نيوزيلندا تنجح في التعامل مع تداعيات العملية الإرهابية

بعثت حكومة نيوزيلندا درسا عالميا قد يحرج الأحزاب اليمينية المتطرفة التي لا تزال تتطلع للوصول إلى الحكم في بلدان أوروبية، بعضها أوصلت العنصريين عبر الانتخابات إلى الحكم في أقاليم وحكومات مركزية.
الاثنين 2019/03/25
رسالة حضارية إنسانية متسامحة

كانت عملية قتل المصلين في المسجدين بنيوزيلندا جريمة إرهابية بشعة وغير مألوفة أو متوقعة، وخاصة أنها حدثت في دولة اشتهرت بالأمان والتسامح والتعايش أكثر من غيرها. لأن بلدان أوروبا وكل مناطق العالم تقريباً نالها نصيب من حوادث الإرهاب، بينما ظلت نيوزيلندا آخر مكان يمكن أن يتوقع أحد أن يشهد مثل ما حدث من إجرام، دشن من خلاله الإرهابي اليميني المتطرف أخطر وأقسى عملية لتجسيد العنصرية والفاشية وإظهار الوجه الآخر للإرهاب، الذي لم يعد لصيقاً منذ الآن بدين محدد.

وبالطبع كان البعض قد بدأ يدرك من قبل عملية قتل المصلين في مدينة كرايست تشيرتش بنيوزيلندا أن الإرهاب فعل قبيح ولا صلة له بدين أو ثقافة دون أخرى، لكن الواقعة الأخيرة عززت هذه الحقيقة وأضافتها إلى وعي ملايين آخرين، صحيح أن الحادثة صدمتهم، إلا أنها سوف تجعل المجتمعات في الغرب تكف عن النظر إلى الثقافات الأخرى بوصفها المنبع الوحيد للتطرف والعنف.

لكن نيوزيلندا امتصت الصدمة، وتعاملت على المستويات الرسمية والأهلية بشكل رائع ومثالي، أعاد الثقة لدى الناس بأن العالم قادر على الوقوف في وجه التطرف، مهما كان مصدره أو جذوره ومرجعياته المظلمة.

عقب هذه الحادثة المؤسفة أدرك راسمو السياسات الأمنية أن التحديات المستقبلية التي تواجه العالم تؤكد الحاجة الملحة إلى تعزيز منظومة قيم عالمية مشتركة، ترتكز على احترام الثقافات والتعدد الديني، مع ضرورة تفعيل المبادئ التي تحث على السلام والقبول بالآخر.

وهذا لا ينفي التوجه الجاد نحو توفير شروط الاستقرار السياسي والاجتماعي في المناطق المشتعلة من العالم، وبالذات في منطقة الشرق الأوسط، للحد من تدفق اللاجئين بكثافة كما حدث في السنوات الأخيرة.

وهناك العديد من الدلالات التي يمكن الخروج بها من واقعة مدينة كرايست تشيرتش النيوزيلندية التي شهدت الاعتداء على المسجدين. وقد ترابطت ردود الأفعال واتخذت أشكالاً متعددة، لكنها أجمعت على نجاح نيوزيلندا في التعامل مع الحدث بحكمة وإنسانية، واحتواء ركّز على تضميد الجراح وإيصال رسالة للجاليات المسلمة أنها من أعمدة المجتمع النيوزيلندي. وذلك ما دفع الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، إلى التوجه بالشكر والثناء على حكومة نيوزيلندا ممثلة بجاسيندا آردرن رئيسة الوزراء، التي تعاملت، وحكومتها، مع جريمة الكراهية الدينية بحكمة ملحوظة. ومما قاله حاكم دبي تعليقاً على ذلك بأن رئيسة وزراء نيوزيلندا ووزرائها كسبوا احترام المليار ونصف المليار مسلم بتعاملها العاطفي الصادق مع الحادث الإرهابي الذي استهدف مشاعر جميع المسلمين.

