نفوذ الرئاسة ومؤسسة الجيش يزداد اتساعا في الحياة المصرية

هدف التوسع ترميم دولاب الدولة والنتيجة خلل في دور المؤسسات المدنية.
الاثنين 2021/09/13
الجيش هو الرافعة التي تعتمد عليها الرئاسة المصرية

طغى دور الرئاسة والجيش بشكل لافت في الحياة المصرية، حيث وجد الرئيس عبدالفتاح السيسي في الجيش المؤسسة الوحيدة القادرة على تلبية متطلبات عملية التنمية التي يسير فيها منذ توليه السلطة، باعتبارها تتسم بانضباط إداري ولديها كوادر مدربة تمكنها من المراقبة بعيداً عن بيروقراطية الجهات المحلية وشعبوية الأحزاب، لكن على الرغم مما يلعبه من دور إيجابي يحذر متابعون من أن توسع نفوذ الجيش سيقود في المقابل إلى تراجع دور المؤسسات المدنية وبالتالي إلى عسكرة المجتمع.

القاهرة - أثارت الجولات الميدانية التي يقوم بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لزيارة أو افتتاح مشروعات في مجالات عديدة انتباه الكثير من المراقبين الذين لاحظوا مركزية شديدة في إدارة الحكم المصري في يد رئيس البلاد، حيث تبدأ وتنتهي عنده الكثير من المفاتيح الإدارية، سواء كانت كبيرة أم صغيرة.

ويعتمد في ذلك على المؤسسة العسكرية التي يتعدى دورها حاليا الدفاع عن الحدود والإجراءات الأمنية والقومية المعتادة، فقد تحولت إلى قاطرة في الحياة المدنية وتشعبت في فروعها بطريقة كبيرة، متخلية عن دورها السابق كرمانة ميزان لضبط أوجه الخلل في بعض المؤسسات المدنية عند الضرورة.

واعتادت الحياة المصرية منذ قيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 التعامل مع النفوذ الواسع لمؤسستي الرئاسة والجيش وتشمل الكثير من المناحي التي تتجاوز الحدود التقليدية لدور كليهما الحيوي، ففي الوقت الحالي ازداد نفوذ هاتين المؤسستين بصورة لافتة في الأمور السياسية والاقتصادية والعمرانية والاجتماعية، وجاء على حساب الدور الذي تلعبه جهات أخرى حيوية.

ولم يدخل الرئيس السيسي تعديلا على مركز الحكم في البلاد أو يخترعه لنفسه حيث ورثه من الرؤساء السابقين وجميعهم ينحدرون من المؤسسة العسكرية، باستثناء الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي الذي لم يستمر في الحكم سوى عام واحد، وكلهم منحوا مؤسسة الرئاسة دورا واسعا في القضايا الداخلية والخارجية، وكان الجيش هو الرافعة التي تعتمد عليها الرئاسة بدرجات متفاوتة خلال العهود السابقة لما يمتلكه من مقومات نوعية ومتعددة، لكن دوره أصبح طاغيا في الوقت الراهن.

وقلص هذا التوسع الأدوار المختلفة التي كانت تقوم بها المؤسسة الحزبية ممثلة في الحزب الحاكم أو ما ينوب عنه من هيكل حزبي بارز، ففي عهدي الرئيسين الأسبقين حسني مبارك ومن قبله أنور السادات كان الحزب الوطني الديمقراطي مهندس الكثير من الأدوار السياسية وضابط الكثير من إيقاعاتها، ينما كان الاتحاد الاشتراكي في مقدمة الحياة السياسية في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ويتشكل من نخبة مدنية جرى تدريبها بعناية.

توازنات مختلة

السيسي لم يجد من يسعفه في مشروعاته الطموحة سوى المؤسسة العسكرية بحكم أنها الأكثر انضباطا

تلاشى الآن التوازن السابق ولا يوجد ظهير سياسي محدد لرئيس الدولة، وكل التكتلات والأحزاب التي تدعي أنها تمثل ذلك غير مقننة ولا تجرؤ على التعبير عن ذلك صراحة، وهي صيغة وضعتها الرئاسة للإيحاء بأن كل الأحزاب والفئات ظهير سياسي لها، ما خلق سباقا نحو الإعلان عن دعمها، وهي صيغة مفيدة للرئاسة وتبدو من تشوهات الحياة السياسية في مصر التي ضاقت برموزها المعارضة والمستقلة.

