هل تتمسك "طالبان" بالتواجد الأميركي؟

أفغانستان الممزقة بالهويات والصراعات والثارات، هي أبعد اليوم عن الاستقرار عما كانت عنه قبل 17 عاما، وسيمضي عقد من الزمن على الأقل قبل أن يتمكن أي طرف من توحيد هذه البقعة من الأرض.
الاثنين 2019/02/11
مفاوضات متضاربة الأهداف

تتضارب التصريحات التي يطلقها طرفا المفاوضات حول أفغانستان، ليضفي ذلك المزيد من الغموض على الهدف من هذه المفاوضات والنتائج المتوقعة منها.

ففي حين يعلن الفريق الأميركي المفاوض أن مضمونها التفاوض مع حركة طالبان على شروطها لإنهاء الحرب في أفغانستان، ترد الحركة أن مفاوضاتها ليست لإنهاء الحرب وإنما لتنسيق الانسحاب الأميركي من البلاد.

وهذا الأمر معروف في فن التفاوض، فما يُصرَّحُ به للبعيدين عن الطاولة هو أحيانا غير ما يسمعه الجالسون حولها، وذلك لكي يخفف كل طرف الضغط الشعبوي عليه من أنصاره المنتشين بالشعارات وأحلام الانتصارات، والذين لا يستوعبون بسهولة أن ما يراد منه حشد الجماهير وضخ الأدرينالين في شرايين المقاتلين هو غير ما يأمله القادة والمنظّرون من صراعهم وعمل منظماتهم، ليقين أصحاب الخبرة منهم بصعوبة تحقيق تلك الشعارات في الأمد القريب على الأقل.

وفي حين تستمر هجمات مقاتلي طالبان على القوات الحكومية وقوات التحالف الداعمة لها، يخرج الكونغرس الأميركي بقرارات تكبح أي قرار متسرع جديد من الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من أفغانستان، أو وعود منه قد يعطيها مفاوضوه للحركة لتسهيل عملية التفاوض، بينما يكمل الطرفان عملية التفاوض ويخرجان بعد كل جولة ليزعم كل منهما تحقيقه نجاحات جديدة فيها.

الظاهر من سير الأحداث أن الطرفين يتفاوضان على قضية الانسحاب الأميركي من أفغانستان، في حين يدور الخلاف بينهما على مداه والثمن المدفوع لقاءه.

إذ يصعب تصور أن الولايات المتحدة ستقرر ببساطة إخلاء قواعدها الكبيرة وسحب كل جنودها من هذه المنطقة التي تحتل مكانة مركزية في جغرافيا قارة آسيا السياسية والاقتصادية، لعجزها عن بناء دولة حقيقية فيها تتجاوز مفهوم العصابات القبلية المؤتلفة في تشكيل حكومي هدفه تقاسم النفوذ والمنافع لا إرساء الحكم والاستقرار، ولذلك فإن هدف المفاوض الأميركي ينصبّ، كما يبدو، على أن يكون شكل الانسحاب تجميعا للقوات في عدد قليل من القواعد الكبرى، يكفي لتحقيق الغرض منها بضعة آلاف من الجنود، في تكرار لنموذج الانسحاب الأميركي من العراق، وذلك لقاء تشكيل نمط جديد من الحكم في أفغانستان تكون حركة طالبان جزءا منه، ولو كان لها فيه يد عليا، كما هو حاصل اليوم في العراق من هيمنة للعصابات الموالية لإيران على حكومته، وبذلك تضمن الولايات المتحدة استمرار وجودها في المنطقة ورفع يدها ظاهرا عن التدخل في أموره الداخلية والتفرغ لتحقيق أهداف هذا التواجد الاستراتيجية والاقتصادية.

في حين تعلن طالبان أنها تفاوض على تأمين الجنود الأميركيين المنسحبين فقط، أي الانسحاب مقابل الأمن، وهذا بعيد تصوره، إذ لن تعجز واشنطن والدول المتحالفة معها عن تأمين طرق المواصلات من خلال الطيران والقوات المحلية الموالية، خاصة إن كان الانسحاب مرتبا على مراحل ليكون من منطقة تلو أخرى، فلذلك يغلب أن يكون تفاوض طالبان حول تنسيق هذا الانسحاب مع تقدم قواتها على الأرض، بحيث لا يحدث فراغ فيها يسهل سيطرة أحزاب أفغانية أخرى عليها ما يصعّب من إمكانية سيطرة طالبان عليها مستقبلا ويعيد إلى الأذهان سيناريو عقد من الحروب خاضتها الحركة ضد الأحزاب الأفغانية المتحالفة ضدها للسيطرة على أفغانستان.

