نظرية المؤامرة بريئة من صورة مصر السلبية في الإعلام الغربي

تأثير شركات العلاقات العامة محدود مع مقاطعة المسؤولين لمراسلي الإعلام الأجنبي.
الخميس 2021/01/28
صورة من وجهة نظر واحدة

تواجه المؤسسات المصرية المسؤولة عن الإعلام الخارجي أزمة مهنية تسببت في ضعف الخطاب الإعلامي الناضج الموجه إلى الخارج. ويؤكد خبراء الإعلام أن هذه المؤسسات تقوم فقط بالرد عما تجري إثارته في الإعلام الغربي بلا جدوى، في مقابل تراجع دورها لإتاحة المصادر الحكومية للمراسلين الذين يعملون داخل مصر.

القاهرة - حمّل مسؤولون حكوميون في مصر، الإعلام الغربي مسؤولية تجاهل إنجازات الحكومة في مجالات مختلفة واتهموها بالتركيز فقط على السلبيات، تزامنا مع تصاعد الحملات الإعلامية ضد أوضاع حقوق الإنسان في مصر، في حين أن إدارة الإعلام الخارجي تعاني من عدة مشاكل تجعل دوره محدودا لتحسين صورة البلاد على المستوى الدولي.

وتجاهلت الجهات الحكومية الأسباب الحقيقية التي أدت أحيانا إلى عدم نقل صورة دقيقة، في ظل اعتمادها على خطط وتصورات إعلامية لا تواكب التطورات الحديثة.

وقال رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان، خلال استدعائه من لجنة حقوق الإنسان في البرلمان، مساء الاثنين، إن “إجمالي ما يتم إنجازه في مصر يتم تجاهله خارجيا، والإعلام الأجنبي يعتمد في انتقاداته على مصادر منفردة، حيث يسمع للشاكين أو الزاعمين دون وجود رد مصري”.

وكشف أن الهيئة تقوم برصد كل ما يثار حول حقوق الإنسان بمصر عبر وسائل الإعلام الأجنبية المختلفة.

وتبذل هيئة الاستعلامات جهودا لتحسين صورة مصر في مجال حقوق الإنسان والرد على ما يثار في بعض وسائل الإعلام وتنظيم زيارات للمراسلين الأجانب إلى السجون المصرية، لكنه أمر لا يكفي لنقل صورة متماسكة عن الأوضاع الحقوقية، فثمة وقائع تتحدث عنها منظمات أجنبية لا تلقى ردا مناسبا عليها، تدحضها بأدلة عملية.

ويقول مراقبون، هناك أزمة ظاهرة نتيجة عدم قدرة الجهات الرسمية الرد على ما تنشره وسائل إعلام عربية وغربية عن وقائع سياسية واجتماعية محددة، وغالبا ما يأتي الرد عبر وسائل إعلام محلية دون امتلاك أدوات تأثير قوية على ما ينشره، ويبقى تأثير شركات العلاقات العامة التي توسعت القاهرة في التعاقد معها محدودا.

حسن علي: قوة الإعلام المصري ضمانة للتواصل مع الإعلام الغربي
حسن علي: قوة الإعلام المصري ضمانة للتواصل مع الإعلام الغربي

وتواجه هيئة الاستعلامات، وهي جهة إعلامية رائدة، انتقادات من خبراء الإعلام لأنها تميل إلى رد الفعل على ما تجري إثارته في الإعلام الغربي، ولم تقم بدور كبير نحو إتاحة المصادر الحكومية للمئات من المراسلين الذين يعملون داخل مصر.

ويبرهن ارتكان جهات مصرية على نظرية المؤامرة على عدم صياغة خطاب إعلامي ناضج موجه إلى الخارج، ووجود إصرار على العمل بالطريقة التقليدية التي لا تقوى على مجابهة التحديات التي تواجه الحكومة المصرية من وسائل إعلام معادية.

وقال رئيس جمعية المشاهدين المصريين حسن علي، إن الاستمرار في ترديد الحديث عن المؤامرة لم يعد مقبولا أو منطقيا في الوقت الحالي، لأن هناك أزمات واضحة يعاني منها الإعلام المصري، الذي يخفق في نقل الحقائق ويعبر عن حجم الإنجازات، وبالتالي فالإعلام الغربي مضطر إلى الاستماع لوجهة نظر واحدة، مع انكفاء المسؤولين ورفضهم التجاوب للحوار مع وسائل الإعلام المحلية والأجنبية.

وأضاف لـ”العرب”، أن قوة الإعلام المصري ضمانة أكثر فاعلية للتواصل مع الإعلام الغربي، وانعدام ثقة المراسلين الأجانب في ما يقدمه الإعلام من محتويات يجعله ينصرف عن متابعته، ما يتطلب اعترافا إعلاميا بالمشكلات التي تجابهها الدولة قبل إلقاء اللوم على الإعلام الأجنبي.

