نجلاء بودن أول رئيسة وزراء عربية تقود أصعب مراحل التحوّل السياسي

رئيسة وزراء تونس لم يسبق لها الظهور في مجال العمل السياسي أو الاجتماعي، ولذلك تعتبر من الكفاءات العلمية المتخصصة التي عادة ما تزاول نشاطها العلمي والوظيفي بعيدا عن الأضواء.
الخميس 2021/10/14
خبيرة زلازل تونسية برتبة رئيسة حكومة

في قصر الحكومة بالقصبة وسط العاصمة، ولأول مرة في تاريخ تونس، تجلس نجلاء بودن رمضان على كرسي الرئاسة، وأمامها العشرات من الملفات الساخنة والمعقدة التي تحتاج إلى دراسة متأنية مقابل معالجة عاجلة، فالوضع المتردي في البلاد ماليا واقتصاديا واجتماعيا، يتطلب جهدا غير مسبوق بما يساعد على مغادرة وضعية الأزمة الطاحنة التي تمر بها البلاد منذ سنوات.

وسيكون على بودن أن تنفذ سياسات الرئيس قيس سعيد في إطار التدابير الاستثنائية المعلنة من قبله في 25 يوليو الماضي، والتي قال إنها تستند إلى المادة 80 من الدستور بما يخرج البلاد من حالة الخطر الداهم، فيما ينص الأمر الرئاسي رقم 117 الصادر في 22 سبتمبر الماضي “على تكوين الحكومة من رئيس وزراء ووزراء دولة يعينهم رئيس الجمهورية، على أن تسهر على تنفيذ السياسة العامة للدولة طبق التوجهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية. وتكون الحكومة مسؤولة عن تصرّفها أمام رئيس الجمهورية. أمّا رئيس الحكومة فيسيّر الحكومة وينسق أعمالها ويتصرف في دواليب الإدارة لتنفيذ التوجهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية، وينوب عن الاقتضاء رئيس الجمهورية في رئاسة مجلس الوزراء أو أي مجلس آخر”.

تحديات كبرى

تجد بودن نفسها أمام جملة من التحديات الكبرى التي تواجه البلاد ككل، وعلى رأسها فتح باب المفاوضات من جديد مع المانحين الدوليين وخاصة صندوق النقد الدولي لتأمين التمويلات الضرورية لسد العجز في ميزانية العام الجاري وتدبير ميزانية 2022، إلى جانب تحديد أولويات الإصلاح وتطهير مؤسسات وأجهزة الدولة من بؤر التمكين والفساد، وإعادة جسور الثقة مع الشعب، وتطوير أداء السلطة التنفيذية بما يتلاءم مع تطلعات التونسيين عموما، واسترجاع الأمل والتفاؤل والروح الإيجابية لدى الشباب المنهك.

المرأة التونسية ورغم الحقوق الاجتماعية والثقافية والتشريعات القانونية، لا تتواجد إلا في 25 في المئة من المناصب القيادية، و8 في المئة في التمثيل الدبلوماسي، فضلا عن تراجع تمثيليتها في البرلمان خلال الانتخابات الأخيرة

هي أصيلة ولاية القيروان بوسط البلاد، من مواليد 29 يونيو 1958، ولم يسبق لها الظهور في مجال العمل السياسي أو الاجتماعي، ولذلك تعتبر من الكفاءات العلمية المتخصصة التي عادة ما تزاول نشاطها العلمي والوظيفي بعيدا عن الأضواء، وهو ما ينطبق كذلك على أغلب أعضاء حكومتها.

تخرجت من المدرسة الوطنية للمهندسين، وحصلت على الدكتوراه في الهندسة الجيولوجية من المدرسة الوطنية العليا للمناجم في باريس، ثم عادت إلى بلادها لتزاول تدريس مادة الجيولوجيا بالمدرسة الوطنية للمهندسين بتونس، كما كانت تنشط من منطلق وظيفتها الأكاديمية في لجان التفكير بالتجمع الدستوري الديمقراطي، الحزب الحاكم قبل الإطاحة بالنظام السابق.

