نشر ثقافة التبرع بالأعضاء يصطدم بسلطة الفتاوى القديمة وازدواجية التفكير المجتمعي

الخلافات الفقهية ترسخ للتخوف من التبرع بالأعضاء بعد الموت.
الجمعة 2021/10/08
طريق تجديد الخطاب الديني مازال طويلا

يبدو الكثير من المصريين على استعداد لدفع مبالغ باهظة لشراء عضو من جسد إنسان على قيد الحياة لإنقاذ فرد من العائلة يعاني مرضا بعينه، مثل الفشل الكلوي مثلا، لكن عندما تطرح على أحد أفراد المجتمع إمكانية التبرع بأيّ عضو من جسده بعد الموت يستند إلى خطاب التحريم الذي يروجه متطرفون ما يعكس الازدواجية في التفكير المجتمعي.

القاهرة - حرام.. صارت أول كلمة يحتمي بها الكثير من المصريين لتبرير رفضهم فكرة التبرع بأعضاء الجسد بعد الوفاة، استنادا إلى آراء فقهية كرسها في أذهانهم أئمة سابقون ورجال دين معاصرون، رغم أن جميع المؤسسات الدينية في البلاد -مثل الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء- أباحت الخطوة وقالت إن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة لا يتعارض مع الشريعة.

واحتدم الجدل الديني إثر إعلان الفنانة المصرية إلهام شاهين قبل أيام عن تبرعها بكامل أعضائها السليمة، بعد وفاتها، وقالت إنها سوف توثق ذلك في توصيتها، ودعمتها في ذلك الكاتبة فريدة الشوباشي والطبيب خالد منتصر والمنتج السينمائي مدحت العدل، لكن الهجمة الشرسة التي تعرض لها هؤلاء عكست حجم التشدد المجتمعي.

المتابع لبعض التعليقات التي دونها مصريون على منصات التواصل الاجتماعي إثر إعلان فنانين وكتاب التبرع بأعضائهم بعد الوفاة، يكتشف أن رأي جهة الفتوى مهما كان مستندا إلى رؤى شرعية وأدلة وبراهين لم يعد مؤثرا في قناعات الشريحة التي تميل إلى فقه الماضي بعلمائه وشيوخه، فهؤلاء لا يعترفون بأي تجديد للخطاب الديني.

ورغم تدخل دار الإفتاء بشكل واضح بالإعلان عن أن التبرع بالأعضاء عقب الوفاة من أبواب الصدقة الجارية وإحياء للنفس البشرية وله ثواب عظيم، تعرضت لاتهامات بلغت حد الطعن في قناعات وأفكار علمائها، وهناك من اعتبر الفتوى متناغمة مع الحكومة ليس أكثر ولا يجوز تحت أي ظرف الاعتراف بها أو تنفيذها.

ووضعت جهة الفتوى شروطا تتواءم إلى حد بعيد مع الأعراف الطبية في هذا الشأن، بأن يكون المتبرع تُوفّي وماتت كل أعضائه أو يُحظر بيع الأعضاء والمتاجرة بها، وأن يكون التبرع بناء على موافقة الشخص ذاته قبل وفاته أو موافقة أقرب الناس إليه، لكن الأغلبية المجتمعية لم تقتنع وتمسكت بموقفها الرافض لمناقشة الفكرة.

تجاوز القانون

إنقاذ المرضى رهن تابوهات المتشددين
إنقاذ المرضى رهن تابوهات المتشددين

أقرت مصر قانونا أباح نقل الأعضاء من الشخص المتوفى إلى الحي منذ أحد عشر عاما، إلا أن المشكلة أبعد من مجرد تشريع، فهي مرتبطة بقدسية الرأي الدينية في هذا الشأن، فالناس لا يعترفون بالقانون بقدر ما يشغلهم في المقام الأول سؤال: هل الدين يرضى بذلك أم لا؟ والأهم: من هو عالم الدين الذي يمكن الوثوق في رأيه؟

ما زالت أزمة بعض المصريين أنهم يستفتون شيوخ من السلفيين وعناصر تابعة لتيار الإسلام السياسي بحكم أنهم أكثر اختلاطا بالشارع من دعاة وعلماء المؤسسة الدينية، ما يجعل تأثيرهم أقوى على الفئات ذات المستوى التعليمي المنخفض والأميين، وبعض المتعلمين بحكم استنادهم للتراث الذي تقدسه الأغلبية المجتمعية المتدينة بطبيعتها.