وينسحب أمر التهميش الواضح في الشق السياسي على غالبية المؤسسات الأخرى في المجالات الدينية والبرلمانية والاجتماعية والاقتصادية، حيث كان من المسموح لكل منها أن تلعب دورا بما يتناسب مع تخصصها المدني.

وجميعها تحت إشراف مؤسسة الرئاسة التي تعد بحكم الدستور لها الذراع الطولى في الحياة المصرية بشقيها المدني والعسكري، وكانت هناك صلاحيات للمؤسسة القضائية تمنحها استقلالية واضحة، وامتلك رئيس الجمهورية سيطرة واسعة للتحكم في بوصلة كل مؤسسة حتى تقلصت نسبيا في دستور 2012، إلى أن استردت مؤسسة الرئاسة الكثير من مركزيتها مرة أخرى في التعديلات التي أدخلت على الدستور عام 2014، ثم في عام 2019.

وتعكس الخلافات التي تنشأ من وقت لآخر بين مؤسسة الأزهر ودار الإفتاء ووزير الأوقاف أحد جوانب العوار، لأن الصراع بينهم أخذ يشوه صورة المؤسسة الدينية بكل فروعها التي تمتعت باستقلالية نسبية في وقت سابق، وتخصم الصراعات المحتدمة أحيانا من رصيدها التاريخي ما يضع الكرة في جعبة رئيس الجمهورية الذي اشتبك من قبل مع شيخ الأزهر ووجه لوما على تقصيره في تجديد الخطاب الديني.

وبدت هيمنة الرئاسة والجيش على معظم مفاصل الحياة لافتة للانتباه، وكان المقصود منها مواكبة التحديات المتعاظمة التي تمر بها البلاد، بمعنى أنها مستمدة من تقديرات إيجابية تتعلق بضرورة الخروج من مرحلة الفوضى التي تلت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، ثم ثورة الثلاثين من يونيو 2013، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بصورة صحيحة تمكنها من الوقوف على ساقيها مرة أخرى.

تركة سياسية مثقلة

عبارة "العسكرة" استمدت من التمدد العام للقيادات التي تنتمي لجهازي الجيش والشرطة وفروعهما المختلفة، بدءا من العمل في مؤسسة الرئاسة وحتى رؤساء المدن والأحياء

ورث السيسي الهيمنة من سابقيه وعمل على زيادتها، إذ جاء محملا بتقديرات سلبية ضد غالبية المؤسسات المدنية ولم يجد من يسعفه في مشروعاته الطموحة سوى المؤسسة العسكرية والمؤسسة الشرطية بحكم أنهما الأكثر انضباطا بعد ترهل جهات مدنية مختلفة وإصابتها بالعطب، فهما الأكثر قدرة على الالتزام بالأوامر والتعليمات الفوقية في مرحلة كانت في غاية الحساسية الأمنية.

وفهم قطاع كبير من المصريين أن طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد تستدعي المزيد من الانضباط وضبط التدهور الحاصل في عدد كبير من المؤسسات التي شاخت، ومن المقبول الاستعانة بالجيش الأكثر جاهزية في وقت تصاعد فيه دور الجماعات الإرهابية التي كانت تريد النيل من الدولة برمتها، وأصبحت الحركات المتطرفة وعلى رأسها جماعة الإخوان تمثل تهديدا حقيقيا للدولة.

لكن هذا الفهم العام لم يكن شيكا على بياض كي يتسع نفوذ الرئاسة والجيش معا ويطغيان على غيرهما من المؤسسات الأخرى، فإذا كانت الأزمات التي تمر بها البلاد في الداخل والخارج فرضت تقبل ذلك في وقت ما فمن الضروري ألا يتم على حساب النيل من رصيد المؤسسات المدنية العريق والتمادي في ما يوصف في بعض الأدبيات بـ”عسكرة المجتمع”.

استمدت عبارة “العسكرة” من التمدد العام للقيادات التي تنتمي لجهازي الجيش والشرطة وفروعهما المختلفة، بدءا من العمل في مؤسسة الرئاسة وحتى رؤساء المدن والأحياء، وهي سياسة لم يخترعها النظام الحالي لأنها انتشرت في عهود سابقة باعتبارها رشوة مقننة من رئيس الدولة لضمان ولاء رجالات الجيش تحديدا خوفا من أي انقلابات عسكرية محتملة أو تمرد يمكن أن يتبناه بعض الضباط الرافضين لسياسات رئيس الجمهورية والمختلفين معه في طريقة إدارة الدولة.