في عام 2011، أصبحت بودن مديرة عامة للجودة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ثم شغلت منصب مديرة المشاريع في مكتب الوزير آنذاك شهاب بودن، وتم توسيمها من قبل رئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي بمناسبة يوم العلم مع عدد من إطارات وزارة التعليم العالي، كما شغلت بالوزارة ذاتها منصب رئيس وحدة الإدارة حسب الأهداف لتنفيذ مشروع إصلاح التعليم العالي بهدف دعم قابلية توظيف دبلومات التعليم العالي، وشغلت المنصب إلى حين تكلفيها بتشكيل الحكومة، كمكلفة بتنفيذ برامج البنك الدولي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

وفي أواخر سبتمبر الماضي أعلنت مؤسسة الرئاسة التونسية أن الرئيس سعيد قرر تكليف السيدة نجلاء بودن رمضان، بتشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما أثار جدلا واسعا في داخل البلاد وخارجها، لاسيما وأنها المرة الأولى التي تحظى فيها امرأة بمنصب رئيسة وزراء في تونس والمنطقة العربية، وهو ما يعتبر خطوة مهمة على طريق تمكين النساء من تولي مناصب عليا في الدولة، ويفسح أمامهن مجالا أوسع على درب تحقيق المساواة بين الجنسين.

رؤية أم تنفيذ

بودن سيكون عليها أن تنفذ سياسات الرئيس سعيد في إطار التدابير الاستثنائية المعلنة من قبله
بودن سيكون عليها أن تنفذ سياسات الرئيس سعيد في إطار التدابير الاستثنائية المعلنة من قبله 

لكن معارضي التدابير الاستثنائية التي اتخذها سعيد في الخامس والعشرين من يوليو الماضي، اعتبروا أن تعيين بودن لا يخرج عن محاولة لتسويق ما يعتبرونه انقلاباً على الدستور والشرعية، مشيرين إلى الأمر الرئاسي رقم 117 الصادر في 22 سبتمبر بخصوص التنظيم المؤقت للسلطات، والذي يضع جميع السلطات التنفيذية بيد الرئيس ليكون الرئيس الفعلي للحكومة ولمجلس الوزراء، في حين لا يتجاوز دور بودن القيام بوظيفة الوزير الأول الذي تنحصر مهمته في التنسيق بين الوزارات.

وينص الفصل 17 من الأمر الرئاسي على أن الحكومة “تسهر على تنفيذ السياسة العامّة للدولة طبق التوجيهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية”، كما ينص الفصل 19 على أن رئيس الحكومة “يسيّر الحكومة وينسّق أعمالها ويتصرّف في دواليب الإدارة لتنفيذ التوجهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية”.

وفي 11 أكتوبر 2021 أدت بودن وأعضاء حكومتها اليمين الدستورية أمام الرئيس قيس سعيد خلال موكب انتظم بقصر قرطاج، وقالت في كلمة بالمناسبة إن هدفها ”إرجاع الثقة والأمل وضمان الأمن الاقتصادي والصحي للمواطن واستعادة الثقة في الدولة، وهي ثقة لا تتحقق إلا بشعوره بأنه مواطن كامل الحقوق”. وأضافت بودن ”نهدف إلى إرجاع ثقة المواطن في الإدارة والعمل الحكومي، وثقة الخارج في بلادنا. كما أن من أهم الأهداف، مكافحة الفساد الذي يزداد يوما بعد يوما”، مشيرة إلى إصرارها على إعادة الأمل للمواطن في المستقبل حيث قالت عنه “نتمناه أفضل”، وذلك باعتماد الكفاءة والخبرة كأساس لتحقيق هذه الأهداف.