طالبان تريد أن يكون هناك جدولة للانسحاب الأميركي، بحيث لا تنسحب قوات التحالف من منطقة إلا بضمان أن تكون قواتها جاهزة للدخول إليها فورا وبسط السيطرة عليها، ما يحول دون دخول قوات منافسة إليها، وهذا الأمر ليس مهما للولايات المتحدة إن كانت قررت الانسحاب من البلاد بل هو مفيد لها أن تمنح المناطق التي تنسحب منها إلى الأحزاب التي كانت موالية لها ومشاركة في الحكومة التي أنشأتها، وتضمن بذلك استمرار الضغط على حركة طالبان وإمكان إشغالها بحروب مدمرة مع القبائل والقوميات في الشمال والغرب الأفغاني، ولذلك فإنها تفاوض طالبان على عدم تنفيذ انسحاب غير متفق عليه سيدفع لامتلاك أعداء الحركة لأوراق قوة مفيدة في مفاوضاتهم معها على الحكم في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي.

وكذلك فإن قيادة طالبان تعلم أن الدعم المقدم لها من قبل باكستان وإيران وروسيا وربما الصين خلال السنوات الماضية، والذي كان هدفه الضغط لإنهاء التهديد الأميركي لهذه الدول على حدودها لن يستمر إذا تحقق هدفها من هذا الدعم، بل قد تنقلب سياسات بعضها تجاه الحركة إلى عداء وحرب كما كانت قبل الغزو الأميركي للبلاد، حيث كان دعم تلك الدول موجها ضد أعداء الحركة من أحزاب تحالف الشمال.

فإيران التي قسمت أنصارها قسمين؛ الأول داخل الحكومة يجني ثمار التواجد الأميركي، والآخر يدعم طالبان لإنهاء هذا التواجد، ستوحد القسمين لتحقيق أهدافها التي لا تتفق بالضرورة مع سياسات طالبان، مما يهدد ثقل الحركة في مناطق الوسط والغرب الأفغاني. في حين أن روسيا لن يصعب عليها العودة لتقوية أعداء الحركة من الطاجيك والأوزبك في المناطق الشمالية، كما أن ثقل البشتون يمكن أن يتوزع بعد انهيار الحكومة الحالية إلى أقسام عديدة وإن كان أكبرها مع طالبان، ما يخلخل قوة الحركة في الشرق والجنوب. أما باكستان الجديدة فإنها وإن كان دعم طالبان خيارا استراتيجيا لها، فإنها قد تقوي أطراف جديدة في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي كفرع جماعة حقاني من الحركة أو تعيد تصدير حليفها القديم قلب الدين حكمتيار العائد للمشهد من جديد.

وإن كانت تصريحات قادة الحركة تظهر ثقتهم بسيطرة سريعة على الأوضاع في البلاد فور انسحاب الولايات المتحدة منها، فإن الواقع على الأرض يدفع مفاوضي طالبان إلى طلب ترتيب الانسحاب مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي لا تملك فيه ما تقدمه لقاء هذا الطلب سوى التعهد بضمان مصالح أميركية في البلاد، ربما يكون من بينها شبكات لنقل النفط والغاز من آسيا الوسطى باتجاه المحيط الهندي، وعقود استثمارات كبيرة في أموال إعادة الإعمار، ومساحة حركة استخباراتية وعسكرية ضد دول الجوار المنافسة لأميركا وعلى رأسها الصين وروسيا وإيران، وهذا كله يصعب ضمانه دون وجود قواعد أميركية ذات قدر كاف من القوة لإقناع الأطراف المختلفة داخل أفغانستان وفي جوارها بجدية التهديد الأميركي لها.

وعلى ضفة أخرى من الأحداث تفاوض حركة طالبان أعداءها السابقين من أحزاب الإخوان وبقية جماعات تحالف الشمال في موسكو، للتوصل إلى اتفاق برعاية الدول المجاورة التي أعلنت قبولها أن تكون طالبان “جزءا”من مستقبل أفغانستان ما يوحي بمعارضتهم لهيمنتها على البلاد، سعيا لترتيب الأوضاع بما يضمن عدم الدخول في صراعات مستقبلية معهم، وذلك لن يكون بالمجان أو لقاء الصفح عنهم كما ستزعم طالبان ومؤيدوها، وإنما بمنحهم حصة في الحكم وضمان مصالح الدول الداعمة لهم.

إن أفغانستان الممزقة بالهويات والصراعات والثارات، هي أبعد اليوم عن الاستقرار عما كانت عنه قبل 17 عاما، وسيمضي عقد من الزمن على الأقل قبل أن يتمكن أي طرف من توحيد هذه البقعة من الأرض، والتي فرض عليها موقعها وتركيبة سكانها أن تبقى مطمحا للقوى الخارجية ومطمعا في الصراعات الداخلية.

8