هجرة الكفاءات لأعمالها داخل مصر تهدد بضرب مكونات الدولة والمجتمع

استسهال التخصص في مجالات ذات عائد مادي سريع يكرس هيمنة المال على الكوادر.
الثلاثاء 2021/09/07
الوجاهة الاجتماعية لم تعد تقاس بنوعية الوظيفة

باتت ظاهرة هجرة الكثير من الكفاءات في مهن مختلفة وظائفها والدخول في مجالات جديدة بغاية تحقيق الكسب السريع، نموذجا صارخا في مصر لاستسهال شريحة كبيرة من الشباب ترك أعمالها والتخصص في مجالات وظيفية بعيدة تماما عن التخصص الدراسي، حيث لم تعد الوجاهة الاجتماعية تقاس بنوعية الوظيفة بقدر ما ترتبط بالتحصيل المالي منها.

القاهرة – لم يستغرق عمر محمد وقتا طويلا عندما أنهى دراسته العلمية في كلية الإعلام جامعة القاهرة والتحق بالعمل في إحدى الصحف الخاصة كي ينال درجة رئيس قسم بالجريدة. فقد كان رغم صغر سنه موهوبا ومبدعا في المهنة ومعروفا وسط زملائه بأنه من المحترفين في صناعة المحتوى الإخباري بطريقة تميزه عن كثيرين حتى وصلت علاقته بالصحافة حد الكراهية.

وجد عمر أن روتين العمل اليومي في مهنة حلم كثيرا بالعمل فيها أصبح مثيرا للملل والإحباط في ظل تدهور أوضاع الصحافة، ومع استمرار المطبوعة في تخفيض الرواتب لسد عجز الموارد تقدم باستقالته ودخل مجال الاستثمار في الأوراق المالية والبورصة حتى حقق مراده في الثراء السريع.

وقال الشاب لـ”العرب” إن الكثير من الكفاءات في مهن مختلفة اضطروا إلى هجرة الوظائف ودخلوا مجالات جديدة لتحقيق الكسب السريع، خاصة أن جائحة كورونا أثرت سلبا على الكثير من القطاعات، وصارت لقمة العيش صعبة، وأصبحت الوجاهة الاجتماعية لا تقاس بنوعية الوظيفة أو قيمتها بقدر ما ترتبط بالتحصيل المالي منها.

الكثير من الوظائف أصبحت تعاني شحا في اليد العاملة بعدما اختلت معايير اختيار مهنة المستقبل، ولم يعد سوى المال هو الباب السحري لبلوغ السعادة المادية

أصبح عمر خلال فترة قصيرة يمتلك وحدة سكنية فاخرة وعملا حرا لا يجعله مرتبطا ببيئة وظيفية تشترط الحضور والانصراف في مواعيد محددة ويتم تقييمه بناء على معايير وآليات تلعب فيها الوساطات والمعارف عاملا هاما في الترقي والحصول على رواتب أعلى.

وأضاف عمر “شباب اليوم أكثر تجاوبا مع هجرة الوظائف المرتبطة بالتخصص الجامعي لأنها بلا جدوى”.

وهناك أمثلة عديدة في مصر باتت نموذجا صارخا لاستسهال شريحة كبيرة من الشباب ترك أعمالها والتخصص في مجالات وظيفية بعيدة تماما عن التخصص الدراسي، المهم أن يكون عائدها المادي سريعا، بغض النظر عن مستواها الاجتماعي، فلم يعد الكثير من الشباب يعيرون لنظرة الآخرين اهتماما كبيرا، فالمهم الربح المناسب.

وقد يرى البعض طبيبا يترك مهنته بعد سنوات من الكفاح والجهد لبلوغ الحلم ليدخل مجال التجارة الحرة أو قطاع الفنون، ومن أشهر هؤلاء المخرج بيتر ميمي الذي قدم أعمالا فنية تركت بصمة واضحة في الدراما المصرية مؤخرا، فهو بالأساس طبيب، لكنه ترك المهنة إلى الأبد.