آمنة نصير: تجديد الخطاب الديني في المسائل الاجتماعية ضرورة ملحة

ورغم إقرار كل جهات الفتوى بأن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة جائز شرعا -وهناك دعوات صريحة للحفاظ على النفس البشرية من الهلاك- فإن الخلاف الفقهي بين علماء المؤسسة الدينية أنفسهم زرع بين الناس حالة من الشك والريبة والتخوف، وجعلهم ينقسمون إلى تيارات مختلفة، وهي حالة يستثمرها المتشددون طوال الوقت.

ولأن الأغلبية المجتمعية تكون متحفظة لأبعد مدى في الاستجابة لرأي جهات الفتوى في المسائل الخلافية، فهي تفضل التمسك برأيها الشخصي وتجنبِ الوقوع في معصية، وهذه أزمة تتحملها المؤسسة الدينية ورجالها، لأنهم اعتادوا أن تخرج خلافاتهم الفقهية إلى العلن دون الجلوس إلى طاولة واحدة والاستقرار على رأي ثابت لوقف الاستقطاب المجتمعي على أساس ديني.

قال طارق هاشم، مستشار وزيرة الصحة المصرية سابقا، إن "التخوف المجتمعي من تطبيق فكرة التبرع بالأعضاء بعد الموت مرده استمرار الخلاف الفقهي حول القضية وعدم ثبات بعض العلماء على رأي واحد، ما أحدث حالة من الارتباك تجاه الفتاوى المرتبطة بهذه القضية، رغم الحاجة الملحة طبيا إلى أعضاء المتوفين لإنقاذ النفس البشرية وإحياء آلاف الأشخاص الذين يواجهون الموت سنويا".

وأضاف لـ”العرب” أن "الحواجز النفسية والاجتماعية تجاه عمليات نقل الأعضاء والتبرع بها جزء أساسي منها ناتج عن ارتفاع صوت المتشددين وتحذيرهم من مصير الشخص الذي يؤمن بهذا الفعل، والمشكلة أن الكثيرين يستمدون ثقافتهم من رجال دين عشوائيين رغم وضوح رأي جهة الفتوى الرسمية، بالتالي فإن الخطاب المعتدل بحاجة إلى أن يخترق عقول كل فئات المجتمع لهزيمة أسانيد المتطرفين".

ويبرر المعارضون لفكرة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة بحجة أن الجسد ملك لله ولا يجوز التخلي عن أيّ قطعة منه أو التصرف فيها بالنقل أو العطاء للآخرين، مهما كانت الظروف والدوافع، وهو الرأي الذي تدعمه أصوات داخل جهات معنية بإصدار الفتوى، مثل الأزهر، ويستند هؤلاء إلى آيات قرآنية وأحاديث ويقومون بتفسيرها وفق وجهات نظرهم الشخصية.

تتعقد الأزمة عندما يعيد المتشددون نشر فتاوى دينية قديمة لتوثيق آرائهم المعارضة لفكرة التبرع بالأعضاء، في محاولة لإقناع الأغلبية بأنهم على صواب. ومن بين الآراء الراسخة في العقلية المصرية حول القضية ما سبق أن ساقه الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي؛ إذ أقرّ بحرمة تبرع الشخص بالأعضاء حيا أو ميتا، وهو من الرموز الدينية التي يتعامل معها الكثير من المصريين بتقدير.

