نصف قرن من تاريخ فرنسا على لسان رجل بسيط

مسرحية “حياة جيرار الغرب” .. تعبير عن واقع المناطق الفلاحية المهمّشة في فرنسا منذ سبعينات القرن الماضي.
الاثنين 2020/08/03
سردية لفرنسا المهمّشة

مسرحية “حياة جيرار الغرب” هي حكاية جيرار إيرودو، مواطن عادي، يرويها الممثل جيرار بوتيي عبر عرض مسرحي يطرح من خلاله واقع فرنسا المهمّشة من سبعينات القرن الماضي إلى الآن، في انتظار ماريان نائبة الشعب التي تزور بلدته النائية لمقابلة “أناس أصلاء”.

“حياة جيرار الغرب” مسرحية مستمدة من رواية للكاتب فرنسوا بون بالعنوان نفسه، جمع فيها حكايات الفرنسيين الذين قابلهم في جولاته، وجعل بطلها رجلا بسيطا يدعى جيرار، يسرد محطات من حياته لأمان اللاجئ الإرتري، وهما في قبو منزله ببلدة متخيلة في محافظة فندي شرقيّ فرنسا.

ولفرنسوا بون تجربة في سرد حكايات أناس مغمورين، سبق أن نشرها في كتب مثل “رجل مريب” و”القمر في البئر”، اللذين استوحى أحداثهما وأبطالهما من أناس حقيقيين قابلهم وجالسهم واستمع إليهم. وقد عهد بعمله الأخير للممثل والمخرج المسرحي جيرار بوتيي.

في بيته إذن، أعدّ جيرار إيرودو العدّة لاستقبال ماريان نائبة من نوّاب الشعب، التي دعاها إلى مقابلة أناس حقيقيين، أصلاء، لتنصت إلى الذين لا تُسمع أصواتهم في الغالب.

في انتظارها وفي انتظار أقاربه وزملائه وأصدقائه الذين دعاهم للقائها في قاعة الأفراح، حيث أعدّ للجميع وليمة، يجلس جيرار في بيته مع أمان الذي احتضنته إحدى الجمعيات الإنسانية منذ مدة قصيرة، ويشرب على نخبه ويحكي.

يسرد دخوله معترك الحياة في سنّ مبكّرة إلى أن سُدّت في وجهه فرص العمل، فراح يتنقل بين “قطب التشغيل” والنقابات العمالية لعله يجد منهما يد عون تقيه البطالة.

من طفولته في حانة يديرها أحد أقربائه إلى عامل بالنيابة يتنقل من مؤسّسة إلى أخرى، ومن حادث شغل لعامل في مصنع للأغذية الزراعية وانتحاره بعد سنتين من البطالة إلى تسريح العمّال بعد غلق المصانع، إما لأنها أفلست، وإما لأن أصحابها فضلوا تحويلها إلى بلدان أخرى لرخص العمالة فيها، تتوالى الحكايات وتتناسل من رحم بعضها بعضا، فيها الطريف المسلي، وفيها الواقعيّ المؤلم والمأساوي، تروى بطريقة حكواتي متمرس (وبوتيي له تجربة في هذا المجال) دون استدرار شفقة، ولا رغبة ملحة في الإضحاك.

يسردها تقريبا كما هي، كما نقلها فرانسوا بون الذي لم يراجع معه بوتيي النص المُمسرح فقط، بل راجع معه أيضا مخطوط الرواية قبل نشرها، لأن أحداثها تجري في جهة لها عادات وتقاليد ولهجات لا يتقنها تماما، بخلاف بوتيي أصيل المنطقة، فكان النص الجديد أقرب إلى اللغة الشفوية.

المسرحية تطرح رؤية عن عالم العمال في فرنسا الريفية
المسرحية تطرح رؤية عن عالم العمال في فرنسا الريفية 

ومن حكاية إلى أخرى، نكتشف بورتريه رجل ذي تجربة في الحياة لم تجر دائما كما يشتهي، مثلما نكتشف من خلاله ما في المجتمع من أشياء جميلة وأخرى قاسية، ونقف فوق ذلك على جانب من سردية فرنسا المهمّشة، في المناطق الفلاحية التي لم تجد حظها من التطوّر والنمو والحداثة بسبب قرارات سياسية متهافتة.

من سبعينات القرن الماضي إلى يومنا هذا، تطرح المسرحية رؤية عن عالم العمال في فرنسا الريفية على خشبة مسرح بلفيل الذي فتح أبوابه من جديد منذ مطلع يوليو الماضي، مع إقبال محدود تفرضه القواعد الصحية الصارمة.

وبأسلوب طريف، ولغة بسيطة يختلط فيها الكلام العادي بلهجة سكان منطقة فندي، يصوّر جيرار أفراح الناس وأتراحهم، ثم ينسرب خطابه شيئا فشيئا نحو المناطق المربكة، التي تمس حقائق اجتماعية، مأساوية في الغالب، وحتميات توجه مسار حيوات أناس بسطاء، لا يرومون غير العيش الكريم. وهذه من المفارقات المؤلمة في بلد غنيّ مثل فرنسا.

ما يلاحظ أن شخصية أمان اللاجئ الإرتري، الحاضرة في العرض الأول، اختفت، وعوض أن يسرد جيرار حكاياته لشخص لا يشاركه إلاّ شرب البيرة، ويكتفي بالاستماع دون أن يندّ منه صوت، اختار بوتيي منذ العرض الثاني أن يتوجه إلى الجمهور مباشرة.
كما أن الخطاب يحيد أحيانا عن الواقع، حيث يستعرض البطل مشاكل حقيقية ولكن بتحليل رجل مثقف، لا يناسب تفكير عامل في الأرياف، ولا يمكن أن يصوغ أفكاره بنفس الأسلوب، ونفس العبارات.

أضف إلى ذلك أن ثمة خلطا بين المكان الذي ينتظر فيه جيرار وأمان المدعوين، هل هو بيته في تلك البلدة المتخيلة سان جان ديزْوا، أم في قاعة أفراحها. ثم إن فكرة النائبة التي ستأتي للقاء سكان البلدة، ليست قادحا مقنعا للحكايات، لاسيما أنها لم تأت، ولن تأتي، بل ليس في النص ما يشير إلى وجود من ينتظر قدومها، فما هي النهاية سوى ذريعة، كان يمكن الاستغناء عنها.

فكرة اللاجئ الإرتري جيدة لو استغلها الكاتب للمقارنة بين بؤس وبؤس، بين بؤس رجل أفريقي هرب من بلاده ربما لأسباب اقتصادية وأمنية وإنسانية، وبين بؤس رجل لا يعدم فرصة لتحسين وضعه في المدن المجاورة، ولا يمكن أن يقربه الجوع في دولة راعية، ولذلك فإن تركيز الكاتب على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في أرياف بلاده منذ نصف قرن جعل الإرتري لا محل له من الإعراب، لاسيما أن دوره يقتصر على الاستماع، فقط.

16