الكثير من أصحاب الحرف اليدوية يهجرونها لاقتحام قطاعات أخرى أكثر حيوية وربحا بعدما سيطرت فكرة الربح السريع على فئات عديدة، ما يعكس حجم التغيرات الجذرية لنظرة الناس إلى الوظيفة بعد عقود طويلة من الاهتمام بالوجاهة الاجتماعية والعمل وفق حسابات ضيقة مثل التباهي بالعمل في مهن معينة.

تهاوي كليات القمة

الانضمام إلى القطاعات الحيوية على حساب الحرف اليدوية
الانضمام إلى القطاعات الحيوية على حساب الحرف اليدوية

ظل المجتمع المصري حتى وقت قريب يتعامل مع خريجي كليات القمة، مثل الطب والصيدلة والهندسة والألسن والاقتصاد والعلوم السياسية والإعلام بنوع من التوقير والتقدير، ويعتبر هؤلاء على رأس النخبة العلمية، لكن هذه القيمة تراجعت عند أغلب خريجي هذه الكليات أنفسهم وصاروا يعملون في وظائف بعيدة عن تخصصاتهم.

وضاعفت تداعيات جائحة كورونا من هجرة الكفاءات لبعض التخصصات المهمة حتى أنه صار يمكن أن يتقدم ضابط باستقالته من العمل في جهاز الشرطة ليقتحم مجالا مغايرا تماما للوظيفة الأمنية لمجرد أنه سوف يتمكن من تحقيق حلم الثراء، والابتعاد عن الضغوط والحياة الروتينية والتحرر من القيود التي وضعته فيها الوظيفة الرسمية.

ومن هؤلاء عادل (ح)، وهو اسم مستعار لضابط التحق للعمل بجهاز الشرطة، وتخصص في أمن السياحة وكان معروفا بجدارته وفطنته الأمنية، لكن بعد سنوات قليلة وجد أنه لم يحقق شيئا من أحلامه في أن يكون لديه وفرة مالية أو استثمار يؤمن به مستقبله ويستمتع وأولاده بعيدا عن الروتين الأمني والقيود المفروضة على تحركاته وعلاقاته الاجتماعية فتقدم باستقالته.

عادل السيد: خطورة هجرة الكفاءات لوظائفها تهدر قدرات بشرية هائلة

وقال الضابط المستقيل لـ”العرب” إن الوجاهة لم تعد مرتبطة بالوظيفة، ولا نظرة الناس إلى قيمتها المعنوية، وأصبحت ضغوط الحياة أكبر من أي منصب، لذلك أصبح من السهل الاستغناء عن الوظيفة مقابل الراحة النفسية وإسقاط الأعباء اليومية للعمل في بيئة حرة بعيدا عن الالتزام الحرفي والخضوع لتقييم دوري من المسؤولين.

وأصبح عادل يمتلك شركة استثمار عقاري برفقة مجموعة من أصدقائه ويقوم بشراء الأراضي وبناء وحدات سكنية عليها وبيعها للجمهور، رغم أن العمل بأجهزة الأمن والالتحاق بالكليات العسكرية يظل حلم عدد كبير من الشباب في مصر، لكن شريحة منهم بعد فترة تشعر بأن هذا الحلم لن يحقق له المراد المادي، أو كان مدفوعا بنظرة تقدير معنوية من المجتمع ليس أكثر.

وترى الكثير من الفئات التي هجرت وظائفها الأصلية للعمل في بيئات مغايرة للتخصص أن الأعمال الحرة مثل التجارة والاستثمار المستقل، السبيل الأمثل لتحقيق عوائد استثمارية معقولة بعيدا عن الراتب الثابت الذي يضع صاحبه في أزمات، وقد يجعله أسيرا لقواعد وآليات عمل محبطة للكفاءات لا توفر التقدير الذي تستحقه.

