هاني رمزي فنان الإسقاطات السياسية وناقل رسائل المصريين

الفنان هاني رمزي يمارس هواية الفن السياسي من خلال نكات مضحكة وساخرة، البعض يحمل إسقاطا على أوضاع مؤلمة، والآخر ينقل نبض الشارع ومعاناته.
السبت 2020/08/29
حالة فنية فريدة

يترقب الجمهور أي عمل درامي أو سينمائي يتبنى توصيل رسائل الشارع إلى صانع القرار، في الأزمات السياسية والاجتماعية، وحين يكون منسوب الحرية الإعلامية والحزبية ضيقا، ما يزيد من درجة تحمّل المسؤولية الواقعة على الفنان الذي اعتاد أن يجعل من أعماله منبرا لمخاطبة صانع القرار باسم الأغلبية الصامتة.

من هؤلاء الفنان المصري هاني رمزي الذي أصبح الجمهور ينتظر فيلمه الجديد “الباب يفوّت جمل” بشغف واضح. فهو من القلائل الذين يتمسكون بأن تلامس أعمالهم الفنية قضايا سياسية واجتماعية، بحكم أنها أقوى تأثيرا، وبإمكانها توصيل المعلومة بسلاسة إلى المتلقي والحكومة على حد سواء.

نجح رمزي في أن يجعل من نفسه حالة فنية فريدة من نوعها، بعدما قدم العديد من الأعمال الكوميدية والجادة في إطار سياسي يناسب تطورات المرحلة، واعتاد أن يناقش قضايا جدلية، كان يصعب على وسائل الإعلام والأصوات المناهضة للحكومات المتعاقبة طرحها أو الاقتراب منها خشية الاستهداف والتربص.

تجاهل السياسة

جرأة رمزي تصل إلى حدود يتجنبها الآخرون، كما حين خاطب الرئيس عبدالفتاح السيسي بعد شهور من وصوله إلى الحكم، مطالبا إياه بالتركيز على الدائرة المحيطة به، وإعادة النظر في أعضائها
جرأة رمزي تصل إلى حدود يتجنبها الآخرون، كما حين خاطب الرئيس عبدالفتاح السيسي بعد شهور من وصوله إلى الحكم، مطالبا إياه بالتركيز على الدائرة المحيطة به، وإعادة النظر في أعضائها

هو من الفنانين الذين تتخوف منهم الجهات الرقابية المسؤولة عن فلترة الأعمال السينمائية والدرامية من مواقف وعبارات وتلميحات يمكن أن تثير حفيظة السلطة، لدرجة أنه في بعض الأحيان كان يستبق قبول المشاركة في عمل فني بالذهاب إلى أجهزة حكومية لعرض تفاصيله وأهدافه وكيف سيتطرق خلاله إلى السياسة.

أفلامه التي تحمل صبغات سياسية وسيلة مثالية لتوصيل صرخات المواطن البسيط وهمومه وطموحاته والباحث عن حقوقه المشروعة، بحيث يقوم من خلال العمل الفني بمخاطبة النظام على أمل حل هذه المشكلات قبل أن تتراكم وتصل الأوضاع إلى التأزم، أو حالة ثورية تصعب السيطرة عليها. إذا اقتربت من فكر وشخصية رمزي، ستكتشف أنه ليس سياسيا ولا يحب الاقتراب من السياسة، لكنه شغوف بالتعبير عن رأيه كمواطن حر وشجاع، من خلال العمل الفني، لذلك يؤمن بأنه “ليس من حق الفنان أن يكون رجل سياسة في أعماله الفنية، لكن ليكن سياسيا في مواقفه الشخصية”.

يظل الشرط الوحيد لرمزي، حتى يتوقف عن التطرق إلى السياسة في أعماله الفنية، أن تتحقق الديمقراطية في مصر، وأن يكون كل شخص لديه الشجاعة في أن يتحدث دون خوف، وتخرج الأعمال السينمائية والدرامية إلى النور دون تدخلات من جهات رقابية أو مضايقات يتعرض لها صناع المهنة.

قد يحمل كلامه إسقاطات سياسية، لكنه لا يخشى ذلك، فهو فنان يمتلك من الشجاعة ما يكفي للتحدث بأريحية، ولو أجرى حوارا مع فضائية مملوكة لأجهزة حكومية، ويعتقد أن الممثل يُفترض أن يبادر بتوعية الناس بحقوقهم ويدفعهم نحو التحرر من الخوف والسلبية ليكونوا مشاركين في تغيير الواقع.