واتسعت الظاهرة بوضوح في عهد الرئيس الأسبق الراحل حسني مبارك بعد أن لاحظ امتعاضا من بعض تصوراته وتصرفاته وكان تعيين كبار ضباط الجيش والشرطة في مؤسسات مدنية بعد الإحالة إلى المعاش مكافأة نهاية خدمة لهم، ولا تعطى إلا لمن أثبت ولاءه التام للنظام ويُحرم منها من أبدوا معارضة صريحة أو ضمنية ولم يطيعوا الأوامر.

حدث تعديل في هذه المعادلة مع النظام الحالي، فلم تنطلق فكرة “العسكرة” بمفهومها الشائع من الرشوة المقننة أو على سبيل مكافأة نهاية الخدمة وجاءت من رحم الرغبة في ضمان إحكام السيطرة على المؤسسات المدنية التي دخلت مرحلة خطيرة من الانفلات، ولم ينتظر ضباط الجيش الإحالة إلى التقاعد لتولي مناصب مدنية، حيث يتم اختيارهم وانتدابهم من رتب مختلفة وهم لا يزالون في الخدمة العسكرية.

قد تكون هذه السياسة مريحة لرئيس الدولة وتضمن تنفيذ توجيهاته وتطبيق قراراته بعيدا عن البيروقراطية، لكنها يمكن أن تصيب دولاب الدولة الإداري بشلل، وتخرج منها روافد يمكن أن تؤثر معنويا على صورة الجيش أو تحرف مهمته عن المسار الرئيسي كمدافع عن الأمن القومي وله في وجدان المصريين مكانة مرموقة.

مركزية مفرطة

Thumbnail

أوجدت المركزية المفرطة للرئاسة والجيش ما يشبه الترهل وليس العكس في بعض المؤسسات، فمهما بلغت قوة هاتين المؤسستين ودورهما الوطني ففي النهاية هناك جيوش من القواعد المدنية بدأت تشعر بالغبن والتفرقة ولا يهمها تحقيق إنجازات لأن علاقتها بالمكان الذي تعمل فيه منعدمة الطموح، وباتت خاضعة لحجم الاستفادة المباشرة من الانخراط في دواليب العمل وليس التأسيس لدولة تضم هياكل منظمة يحكمها القانون والمساواة بين جميع الأفراد.

ويقود هذا الاستنتاج إلى قلق قطاعات غير حكومية وخاصة ويؤثر على درجة الوثوق في المستوى الإدراي بالدولة التي باتت وثيقة الصلة بأدوار الأفراد وليس المؤسسات، ويفضي إلى ما يمكن وصفه بـ”موت” المجتمع المدني، وليس المقصود به جماعات حقوق الإنسان، لكن المجتمع الكبير الذي يستوعب الطاقات في كل المجالات.

لذلك يبدو المشهد العام الراهن خاليا من السياسة إلا من بعض الأحزاب التي قبلت الانخراط في المنظومة التي حددتها مؤسسة الرئاسة بالتنسيق والتعاون مع الجيش من تجمعات شبابية وتنسيقية حزبية، وتخضع غالبيتها لتدريبات بإشراف جهات أمنية، هدفها تعميم “العسكرة” باللغة الدارجة وبطريقة غير مباشرة.

وتتسع هذه الحلقة وتشمل تقريبا كل المجالات، فعدد كبير من الوظائف المرموقة في مصر بما فيها القضائية لا يتم التعيين فيها قبل الخضوع لدورات تدريبية ذات صبغة أمنية، واختيار الشباب للترشيح في البرلمان أو صهرهم في هياكل بعض الوزارات والمحافظات يتم على هذا الأساس أيضا، بما خلق سباقا محموما لدى البعض للولاء للنظام بهدف الاستفادة من المزايا المادية والمعنوية التي يمكن الحصول عليها.

ربما يكون هذا التوجه مريحا لرئيس البلاد والجيش ويريحهما من إزعاجات مدنية متباينة، غير أن الحصيلة التي يمكن أن يؤدي إليها سوف تصيب الدولة بتكلس إداري لا يتناسب مع الأهداف الطموحة التي ترمي إليها الجمهورية الجديدة، فأحد أهم إفرازاتها التأسيس لنموذج بالمفهوم الشامل للدولة العصرية التي تستوعب جميع الأطياف ولا تعتمد على نخبة معينة مهما بلغت درجة الولاء والثقة فيها.

6