كما شددت في كلمتها على ”التسريع في تنشيط الدورة الاقتصادية وفتح مجال المبادرة وتحسين ظروف عيش المواطن وقدرته الشرائية بالعمل على توفير خدمات ذات جودة”، وتابعت ”إن إرادة الحكومة هي العمل من أجل مصلحة تونس والاستجابة لمطالب شعبها وانفتاحها على كل الأطراف”، مشيرة إلى أنه و”حتى تتمكن الحكومة من الشروع الفوري في العمل، تم الحفاظ على الهيكلة الكبرى للوزارات”.

ويرى الإتحاد العام التونسي للشغل، أكبر المنظمات النقابية في البلاد، أن هناك العديد من التحديات المطروحة على المدى القصير على الحكومة الجديدة التي تقودها بودن، من أبرزها إعادة التوازن للمالية العمومية في ظل ارتفاع العجز ووجود حاجة ماسة لتعبئة موارد مالية جديدة.

وقال الناطق الرسمي باسم الاتحاد سامي الطاهري إن تشكيل الحكومة الجديدة سيساعد على سد الفراغ الحكومي، وسيعيد تشغيل دواليب الدولة بعد تعطل دام أكثر من شهرين منذ اتخاذ التدابير الاستثنائية من قبل رئيس الدولة، مضيفا أنه لا بد من وضع خطة استعجالية من قبل الحكومة الجديدة في المجالين الصحي والتعليمي باعتبار أنهما يمسان حياة الناس ومستقبلهم خاصة في ظل جائحة كوفيد – 19، ومشددا على ضرورة إيلاء أهمية قصوى للملف الاجتماعي جراء تفاقم البطالة وارتفاع معدل الفقر وتدهور القوة الشرائية بما ينبئ بوقوع احتجاجات وتوترات اجتماعية، وفق قوله.

حكومة جديدة مختلفة

Thumbnail

يضم مجلس الوزراء الجديد 25 عضوا، من بينهم تسع نساء قادمات من حقول أكاديمية ومعرفية وإدارية مختلفة، وهن عموما من المعروفات في مجالات عملهن، ولهن خبرات ستساعدهن على تولي المسؤوليات المنوطة بعهدتهن.

وزيرة العدل ليلى جفال قاضية التحقت بسلك القضاء بتاريخ 15 مارس 1987 وعملت مباشرة رئيسة لعدد من المحاكم الابتدائية قبل أن يتم تعيينها رئيسة أولى لمحكمة الاستئناف بنابل، ومن ثم تعيينها وزيرة لأملاك الدولة في حكومة هشام المشيشي قبل أن يتم إعفاؤها آنذاك.

ووزيرة المالية سهام بوغديري نمصية، عملت أستاذة جامعية، وقضت 28 عامًا من الخدمة في وزارة المالية، وهي متخصصة بشكل خاص في تطوير التشريعات الضريبية والتدابير المالية لقانون المالية وكذلك المذكرات التفسيرية المشتركة، وقادت مجموعة العمل الخاصة بالإصلاح الضريبي وتميزت في إجراء مفاوضات بشأن الأحكام ذات الصلة مع المنظمات الوطنية والشركات المهنية، وشاركت في المفاوضات المتعلقة باتفاقيات الازدواج الضريبي مع أكثر من 20 دولة، وإبرام اتفاقيات مع المنظمات الإقليمية والدولية، وكذلك اتفاقيات تحفيز الاستثمار وحمايتها، وكذلك في المفاوضات حول برنامج الإصلاح الضريبي مع صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد العربي، وفي مفاوضات شطب تونس من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي.

أما وزيرة الصناعة والطاقة نائلة نويرة القنجي، سبق لها أن شغلت منصب رئيسة الجمعية التونسية للأقطاب التكنولوجية والمديرة العامة للقطب التكنولوجي.

الظروف التي تمر بها تونس، وإن كانت تعرف الكثير من التعقيد والجدل الحاد حول شرعيتها إلا أنها ستمثّل تحولا كبيرا وانتقالا جديا من مرحلة إلى أخرى

ووزيرة التجارة وتنمية الصادرات فضيلة الرابحي بن حمزة، كانت تتولى منصب مديرة البحوث والمنافسة الاقتصادية في وزارة التجارة وفي المعهد الوطني للاستهلاك. أما زيرة البيئة ليلى الشيخاوي، فهي أستاذة في القانون العام وتدرس القانون البيئي منذ 2013 في كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، وحاصلة على دكتوراه في القانون من جامعة باريس الأولى.

