هؤلاء لا يصلحون لـ"الفضفضة"

الفضفضة علاج نفسي يعطي مؤشرات عضوية، بيد أنها ليست كذلك، فكثير ممّن يشتكون من المرض وتتكاثر عليهم الأعراض الجسدية، لا يعانون إلا كبت مشاعر.
الثلاثاء 2019/12/03
البحث عن نفس تستشعر آلام الغير

تتزاحم المشكلات اليومية وتتصاعد وتيرتها، تتكاثر الهموم وتتوالد الأحزان في ظل ضغوطات حياتية متزايدة، وعلى خلفية هذه الوضعية الضاغطة في كافة المجالات وعلى كل الأصعدة، نحتاج بين الحين والآخر لمن نبثهم شكوانا، لأناس نلقي ما في صدورنا بين أيديهم لعلنا نجد نصيحة صادقة، أو دعما لفظيا ومعنويا.

وربما كل ما نحتاج إليه مجرد فضفضة بسيطة تفرغ شحنات نفسية وحسب، نشعر بعدها براحة وهدوء، لصديق أو قريب يتفهم ما نعانيه، ويشاركنا الألم، أو عابر سبيل، في لحظة عابرة، لا نلتقيه بعدها، فتطمئن قلوبنا بأن أسرار النفس لن تتبعثر في الطرقات القريبة من خطواتنا، وربما تتناثر في محيط بعيدا عنا.

صديقتي بعد حصولها على إجازة طويلة من العمل لم يعد لديها مناسبات كثيرة للخروج من المنزل، تقضي معظم ساعاتها بجوار طفليها وأم زوجها “حماتها” المقيمة معها في نفس البيت، تضجر كثيرا من الضغط النفسي لصراخ الطفلين، ومطالبهما المتزايدة، إلى جانب متطلبات حماتها المسنة، باتت الراحة حلما، والاستراحات القليلة التي تتحصل عليها في فواصل زمنية بين فترات قيلولة ونعاس نادرة لهما، هي بمثابة لحظات فارقة لها، تدونها في ذكرياتها اليومية.

زيارات صديقاتها لها شحيحة وكذلك هي، فلم يعد لها سوى والدة زوجها، اتخذتها صديقة ناصحة وأمّا بديلة عن أمها المتوفاة منذ سنوات، تقص عليها ما غاب عن المرأة من تفاصيل يومية لم تلم بها، تسعى لهذا بكل طاقتها، لكن الحماة التي اقتربت سنوات عمرها من العقد الثامن تعلق بطريقة غريبة على فضفضة صديقتي، فترد الشكوى بشكوى مضادة، وتدفع الحكي لطريق مسدود، نفق مظلم، كئيب.

تشكو الصديقة التي ما زالت شابة على مشارف الأربعين من ألمها النفسي ومعاناتها في تربية الصغيرين، فتردد الحماة نفس الشكوى حين كان زوجها طفلا، تذهب صديقتي لطبيب أوعية دموية، ترهقها آلام دوالي الساقين رغم عدم سمنتها، تفضفض لأمها الثانية، فترد عليها بأنها أيضا مصابة بنفس المرض.

تكشف عن ساقيها، مؤكدة أنها مريضة بالدوالي، بل أن كثيرين يعانون المرض ذاته، تندم صديقتي كثيرا على حديثها وفضفضتها، لكنها تتساءل، لمن أتحدث؟ لمن أشكو؟ على من أقص تفاصيل يومي؟

تبتعد بألمها وتكف عن الحكي، تتذمر الحماة من عدم الكلام وانقطاع الحديث بينهما، تعود للحكي، وحين اكتشفت إصابتها بالتهاب الأعصاب في هذه السن التي وصفها الطبيب بالصغيرة على هذا المرض، كانت في قمة ضعفها الإنساني، تحمل بداخلها هما، قصت حزنها ووجعها على المرأة التي ذاقت كل مباهج الحياة وشاهدت أحفادها، فلم تزدها إلا بؤسا وحزنا، قالت لها، أنا أيضا أعاني من نفس الألم.

كلما سمعت شكوى بارزتها بشكوى مضادة لدفعها بشراسة وقساوة قلب.

بحثت في كتب علم النفس عن حالة تلك المرأة التي تركل صديقتي بالشكوى العكسية دائما، تبعدها عن دائرة الفضفضة الراقية إلى خانة الضيق والكتمان، اكتفاء بالاحتراق الذاتي، وتحمل ضجيج القلب الغاضب، وجدتها نوعا من البشر لا يصلح للفضفضة، هؤلاء يركلون من يلجأ إليهم، يبعدونهم عنهم بغلظة وفظاظة، يصدرون طاقات سلبية تشبه الرذاذ المستخدم لإبعاد الحشرات الليلية.

الفضفضة علاج نفسي لأمراض عديدة تعطي مؤشرات عضوية، بيد أنها ليست كذلك، فكثير ممّن يشتكون من المرض وتتكاثر عليهم الأعراض الجسدية، لا يعانون إلا كبت مشاعر، لو ترك لها العنان للخروج لأراحت النفس كثيرا.

تنفيس عن مكنونات منغصة لا تحتاج أكثر من علاج تدعيمي لرأب صدع النفس المحطمة، مشاركة بعض المشكلات وقسمتها على أكثر من واحد هي إحدى طرق العلاج النفساني، الإيمان الإيجابي القوي بتجاوز أسباب الضيق.

من منا لا يشعر براحة نفسية وجسدية شديدة بعد جلسات فضفضة لصديق أو حبيب أو شريك؟

تعلمت من وجع صديقتي أن ليس كل إنسان يصلح للفضفضة، فبُعدا لنفوس تزيد الألم النفسي حتى ولو شاركتني الحياة لأن هذه النوعية من البشر تركلك بعيدا كلما هممت بالفضفضة لها، هؤلاء بنظري لا يصلحون للتعري النفسي أمامهم، هم مشغولون بأنفسهم لأقصى درجة، لا يستشعرون آلام غيرهم ولا أحزانهم.

21