استند الشعراوي في فتواه إلى أن الجسد ملك لله، وهو الرأي الذي يردده كل رجال الدين المعاصرين وأقنعوا به أتباعهم غير مدركين أن فتاواهم تقود إلى قتل النفس البشرية ويسوّقون لدين قاس، مع أن الإسلام دعا إلى الرحمة والتكافل والتراحم بين الناس واعتبر أن من يحيي نفسا كأنه أحيا الناس جميعا.

جمال فرويز: الحواجز الاجتماعية تصعب التعاطي مع ملف التبرع بالأعضاء

أزمة جهات الفتوى أمام المجتمع أنها أخفقت إلى حد بعيد في مبارزة المتشددين المعارضين للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة بالحجة والبرهان، ولم تدخل معهم في نقاش فكري يدحض آراءهم ويفضح أسانيدهم، وفي كل مرة تكتفي بالرد عليهم بخطاب قديم تتبناه منذ عشرات السنين ويفيد بأن التبرع صدقة جارية لا تتعارض مع أحكام الشريعة.

ولئن كان معارضو التبرع بالأعضاء يقنعون المجتمع بأن الجسد ملكية إلهية فإن الأصوات المعتدلة دينيا لم تبارزهم بنفس لغتهم أو تقل لهم، مثلا، إن دم الإنسان أيضا ملكية إلهية ولا يجوز التبرع به لإنقاذ حياة شخص يواجه الموت، ولم تقل لهم إن لبن الأم ملكية إلهية طالما يخص جسدها وليس من حقها أن تتبرع به لابنها أو لإرضاع صغير ماتت أمه أثناء ولادته.

كما أن الله قال في أكثر من آية قرآنية “ولله ملك السماوات والأرض”، أي أنه يمتلك كل شيء، مالا وأرضا وجسدا وجمادا وحيوانا، وبنفس المنطق لماذا يتصرف الناس في أموالهم مع أنها ملك الخالق؟ ولماذا يتزكى المسلمون ويتبرعون بالصدقات طالما أن المال لا يخصهم بل هو ملكية إلهية؟ هكذا الجسد خلقه الله ليكون ملكا للإنسان يستخدمه في صالح نفسه والآخرين.

وقالت آمنة نصير أستاذة العقيدة الإسلامية بجامعة الأزهر إن “الأصوات المتشددة تكون في منتهى الضعف عندما تتم مواجهتها بالعلم والفكر والعقلانية والحجة والبرهان، ما يتطلب من المؤسسة الدينية جهدا أكبر لكشفها على حقيقتها أمام المجتمع”، لافتة إلى أن “المصريين بطبيعتهم معروف عنهم التكافل المجتمعي والتراحم لدوافع دينية، لكنهم بحاجة إلى من ينير بصيرتهم بصوت المنطق".

وأوضحت لـ”العرب” أن "تجديد الخطاب الديني في المسائل المرتبطة بالنواحي الاجتماعية ضرورة ملحة لأن التعويل على فتاوى الماضي التي لم تعد تناسب العصر يحمل خطورة بالغة، فلا يمكن التعامل مع قضية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة من زاوية فقهية ذات تفسيرات شخصية دون النظر إلى أبعادها الإنسانية، والتشدد فيها يشوه صورة الإسلام السمحة".

تناقضات حياتية

الجدل الديني احتدم إثر إعلان الفنانة المصرية إلهام شاهين قبل أيام عن تبرعها بكامل أعضائها السليمة بعد وفاتها
الجدل الديني احتدم إثر إعلان الفنانة المصرية إلهام شاهين قبل أيام عن تبرعها بكامل أعضائها السليمة بعد وفاتها

تعاني مصر من أزمة تجارة الأعضاء، وكثيرا ما تمكنت أجهزة الأمن من ضبط عصابات متخصصة في مثل هذا النوع من القضايا، ومازال المتهم الأول بانتشار الظاهرة آراء المتشددين الذين صاروا العائق الأول أمام نشر ثقافة التبرع بالأعضاء بين أفراد المجتمع، مع أن جميع الدول الإسلامية تقريبا أقرت تشريعا في هذا الخصوص وتعمل به منذ سنوات.