ويصعب فصل هذا الواقع عن اتساع الفوارق المادية بين أصحاب الوظائف المرموقة اجتماعيا، مثل المعلمين والأطباء والمهندسين والعسكريين والإعلاميين، وأقرانهم في الوظائف الحرة، حيث صار لافتا أن أبناء الشريحة الأخيرة لديهم نمط حياة قائم على الرفاهية والاستمتاع والوفرة المالية، بينما تبدو فئات الشريحة الأولى ظروفها بائسة.

فالمُعلم أشرف ربيع، الذي كان يصنف بين زملائه باعتباره من أفضل مدرسي اللغة الإنجليزية لم يستطع أن يعيش حياته براتب شهري لا يتجاوز ثلاثة آلاف جنيه (مئتي دولار)، حتى تقدم باستقالته ويلتحق بشركة استثمار عقاري كبرى بقسم العلاقات العامة، حيث كانت الوظيفة تتطلب أن يكون المتقدم لها متمكنا من الإنجليزية، ونجح عن طريق أحد الوسطاء أن يتم توظيفه بها.

ولا ينكر ربيع أنه أخذ وقتا طويلا ليتأقلم مع الوظيفة الجديدة، رغم حبه الشديد لمهنة التدريس، لكن أمام حصوله على سبعة أضعاف الراتب الذي كان يتحصل عليه من وزارة التعليم اضطر للتركيز في العمل الذي يجلب إليه حياة بها قدر من الرفاهية، والاختلاط بشرائح اجتماعية جديدة من الأغنياء والأجانب وشخصيات صاحبة نفوذ.

وظيفة مرموقة وعائد ضعيف

Thumbnail

يعتقد متابعون لظاهرة هجرة الكفاءات من وظائفها أن المعضلة ليست في تفريغ الكثير من القطاعات من الخبرات بقدر ما تكمن في أنهم يصبحون قدوة ومثلا أعلى لغيرهم، فالذي يعمل بوظيفة مرموقة وعائدها المادي ضعيف
ويرى أحد زملائه قد تغيرت حياته إلى الأفضل بعد الالتحاق بمجال آخر يفكر بنفس الطريقة وينتهز الفرصة لتكرار نفس التصرف.

ويشير هؤلاء إلى أن استمرار تفريغ القطاعات الحيوية من الكفاءات بحثا عن المكسب السريع من شأنه إحداث تغيرات متسارعة في المجتمع، لأن سيطرة المال على العقول سوف يؤدي إلى أن تكون أغلب المؤسسات قائمة على الفئات من الدرجة الثانية والثالث، من حيث المستوى والخبرة، مقابل غياب الخبرات التي تستحق أن تكون مسؤولة عن التخطيط واتخاذ القرار.

وقال عادل السيد الباحث والمحاضر في التنمية البشرية إن خطورة هجرة الكفاءات لوظائفها بحثا عن المال تهدد مستقبل الكثير من القطاعات الحيوية وتهدر قدرات بشرية هائلة وتغذي الفكر المادي وتضرب مفاهيم التميز عبر الجهد والمثابرة، وكل ذلك يرتبط بعدم تقدير القطاعين الحكومي والخاص لأصحاب الخبرات بشكل يحفزهم على الهرب من التخصص.

سهير لطفي: الوظيفة التقليدية فقدت قيمتها وأصبح البيزنس هو المسيطر

وأوضح السيد لـ”العرب” أن زيادة الضغوط الاجتماعية على وقع ارتفاع الأسعار وندرة الموارد وكثرة تحميل الحكومة على جيوب المواطنين دفعت فئات عديدة في وظائف مرموقة إلى التنازل عن الوجاهة التي لم تحقق لهم سوى التقدير المعنوي ويقتحمون مجالات أقل لمجرد أن عوائدها أكبر، وقد يأتي وقت تختفي فيه الكفاءات.

وأصبح واضحا أن الكثير من مواقع العمل الحكومية والخاصة تدار بعقليات تفتقد إلى أصحاب الحنكة والخبرة لأن هذه الشريحة هربت إلى قطاعات أخرى ذات عوائد مالية أعلى لتحقيق وفرة مالية، في حين تنظر كل كفاءة إلى نفسها بأن منصبها ووظيفتها الحالية لم تحقق لها الحد الأدنى من الرضا والقناعة.

