هل الكمال ممكن في امتحان الفلسفة

تلميذة تنال عشرين من عشرين في امتحان الفلسفة تثير جدلا واسعا بين المثقفين والمفكرين والكتاب في تونس.
الخميس 2019/07/11
النص الذي ألّفته التلميذة أميرة النموشي يثير الجدل في تونس

انقسم المثقفون في تونس أمام نيل تلميذة في امتحان البكالوريا أعلى درجة في مادة الفلسفة، بعضهم رأى فيها وعدا بانتعاش الفلسفة في المستقبل القريب، بينما رأى آخرون أن مقالة تحريرية في الفلسفة والآداب لا يمكن أن تبلغ الكمال.

من مهمّات الفلسفة منذ نشأتها التمييز بين الاعتقاد الذي لا يقوم على أسس ثابتة، وبين الحقيقة التي تبقى نسبية تتلون من عصر إلى عصر ومن فيلسوف إلى آخر، ولا يقرّ حولها قرار. وقد غدت الفلسفة مادة لا تُدرَّس بغرض تنشئة فلاسفة، بل لتدريب المتعلمين على التأمل وإعمال النظر لفهم الظواهر وتشكيل رؤية خاصة للعالم وما وراءه، وإيناسهم بالاستدلال المنطقي استنادا إلى تجارب الفلاسفة، قدامى ومحدثين.

وعادة ما يتم تدريس الفلسفة وفق جملة من المناهج، سواء من منطلق تاريخي، أو عبر محطات موضِعية في علاقة بمصطلحات الخطاب الفلسفي وتياراته وأعلامه. والتمرين المدرسي في مادة الفلسفة، سواء في حصص الدوام المعتادة، أو عند الامتحان النهائي لنيل شهادة، هو مزيج من الشكلانية والتأمل الذاتي، وتقويمُه يتم على أساس قدرة الطالب على امتلاك جملة من القواعد، كالبناء وإصابة المعنى وحسن استعمال اللغة.

أي أن المقالة التي يحررها هذا الطالب أو ذاك يوم الامتحان ليست فتحا يضاف إلى الفكر الفلسفي، بل هي إجابة عن معطى محدد يستحضر فيها الطالب ما اختزنه خلال السنة الدراسية، داخل الفصل وخارجه، إجابة مشفوعة بمقولات الفلاسفة والمفكرين وحتى الأدباء، يتجلى فيها إمساك الممتحن بموضوعه، وقدرته على صياغة أفكاره في بناء محكم وأسلوب سلس ولغة سليمة، مع موقف طريف أو جريء في نقد فكر أو مذهب أو ظاهرة.

والسؤال الذي أثير في تونس عقب حصول تلميذة على عشرين من عشرين في مادة الفلسفة، في إطار امتحان شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) هو: هل يمكن أن نسند هذه الدرجة عن مقالة تحريرية حتى وإن استوفت تلك الشروط؟

بعضهم استند إلى تجربته المدرسية الخاصة عندما كانت الأعداد تُقتَّر تقتيرًا، فأنكر تلك الدرجة، قائلا إن سقراط نفسَه لو قُدّر له أن يُبعث ويُمتحَنَ لنال حتمًا دونَها. مثلما أنكرها كتّاب وشعراء مثل المنصف المزغني الذي أوضح أن الفلسفة ليست عِلمًا صحيحا، بل هي “خاضعة لقانون النسبية”، ولا بدّ عندئذ أن يكون العدد الذي يسند إليها في مثل نسبيتها، حتى لا نخلق حسب رأيه “دكتاتورا” لا يقبل أن يجادله أحد، لأنه قد يركب رأسه ويدّعي الكمال. بينما أكّد آخرون، وأغلبهم من قطاع التعليم، على ارتهان المصححين إلى معايير مضبوطة سلفًا، يتراوح فيها العدد بين صفر وعشرين، ومن الحيف منطقيا وأخلاقيا أن نقيّم عملا إنشائيّا خارج إطاره، وإطارُه هنا موضوع مطروح على طلبة في مستوى معين وفي شريحة عمرية محددة، يخضع إلى عقد بين التلميذ والممتحِن، ولا سبيل عندئذ إلا احترام شروط العقد. ومن ثَمّ لا يمكن أن نقارب مقالة تلميذ كما نقارب مقالة لهايدغر، أو ميرلو بونتي، أو سارتر.

