعها “منذ أمد بعيد، السماء ذات النجوم التي كانت تترك إمانويل كانْت منقطع الأنفاس، باحت لنا بأسرارها”.

ولكن المؤرخ والمفكر الكاميروني لا يملك إلا أن يتساءل عما سوف نشهده في المستقبل، بعد أن تقهقرت أوروبا وما عادت مركز العالم، بل صارت تقع في ضواحيه، وحتى في مناطق جهوية بالنسبة إلى العالم الجديد، كما وصفها المؤرخ الهندي ديباش شَكْرابارتي، فهل ستزول مسألة العرق بتراجع وزن أوروبا أم أنه سيتخذ أشكالا جديدة؟

 وفي رأيه أننا مقبلون على الاحتمال الثاني، بعد بروز “عرقية بلا عرق” في أميركا وأوروبا، حيث تُجنّد العقيدة والثقافة لتحلا محلّ البيولوجيا في التعامل مع الآخر المختلف. وهو ما يؤكده بعض المفكرين كعالم الأنثروبولوجيا ريجيس ميران وعالم الاجتماع فاليري راسبلوس في كتاب “فخاخ الهوية الثقافية”، أو رفائيل لوجيي في “هذه الشعبوية التي تأتي”، حيث تشكل ثيمة الإسلاموفوبيا صورة دائمة وراهنة للعنصرية الثقافية.

10