وبررت سهير لطفي رئيسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية سابقا هجرة بعض الكفاءات لوظائفها بأن هناك جرأة مجتمعية بالتمرد على كل القيود، وصار من السهل على الشباب الذهاب إلى الوظيفة التي تحترم قدراتهم وإمكانياتهم وتمنحهم الوفرة المالية بعيدا عن تحكمات الأهل ونظرة المجتمع، بعدما سقطت هالة الخوف من المحيطين.

وأشارت لطفي لـ”العرب” إلى أن الوظيفة التقليدية فقدت قيمتها وأصبح البيزنس هو المسيطر على عقول الأغلبية، والتفكير خارج الصندوق بات سمة غالبة، ولم تعد الأغلبية تستطيع تحمل العمل في تخصص بعينه طوال حياتها حتى الخروج على المعاش، وهذا أمر بالغ الصعوبة في بيئات عمل أصبحت مثيرة للإحباط، والمتعلم الذي يدخل البيزنس أفضل بكثير من الجاهل، وهكذا تفكر الشريحة الأكبر.

ويصعب فصل هذا الواقع عن ابتعاد التخصصات الجامعية عن احتياجات سوق العمل، فالذي يتخرج في كلية الإعلام قد يعمل سكرتيرا في شركة، والذي يتخرج في كلية التربية قد يجد نفسه موظفا إداريا في مؤسسة بعيدة عن مجاله، بمعنى أن الجامعات صارت مصدرا للبطالة أكثر من كونها مصدرا للكفاءات حيث تمد الشاب بما تحتاجه بيئة العمل وفق تخصصه الدراسي.

وتُتهم الأسر في مصر بأنها تحتكر قرار التحاق الابن بتخصص جامعي بعينه، حتى لو كان يبغضه ولديه أحلام أخرى تستلزم دخوله كلية بعينها، وتبرر موقفها بأنها الأكثر فهما وحرصا على مستقبل أولادها لذلك تتحكم في المسار التعليمي دون منح الفرصة للشاب (أو الفتاة) لتحديد التخصص الذي من خلاله يحقق حلمه ويصل إلى المكانة التي ينشدها.

ويترتب على ذلك أن الشاب يتخرج في كلية الطب مثلا، لكنه لا يستكمل عمله كطبيب ثم يختار مجالا مختلفا تماما، والذي يعمل ضابطا يلزم ابنه بأن يكون مثله، وهذه معضلة تطورت بشكل متسارع لتصبح ظاهرة تنعكس سلبا على استمرار الكفاءات في تخصصاتها الوظيفية لأنها لم تخترها، بل فُرضت عليها من جانب الأسرة.

وإذا كان البعض يعتقد أن هجرة الكفاءات في مصر ليست ظاهرة فيكفي أن أغلب سائقي التوك توك، كانوا يعملون في وظائف وخريجي كليات كبرى، لكنهم وجدوا في امتلاك هذه المركبة الشعبية البسيطة وسيلة لتحقيق دخل يومي معقول بعيدا عن الحصول على رواتب هزيلة بقطاعات حكومية أو خاصة لا توفر لهم الحد الأدنى من الأمان المعيشي ولا متطلبات الحياة اليومية.

وانعكس هذا الواقع بشكل واضح على المهن اليدوية والحرفية، فصار الشباب يعتبرونها لا تناسب العصر ولا تلبي طموحاتهم، ومع الوقت أصبحت الكثير من الحرف والوظائف تعاني شحا في اليد العاملة بعدما اختلت معايير اختيار مهنة المستقبل، ولم يعد سوى المال هو المسيطر على أغلب العقول والباب السحري لبلوغ الراحة والسعادة المادية.

فكرة الكسب السريع تشحن الشباب للتمرد على كل القيود
فكرة الكسب السريع تشحن الشباب للتمرد على كل القيود

 

20