وأشار جمال فرويز الاستشاري النفسي بالقاهرة، لـ”العرب”، إلى أن "الأغلبية السكانية لديها رهبة من الاقتراب من عمل يثار حوله جدل ديني، وأصبحت هناك حواجز نفسية واجتماعية تحول دون التعاطي بجدية مع ملف التبرع بالأعضاء لأن الجدل الفقهي يصنع حالة من عدم التوازن النفسي في حسم الأمر، سلبا أو إيجابا. والمعضلة أن تقديس الفتوى صار أكثر من قدسية إعمال العقل والمنطق ما أحدث ارتباكا عند الناس نتيجة الميراث الثقافي السلبي، فالفتوى هي المتحكمة في الكثير من السلوكيات والتصرفات، بقطع النظر عن مصدرها".

الخلاف الفقهي بين علماء المؤسسة الدينية أنفسهم حول التبرع بالأعضاء زرع بين الناس حالة من الشك والتخوف

ويعتقد متابعون أن ادعاء رجال الدين بأن الإسلام يرفض التبرع بالأعضاء بعد الموت، أحدث لدى المجتمع حساسية مفرطة من التطرق إلى القضية، مع أنه لم ترد آية قرآنية واحدة أو حديث نبوي صريح تطرقا إلى تحريم هذا الفعل صراحة، بل إن كل ما يثار لا يخرج عن كونه اجتهادات شخصية وتفسيرات مغلوطة للقرآن والسنة.

أحمد كريمة، وهو عالم أزهري يطل على المصريين بشكل مستمر من خلال وسائل الإعلام ليدلي برأيه الديني في العديد من القضايا، عندما أفتى بأن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة حرام استند إلى حديث نبوي يقول “كسر عظم الميت ككسره حيا”، مع أن ذلك فهم مغلوط لكلام النبي محمد الذي كان يحث على التعامل مع جسد الميت برفق ولين.

وحتى إن كانت لدى بعض المتطرفين مبررات توحي بأن التبرع بأعضاء الجسد بعد الوفاة تصرف غير مستحب لأنه يمثل عبثا بالميت، فالأصل في الإسلام أن قواعده الرئيسية صالحة واسترشادية في بعض الأمور الحياتية. وإذا لم يصل الطب في عصور الجاهلية إلى إمكانية إنقاذ نفس بشرية من الهلاك عبر الاستعانة بعضو من جسد شخص توفي، فإن العلم المعاصر صار أكثر تطورا وإنقاذا للإنسانية.

موافقون ومعارضون

ظاهرة التشدد الديني قديمة

ما يعكس بلوغ التشدد الديني مداه أن بعض أصحاب الرؤى الدينية المعارضين للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة يبررون ذلك بإمكانية أن يكون المتبرع له شخصا مسيحي الديانة، وفق تصوّر أنه لا يجوز أن يستفيد أصحاب الديانات الأخرى من أجساد المسلمين، في محاولة لترهيب المجتمع من الفكرة برمتها وإقناعه بأنها حرام وتضع صاحبها في مآزق دينية عديدة، مع أن الطبيب المسيحي أو اليهودي الماهر يستطيع إنقاذ حياة الكثير من المسلمين بعلمه.

ورغم إقرار جهة الفتوى الرسمية بأن التبرع ليست له علاقة بمسألة الديانة، ولا الهوية الدينية للمتبرع له، فإن هناك أغلبية صارت في حالة شك بعدما جرى إقناعها بالتحريم من زوايا عديدة، ما يتطلب خطة شاملة تخترق هذا الجمود الفكري على مستوى رجال الدين والفنانين والمفكرين

ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية، وقبل كل ذلك وجود إرادة سياسية تتدخل لإسكات أصحاب الرؤى التي تروج فتاوى معادية للإنسانية وتغذي الفكر المتطرف في المجتمع.

13