آمال موسى بالحاج، وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن شاعرة وكاتبة وأستاذة في علم الاجتماع، بينما كانت وزيرة الشؤون الثقافية حياة قطاط قرمازي، أول امرأة سبق لها رئاسة منظمة الألكسو، قبل أن تصبح مديرة عامة لها، بعد أن عملت مستشارة لوزير الثقافة.

كما تضم الحكومة الجديدة وزيرة التجهيز سارة الزعفراني الزنزري، وهي مهندسة عامة كانت مكلفة بمهام رئيس وحدة التصرف حسب الأهداف بوزارة البيئة والشؤون المحلية، ووزيرة الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية والهجرة وشؤون التونسيين بالخارج عايدة حمدي، خريجة المعهد الوطني للإدارة في فرنسا وتونس.

وتعتبر حكومة بودن انتصارا للمرأة التونسية حيث تتبوأ من خلالها مناصب مهمة من خلال إدارة حقائب ذات أهمية قصوى في علاقاتها بمجالات تحتاج إلى الإصلاح الهيكلي وإلى التطهير من الفساد الذي اتسع في مختلف هياكل الدولة خلال السنوات العشر الماضية، كما تعطيها أملا في تجاوز ضعف تمثيليتها في واقع المناصب القيادية، حيث ورغم الحقوق الاجتماعية والثقافية والتشريعات القانونية، لا توجد المرأة سوى في 25 في المئة من المناصب القيادية، و8 في المئة في التمثيل الدبلوماسي، فضلا عن تراجع تمثيليتها في البرلمان خلال الانتخابات الأخيرة.

وكان تكليف النساء بالإشراف على حقائب وزارية في تونس قد تأخر نسبيا مقارنة بدول عربية أخرى، حيث كانت فتحية المختار مزالي، وهي سياسية ومدرّسة فلسفة تخرجت من باريس، أول امرأة تتولى الوزارة في تونس، وكان ذلك في ظل حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة عندما أسندت إليها حقيبة مختصة بالأسرة والنهوض بالمرأة تم استحداثها أثناء تولي زوجها محمد مزالي مهمة وزير أول، واستمرت في ذلك المنصب إلى أن أقيلت في يونيو 1986 وألغيت الوزارة التي كانت تشرف عليها مع تنحية زوجها من الوزارة الأولى.

ويرى مراقبون محليون أن تخصص بودن في دراسة علوم طبقات الأرض ومنها ظاهرة الزلازل يمكن أن يعطيها القدرة على التوقّي من الرجّات التي قد تصادفها في طريق عملها السياسي، ولاسيما أن حملة معادية تستهدف التدابير الاستثنائية التي أقرها الرئيس سعيد، وجاءت بها إلى صدارة السلطة التنفيذية في علاقة مباشرة مع ملفات معقدة تحتاج إلى قرارات عاجلة بالحسم.

 ورغم ما يراه معارضو المرحلة من أنها لا تتجاوز أن تكون وزيرة أولى أو رئيسة حكومة تصريف أعمال أو رئيسة حكومة غير شرعية، إلا أن القطار يسير على السكة، وهذه الظروف التي تمر بها تونس، وإن كانت تعرف الكثير من التعقيد والجدل الحاد حول شرعيتها إلا أنها ستمثّل تحولا كبيرا وانتقالا جديا من مرحلة إلى أخرى يعتقد التونسيون أنها ستكون أفضل من المراحل السابقة.

الرئيسة الجديدة للوزراء كفاءة علمية لم يسبق لها الظهور سياسيا أو اجتماعيا
الرئيسة الجديدة للوزراء كفاءة علمية لم يسبق لها الظهور سياسيا أو اجتماعيا

 

12