ثم تطور الجدل بعد نشر المقالة في الصحف السيارة والمواقع الاجتماعية، واطلاع المهتمين والفضوليين على النص الذي ألّفته التلميذة أميرة النموشي، فكتب المصحح تدوينة نشرها بأخطائها: “كان لي شرف اصلاح هذا الفرض واستشعرت منذ أن إنطلقت في قراءته أنه فرض غير عادي، رغم مرور أكثر من عقدين في تجربة إصلاح البكالوريا لم أتصفح امتحانا بهذا الابداع وإنصافا لهذه التلميذة استأنست بزملائي، احسست أن العبء ثقيل، أدمعت عيوني، اقشعر جسدي، وطلبت من كل لجنة الآداب الانصات لهذا المقال الذي تجاوز تسعة عشرة صفحة، بعد مرور أكثر من خمسين دقيقة لقراءته اتفقت لجنة الاداب على إنصافها بعشرين، وهي ليست تقييما بقدر ما هي انصاف ولو وجد عدد اكثر كنا سنسنده لها”.

قد نتفهم تحمس هذا المربي لمادة غزيرة صيغت في أربع ساعات، وتناولت فيها صاحبتها الإشكالية المطروحة عن “إنشاء الإنسانِ الرموزَ على قدر توسّع دائرة ما هو إنساني”، ولكننا لا نفهم تغاضيه ومن معه عن اللغة المستعملة، وتركيزهم على عدد الصفحات المنجزة في ظرف مخصوص، وكأن الفكر يقدَّر بالكمّ، فقد أحصينا نحو خمسين خطأ، وهذا يمكن تداركه بسهولة، لو أوجزت التلميذة مادتها، وخصصت وقتا للتصويب والمراجعة. ولكن الأخطر هو هذا الأسلوب الذي يأخذ من اللغات الأجنبية بنيتها الصرفية فلا نُدرك المعنى إلا إذا أعدناه إلى أصله، وهي سمة غالبة على الكتابات الفكرية العربية التي تتكئ على ترجمات رديئة. وهذا ما أشار إليه الأديب والمعجمي إبراهيم بن مراد، فقد أشاد كما نشيد بجهد التلميذة وتميزها، وبنصها “الدالّ على دراية ظاهرة بالموضوع، وعلى منهجية محكمة في التعليل والاستدلال”، ولكنه عاب عليها هو أيضا أن “العبارة لم تكن في مستوى جودة الفكرة بل شابها الكثير من الضعف”، وألح على اللغة بوصفها عنصرا أساسا، إذا اختلت اختل الفكر؛ وسار على رأيه الشاعر والأكاديمي وعضو بيت الحكمة المنصف الوهايبي.

عادة ما يتم تدريس الفلسفة وفق جملة من المناهج، سواء من منطلق تاريخي، أو عبر محطات موضِعية في علاقة بمصطلحات الخطاب الفلسفي وتياراته وأعلامه.

ولكن ذلك لم يَرُق مَن رأوا في نقد المادة والدرجة المسنَدة إليها تحاملا، فقد كتب محمد محجوب أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة ومدير أول بيت للفلسفة في الوطن العربي يقول “أتفهم اختلاف الرأي والتعبير عليه (كذا) رغم أن الحجج التي قدمت ليست مقنعة وبخاصة ممن يتحدث عن الأخطاء اللغوية وهو يلحن كما يتنفس… ولكني لا أفهم التحامل الذي يلقاه مقال شابة لم تبلغ بعد العشرين من عمرها وتكتب بمثل ما كتبت به أميرة من السيطرة التأليفية على مادتها ومن المعرفة اللافتة والوجيهة بنصوص فلسفية مختلفة”.

ولعل أغرب ردّ ما صدر عن الأستاذ المصحح: “أقول للمشككين والمتطاولين على المصححين أهل مكة أدرى بشعابها”، وأيده في ذلك الأستاذ محجوب بقوله: “العدد ناتجُ تقدير، وأهل الصناعة أولى به ممن لم يكن من أهل الصناعة… وأن تقدير حظ العبارة واللغة في مقالة الفلسفة أمرٌ يخص أساتذة الفلسفة. فليلزم كل ذي صناعة صناعته”، وكأن من لا يمارس السياسة لا يحق له إبداء رأيه في مجرياتها، ومن ليس من أهل القانون لا يحق له التنديد بمن يخرق فصوله، كما لا يحق للشعراء والأدباء والنقاد الإدلاء بدلوهم في غير الشعر والرواية.

وفي رأينا المتواضع، ليس شرطا أن نكون من أهل مكة لنستكشف شِعابها. حسبنا أن نُعمل العقل في ما نلاحظ ونقرأ، ثم نبدي رأينا دون تحامل أو مجاملة، فذلك هو الكفيل بتحريك السواكن وترغيب الناس في الفلسفة.

ونحن، إذ نهنئ التلميذة النابهة، نقول ما قالت الفرنسية لورا ماي غافيريو: “يمكن نيل درجة عشرين من عشرين في بكالوريا الفلسفة، ولكني لست واثقة من أن ذلك مدعاة للفخر. فقد يكون علامة على أن ليس بالإمكان أفضل مما كان، وأن الطالب بلغ أقصى حدوده، ولن يكون بمقدوره أن يأتي بما هو أحسن”.

15