بلغت جرأته أنه سبق وخاطب الرئيس عبدالفتاح السيسي بعد شهور من وصوله إلى الحكم، مطالبا إياه بالتركيز على الدائرة المحيطة به، وإعادة النظر في أعضائها، لأن بينهم من يفكر بعقلية الماضي، ومنهم أصحاب أيادٍ مرتعشة، وبعضهم يحاول إفشال ما يقوم به كرئيس للبلاد، وعليه أن ينزل إلى الشارع ليسمع الناس.

رسالة إلى الحاكم

عندما قدم مسلسل “ابن النظام” عقب سقوط حكم الرئيس الراحل حسني مبارك بعد ثورة 25 يناير 2011، أعلن أن الرسالة الأهم في العمل، ألا يعتقد حاكم مصر المقبل أن الشعب يمكن خداعه مرة أخرى، وقد يثور مرة واثنتين وثلاثا، إذا شعر بأن عقلية رأس السلطة لم تتغير، أو لديها أزمة إدارة.

كان توقيت المسلسل بالغ الحساسية، إذ جرى تقديمه للجمهور في ذروة الاستقطاب السياسي والاجتماعي بالبلاد، لكن رمزي تمسك بعرضه، حيث دارت أحداثه عن فساد في عهد نظام مبارك، وكيف وصل بعض الأشخاص إلى هرم السلطة بالمحسوبية والعلاقات المشبوهة، وتسببوا في انتشار الفساد والظلم والاستبداد.

حرق المتطرفين للكنائس في جنوب مصر بعد سقوط حكم الإخوان، مشهد لم يمنع رمزي، المسيحي الديانة، من توجيه الدعوة للأقباط للتبرع بالأراضي من أجل بناء المساجد، إذا كانت المنطقة في حاجة إليه

“ابن النظام” محاولة من هاني رمزي للثأر من دوائر حكم مبارك، التي اعتادت التضييق على بعض أعماله الفنية، حيث كانت تصله رسائل من بعض الشخصيات النافذة تطالبه بالابتعاد عن الأفلام التي تتطرق إلى السياسة، وتزيد من حالة الغضب في الشارع، وتحرض على الخروج على السلطة.

قال في إحدى المناسبات، إن أفلامه كانت تثير غضب نجلي الرئيس الراحل حسني مبارك، علاء وجمال، لشعورهما بأنه يمارس دور المعارضة من خلال السينما والدراما، بالإصرار على التحدث بعبارات مناهضة للنظام، والتركيز على موضوعات تمس صميم حياة الطبقات الكادحة التي كانت ممتعضة من تصرفات الحزب الوطني الحاكم آنذاك.

لم ينكر رمزي أنه كان في بعض الأحيان يتعمد نفاق نظام مبارك، وبرر ذلك بأنه “أراد أن يتركوه يعرض أعماله الفنية دون منع أو تضييق”، حتى أن البعض غضب منه عندما شارك في البطولة المطلقة في فيلم “زواج بقرار جمهوري”، لأن أحداثه تقوم على تلميع صورة الرئيس، الذي أصر، في الفيلم، على حضور زفاف شاب بسيط في منطقة شعبية.

غير أن ما يُحسب له أنه فنان متصالح مع نفسه، وصريح إلى أبعد الحدود، فهو الذي شارك في الثورة ضد مبارك، لكن ما زال يعتبره رئيسا وطنيا تنازل عن الحكم دون أن يُدخل البلاد في صراع دموي، كما فعل بعض الرؤساء في دول أخرى، وأزمة رمزي الوحيدة مع مبارك أنه أشرك عددا من الفاسدين في حكم مصر.

عندما سُئل عن الإخوان بعد زوال حكمهم، قال إنه “ضد إقصاء أي شخص على أساس سياسي أو ديني، ولا بد أن يكون هناك تقارب بين كل المصريين، مع محاولة ترويض الخائن منهم، وتغيير أفكاره ومعتقداته، لأن الإقصاء الكلّي لن يجلب للبلاد سوى المزيد من الانقسام والاستقطاب الذي يؤخر الشعور بالاستقرار الكامل”.

يصعب على أيّ فنان أن يتحدث بهذه النبرة عن تنظيم ديني تصنّفه الحكومة كجماعة إرهابية، لكنه يتمسك بأنه شخص حر وعصامي الرأي والفكر، ولا يحق لأحد أن يحدد له ما يقول أو يفعل، فهو الذي خاض معارك ضارية مع دوائر صناعة القرار بسبب الكوميديا السياسية، في وقت كان أغلب زملائه يهربون من هذه الأعمال.