وهناك مشكلة واضحة في كيفية تنظيم عمل المؤسسات التي تقع على عاتقها مسؤولية صناعة وتصدير صورة مصر في الخارج. وتبدأ هذه المشكلة من الداخل بدءا من عمل الهيئات الإعلامية في جزر منعزلة، وصولا إلى عدم قدرة وزارة الدولة للإعلام على صياغة رؤية واضحة تلتزم بها كافة الأطراف التي تتعامل مع الإعلام الأجنبي.

وأوضح علي أن هيئة الاستعلامات ذاتها التي تتواصل مباشرة مع المراسلين تعاني أزمة مهنية، على رأسها فقدانها للكوادر المحترفة التي كانت لديها القدرة على التعامل مع المراسلين، وأضحى غالبية من يعملون بها من الموظفين الذين لا يمتلكون المهارات الإعلامية المطلوبة.

محمد سيد ورداني: الرد المصري يأتي متأخرا ولا يتناول الحقائق الغائبة
محمد سيد ورداني: الرد المصري يأتي متأخرا ولا يتناول الحقائق الغائبة

وحدث انكماش في مكاتب هيئة الاستعلامات الخارجية، وانخفض العدد من حوالي 140 مكتبا إلى 9 فقط، ما أثر في قدرتها على التواصل مع وسائل الإعلام الأجنبية.

ويشير خبراء إلى أن ضياء رشوان نفسه بحكم خبراته الطويلة يستطيع القيام بدور الماسيترو، ويمد وسائل الإعلام بالمعلومات لخدمة صورة الدولة في الخارج، وهو ما يتطلب إعادة هيكلة تتناسب مع التحديات الراهنة.

وحث رشوان المسؤولين مرارا على ضرورة التجاوب مع وسائل الإعلام الأجنبية، إلا أن ذلك لم يحدث على أرض الواقع، ما يشي بأن هناك جهات أخرى تحثهم على عدم الحديث أو قد يكون الأمر مرتبطا برغبة المسؤول ذاته في عدم الحديث.

واعترف رشوان خلال الجلسة البرلمانية بأهمية الرد المصري الفوري، قائلا “في معظم الأحيان عدم تحركنا السريع تجاه أي مزاعم يجعل من تلك المزاعم حقائق”.

واستشهد بإحدى الوقائع التي رصدتها منظمة “هيومن رايتس ووتش” بعد أن زعمت وجود حالات تعذيب في السجون، في ذلك الحين تواصت الهيئة مع المنظمة وأعلن النائب العام عن فتح تحقيق وطالبنا المنظمة بتقديم الأدلة التي لديها، وكانت النتيجة عدم تقديم أدلة وجرى غلق التحقيق.

وذكر الخبير الإعلامي محمد سيد ورداني لـ”العرب”، أن الجهات الإعلامية المصرية عليها التعامل بجدية مع الإعلام الغربي في نشر الوقائع والأحداث التي تمر بها مصر، ولن يكون من المقبول عدم انتهاج سياسية إعلامية متطورة تستهدف توجيه ما يجري نشره في وسائل الإعلام الأجنبية، في حين أن الرد المصري يأتي متأخرا أو ضعيفا ولا يُسلط الضوء على الحقائق الغائبة عن الرأي العام الدولي.

ولفت ورداني، وهو مؤلف دراسة “مصر في عيون الإعلام الغربي”، إلى أن الأبحاث التي أجراها خلال إعداده للدراسة أظهرت أن عددا كبيرا من وسائل الإعلام الأجنبية تركز على جانب واحد وتترك جوانب أخرى قد تكون ذات أهمية في توصيل الصورة كاملة، وفي عدد كبير من التقارير يكون الرد الرسمي حاضرا لكنه لا يدحض الفكرة الأساسية التي قام عليها المحتوى المنشور، وبالتالي فالصورة الذهنية للدولة المصرية التي تتراكم في أذهان المتلقين لتلك الوسائل تكون سلبية.

وأكد أن غياب الإعلام المصري عن الساحة الدولية تسبب في حالة فراغ استغلتها قنوات معادية للدولة، واستطاعت أن تكون لديها تأثيرات مهمة في الرأي العام العالمي، خاصة أن الرد المصري في الكثير من الأحيان لا يقنع الجمهور الذي ترسّخت في ذهنه صورة بعينها من الصعب أن يمحوها مجرد رد أو تقرير.

وتصطدم شركات العلاقات العامة الغربية التي توسعت الحكومة المصرية في التعاقد معها، بمشكلات عدة، فما تقوم بنشره من مقالات في صحف ومجلات عالمية روتيني.

ويصعب تحسين الصورة الذهنية للدولة عبر طرق تبدو مصطنعة، ومهما بلغت قوة هذه الوسائل فإنها تقف عاجزة عن تقديم صورة مغايرة للواقع في غياب القدرة على إتاحة المعلومات لجميع وسائل الإعلام بشفافية والاعتراف بأن هناك مشكلات.

18