وتواصلت معالم الاحتفاء والشكر لجاسيندا آردرن رئيسة وزراء نيوزيلندا من قبل الإمارات، عندما نشر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على حسابه الرسمي على تويتر، صورة برج خليفة وقد ظهرت عليه لقطة لرئيسة الوزراء النيوزيلندية وهي تحضن مسلمة، في تعبير عن شكر دولة الإمارات للحكومة والشعب النيوزيلنديين.

الجريمة التي تعرض لها عدد من المصلين في مسجدين خلال صلاة الجمعة في نيوزيلندا، كانت ولا تزال خطيرة وذات مؤشرات تبعث على القلق والشعور بالإحباط تجاه بروز مؤشرات لون جديد من الإرهاب. لكن تعامل الحكومة النيوزيلندية مع الجريمة بذلك القدر من الحكمة والتعاطف والاحتواء، جعلها قريبة من المسلمين في نيوزيلندا ومختلف أنحاء العالم. واستطاعت نيوزيلندا أن تخفف من أثر الصدمة، وأن تحقق قدراً من وحدة رد الفعل والتضامن والاستنكار الجماعي بصوت واحد من مختلف الثقافات والمعتقدات.

وإذا كان العالم لن ينسى تفاصيل وأسلوب الحادثة ووجه المجرم السفاح الذي ارتكب الجريمة بأعصاب باردة، فإنه كذلك لن ينسى تحركات وملامح التعاطف في وجه رئيسة وزراء نيوزيلندا، التي طمأنت المسلمين في بلدها وخارج بلدها، إلى أن السلطات الرسمية حارسة للقوانين والمبادئ التي تكفل حماية الجميع. وهذا ما يحفظ توازن العالم ويمنح الثقة للبشر، في ظل محاولات مستمرة وفاشلة من قبل ذئاب الإرهاب لتحطيم ثقة البشر ببعضهم، ومحاولات الإرهاب بمختلف أطياف معتنقيه التركيز المباشر على بناء حواجز نفسية تفصل بين البشر على أسس عقائدية ودينية وطائفية وعرقية. وهذا المنظور لا ينتمي إلى الروح الإنسانية المعاصرة التي يفترض أن تكون قد تجاوزت الفصل الخرافي بين البشر على النحو المتخلف والبدائي.

على هذه الخلفية ندرك أن التحية التي استحقتها نيوزيلندا، نابعة من الوعي بعظمة رد فعلها وأسلوب مواجهتها الخلاّق والإيجابي، بما له من أثر عالمي، يتجاوز نشر الأمان في قلوب الجاليات المسلمة في نيوزيلندا، إلى بعث رسالة عالمية إلى كل المسلمين، لمسناها في التواصل الإنساني ومشاهد التعاطف التي حدثت من جهة الحكومة النيوزيلندية مع أهالي الضحايا، وكذلك من خلال المبادرة الجميلة بافتتاح أولى جلسات البرلمان بعد جريمة قتل المصلين في المسجدين بتلاوة القرآن، تم اعتبارها رسالة حضارية إنسانية متسامحة، وكانت بمثابة تضامن واضح مع أسر الضحايا وتخليداً للذين سقطوا في الجريمة المستنكرة.

امتداح وشكر رئيسة وزراء نيوزيلندا كان على المستوى الدولي. وفي الأزمات تكون كل خطوة محسوبة وذات دلالة تبعث مؤشرات لا يمكن إهمالها، وتخضع للقراءة والتأويل. وكان النجاح من نصيب نيوزيلندا التي تجاوزت الألم من خلال التوحد به والمشاركة في الشعور بآثاره وأنه لا يخص جالية أو عقيدة دينية فقط. وهنا بعثت حكومة نيوزيلندا درساً عالمياً قد يحرج الأحزاب اليمينية المتطرفة التي لا تزال تتطلع للوصول إلى الحكم في بلدان أوروبية، بعضها أوصلت العنصريين بالفعل عبر الانتخابات إلى الحكم في مقاطعات وأقاليم وحكومات مركزية، بينما استفادت نيوزيلندا من الجريمة بالحصول على إشادة دولية واسعة، بالإضافة إلى اتخاذ قرار بتفعيل قانون لحظر بيع الأسلحة ذات الطابع العسكري الهجومي.

9