خطوط حمراء

أفلامه التي تحمل صبغات سياسية وسيلة مثالية لتوصيل صرخات المواطن البسيط وهمومه وطموحاته والباحث عن حقوقه المشروعة، بحيث يقوم من خلال العمل الفني بمخاطبة النظام على أمل حل هذه المشكلات قبل أن تتراكم
أفلامه التي تحمل صبغات سياسية وسيلة مثالية لتوصيل صرخات المواطن البسيط وهمومه وطموحاته والباحث عن حقوقه المشروعة، بحيث يقوم من خلال العمل الفني بمخاطبة النظام على أمل حل هذه المشكلات قبل أن تتراكم

وبرغم أنه من الفنانين المناصرين بشدة للرئيس السيسي، لكن رمزي لا يتردد في التذمر من الخطوط الحمراء، والإشادة بالحالة التي كان عليها الفن وقت نظام مبارك، وهي النبرة التي يتجنب أغلب زملائه التحدث بها خشية تصنيفهم ضمن المغضوب عليهم.

 يقول إن دور الفنان إعلاء مصلحة الوطن فوق مصلحته الشخصية، فإذا اقتضت الضرورة تمثيل دور يُعارض توجهات الحكومة لإنصاف شريحة في المجتمع، فمن الواجب الأخلاقي فعل ذلك، وإذا تطلب الأمر انتقاد السلطة وإظهار أخطائها لتحيد عنها وتسير في الطريق الصحيح، فمن المهنية والإنسانية ألا يتردد.

تعرض رمزي للتهديد بالقتل وخطف زوجته وأبنائه من جانب عناصر تابعة للإخوان، خلال فترة حكمهم للبلاد، أثناء تقديمه برنامج “الليلة مع هاني” على فضائية “إم بي سي مصر”، لكنه تمسك بآرائه السياسية التي كانت تتحدث عن الجماعة بعبارات قاسية وتصفهم بالتنظيم الإجرامي الذي يتاجر باسم الدين، ويستحق الرحيل عن الحكم.

ميزته تبقى أنه لا ينقل صراعه مع أي تيار سياسي إلى الجمهور، ويتمسك بألا يؤثر على رأي المشاهد. يمارس هواية الفن السياسي من خلال نكات مضحكة وساخرة، البعض يحمل إسقاطا على أوضاع مؤلمة، والآخر ينقل نبض الشارع ومعاناته مع حكومة تعتقد أنها دائما على صواب. لدى رمزي مهارة عالية في انتقاء الأعمال الفنية التي تتناسب مع شخصيته، فلا يقبل بأي دور يُعرض عليه حتى لو استدعى ذلك أن يرفض كل الأفلام والمسلسلات ويجلس في منزله دون عمل، المهم الرسالة التي سوف تصل إلى الجمهور من وراء العمل، سواء أكانت هادفة أم لا، وسواء أكان العمل نفسه تكرارا لأعمال سابقة قدمها أم أن الفكرة جديدة وفريدة.

قدم فيلم “توم وجيمي” لتسليط الضوء اجتماعيا وسياسيا على فئة أصحاب الاحتياجات الخاصة من مرضى الإعاقة الذهنية، والتأكيد على أن لهم الكثير من الحقوق، ولا يحق أن تعاملهم الحكومة على أنهم أموات، ولا ينبذهم الناس. وكانت قصة فيلم “قسطي بيوجعني” تتحدث عن البسطاء الذين يلجأون إلى الأقساط لتلبية احتياجاتهم ويكون مصيرهم السجن.

كوميدي محترف

تعرض رمزي للتهديد بالقتل وخطف زوجته وأبنائه من جانب عناصر تابعة للإخوان، خلال فترة حكمهم للبلاد، أثناء تقديمه برنامج "الليلة مع هاني"
تعرض رمزي للتهديد بالقتل وخطف زوجته وأبنائه من جانب عناصر تابعة للإخوان، خلال فترة حكمهم للبلاد، أثناء تقديمه برنامج "الليلة مع هاني"

لا يشغله الأجر الذي سوف يحصل عليه، بقدر ما يهتم أولا بمدى تحقيق العمل الفني المشارك فيه نقلة في حياة الناس فكريا وثقافيا ويخفف عنهم الضغوط اليومية، بأن يدفعهم إلى الضحك ونسيان الهموم، حتى عندما اتجه خلال السنوات الأخيرة لتقديم برامج المقالب، كان يحصل على مقابل مادي أقل، لكنه كان يبحث عن ابتسامة المشاهد.

رفض الكثير من الأعمال مؤخرا، لأنه يسير على مبادئ معينة، ويبحث عن احترام عقلية المشاهدين، وتقديم أفضل مما سبق، لذلك تستغرق رحلة بحثه عن أعمال جيدة سنوات، فالمهم أن يكون العمل مؤثرا ومتنوعا ويرسم البهجة على وجوه الجماهير، وهو ما ظهر في بعض أفلامه؛ فهناك “غبي منه فيه” الذي يختلف جذريا عن “أبو العربي”، أو “جيمس بوند” أو “محامي خلع”.

تظهر براعة رمزي في تثبيت نفسه كفنان كوميدي، يستطيع بسهولة إضحاك جمهور ينتمي إلى شعب معروف عنه أنه يحب الفكاهة. وهذه مهمة بالغة الصعوبة، لأن هذا الواقع يفرض على الممثل المزيد من الجهد للحفاظ على شعبيته عند جمهور يدمن الضحك ويستخدم السخرية وسيلة لمعالجة أزماته السياسية والاجتماعية.

قد تجده يعبر عن ندمه على مشاركته في بعض الأفلام والمسلسلات، ويقول إنه غير راضٍ عنها ولا يشاهدها ولا يحبها، ويتحدث عن الجمهور كصاحب الحق الوحيد في تقييم الفنان، بالفشل أو النجاح، لا يحب أن يتحدث الممثل عن نفسه بأنه الأكثر شعبية. وهو حين يتحدث عن زملائه في المهنة يصفهم بـ”الأساتذة الذين صنعوا نجوميته”، فهو يكره التكبر والتعالي، ويقول إنه ما زال صغيرا مقارنة بعظماء الفن الذين تتلمذ على أيديهم، ووحدهم من يستحقون الحصول على لقب نجوم.

مسلسله "ابن النظام" عقب سقوط حكم الرئيس الراحل حسني مبارك بعد ثورة 25 يناير 2011، تبدو الرسالة الأهم فيه ألا يعتقد حاكم مصر المقبل أن الشعب يمكن خداعه مرة أخرى، فهو قد يثور مرة واثنتين وثلاثا

تظل مواقفه من بعض القضايا التي تثير الرأي العام شاهدة على شخصيته الوسطية المعتدلة؛ فهو برغم كونه مسيحي الديانة، لكن عندما جرى تكريمه في مهرجان الإسكندرية السينمائي قبل أربعة أعوام، وكانت هناك أزمة بسبب غلاف مجلة فرنسية مسيئة للنبي محمد، أهدى درع التكريم لكل مسلم تأذت مشاعره. في ذروة قيام متطرفين بحرق كنائس في جنوب مصر بعد سقوط حكم الإخوان، دعا الأقباط إلى التبرع بالأراضي لبناء المساجد، إذا كانت المنطقة في حاجة إليها، وقال إن ذلك من صميم التسامح والتلاحم بين الأديان، ليؤكد على أنه مثال للمسيحي الواعي المثقف الذي يُعالج الأزمات الطائفية بحكمة وعقلانية.

 يصعب فصل تركيبته الشخصية عن طبيعة التربية الأسرية التي أثرت في تفكيره وقناعاته، فهو ينتمي إلى عائلة تنحدر أصولها من محافظة المنيا في جنوب مصر، ولها تاريخ سياسي وقانوني، عُرف عنها الالتزام والانضباط.

تضم عائلة رمزي أكثر من 90 شخصية منخرطة في العمل الحزبي والقضائي، ولها تأثير واضح في الحراك الثقافي في جنوب مصر. فقد كان جده من الشخصيات الفاعلة في ثورة 1919. ووالده عادل رمزي أحد أشهر المحامين في مصر، أما شقيقه إيهاب فقد كان برلمانيا. لكن انتماءه إلى أسرة أرستقراطية لم يثنه عن تنصيب نفسه فنانا كوميديا يركز جهوده على نقل هموم البسطاء، وما زال يتمسك بتقديم قوالب فنية ذات رسالة عنوانها الرئيسي إنهاء الصراع الاجتماعي، والقضاء على الطبقية، وتحقيق الرخاء، وكل ذلك لن يتحقق قبل تحسين حياة الكادحين وتوفير فرص العمل، مهما بلغت جهود التنمية.

12