نتفليكس تواصل هيمنتها على سوق السينما العالمية بسبعين فيلما جديدا

المنصة الرقمية تضع الأستوديوهات السينمائية الكبرى أمام تحد حقيقي وتخلط أوراق منافسيها.
الخميس 2021/01/14
أفلام لأهم النجوم العالميين

تواصل شركة نتفليكس الأميركية هيمنتها على عالم الإنتاج والبث السينمائيين، حيث طرحت مع بداية العام الجديد العشرات من الأفلام التي استقطبت العديد من نجوم السينما الكبار، وذلك في ظل وضع وبائي صعب، ما يعقد من وضعية قطاعات الإنتاج السينمائي التقليدية، ويضع وجودها على المحك. كما أن الأمر يصعّد من وتيرة التنافس الشرس بين شركات البث التدفقي التي مازالت نتفليكس تتمتع بصدارة مريحة مقارنة معها.

نيويورك – استفادت شركة نتفليكس الأميركية لخدمات البث الترفيهي عبر الإنترنت من الوضع الوبائي العالمي وحالة الحجر الصحي التي ألزمت الناس بالبقاء في بيوتهم وفرضت إغلاقا كليا للمسارح ودور السينما، حيث باتت الوجهة المفضلة للمشاهدين الشغوفين بالأفلام والمسلسلات وحتى المسرحيات المصورة.

وما دعم حضور هذه المنصة الرقمية بشكل كبير في مختلف أنحاء العالم تعاملها مع كافة الأذواق والأسواق العالمية، سواء باقتناء أعمال من هذه الأسواق وإعادة عرضها أو عبر إنتاجات مخصصة لهذه الأذواق والأسواق. وقد فتحت أعمالها للسوق الأوروبية والأفريقية والآسيوية وحتى العربية، عبر إنتاجات محلية أو عالمية، لتحصل بذلك على حصة تسويقية كبيرة في مناطق كانت تسيطر عليها الفضائيات، لكن جمهورها الضخم بدأ يهتم بخدمات البث التدفقي على الإنترنت.

إنتاجات جديدة

بعد ازدياد كبير في قاعدتها الجماهيرية خلال الأزمة الصحية، وترقب الجماهير لجديدها، أعلنت نتفليكس، الرائدة عالميا في مجال البث التدفقي، أخيرا، عن قائمة إصداراتها الجديدة في 2021، والتي تضم ما لا يقل عن سبعين فيلما طويلا بمشاركة كوكبة من النجوم.

واختارت الشبكة العملاقة أسلوبا جديدا في الترويج لجديدها هذا العام بعدما اعتادت الإعلان عن كل عمل تنتجه على حدة، مؤكدة تعزيز موقعها الريادي في المجال، حيث باتت المنصة تتخطى بفارق كبير كل شركات الإنتاج في هوليوود من ناحية عدد الإنتاجات.

المنصة قامت بالكشف عن تواريخ طرح عشرة من أفلامها من المقرر البدء بعرضها بين يناير الجاري ومنتصف مارس القادم

من الدراما إلى الكوميديا مرورا بالخيال العلمي والرعب وحتى الويسترن، حرصت نتفليكس على تنويع إنتاجاتها لترضي مختلف الأذواق، مع بعض الأعمال التي تبدو كأنها منتجة للمنافسة على أبرز الجوائز السينمائية.

واكتفت المنصة بالكشف عن تواريخ طرح عشرة من أفلامها، من المقرر البدء بعرضها كلها بين يناير الجاري ومنتصف مارس القادم.

ومع قائمة الأفلام، نشرت نتفليكس تسجيلا مصورا قصيرا يظهر مجموعة من النجوم المشاركين في أعمال هذه السنة، من بينهم غال غادوت في فيلم “ووندر وومان 1984″، ودوين جونسون المعروف بـ”ذا روك” في فيلمي “فاست أند فيوريوس” و”جومانجي”، وراين رينولدز في فيلم “ديدبول”.

ومن بين النجوم الكثيرين الذين ستزخر بهم أعمال نتفليكس الجديدة في 2021، أسماء كبيرة حازت جوائز أوسكار من أمثال ميريل ستريب وساندرا بولوك وأوكتافيا سبنسر وجيريمي آيرنز، إضافة إلى ليوناردو دي كابريو وجنيفر لورنس وريجينا كينغ وأدريان برودي.

وعلى صعيد المخرجين تضم قائمة إنتاجات نتفليكس هذا العام جاين كامبيون المتحصلة أيضا على جائزة أوسكار، مع “ذي باور أوف ذي دوغ”، إضافة إلى الممثلة هالي بيري والكاتب والممثل لين – مانويل ميرندا اللذين ينتقلان للمرة الأولى إلى خلف الكاميرا.

ومن بين الأفلام الطويلة المنتظرة هناك “دونت لوك آب” لآدم ماكاي و”ذي بيغ شورت” و”فايس”، مع ليوناردو دي كابريو، إضافة إلى فيلم الويسترن “ذي هاردر ذاي فال” الذي شارك في إنتاجه مغني الراب جاي – زي.

ويبدو أن نتفليكس تعوّل أيضا على “ريد نوتيس” مع دوين جونسون وغال غادوت وراين رينولدز، وهو فيلم حركة بلغت ميزانيته 160 مليون دولار، وفق عدة وسائل إعلام أميركية.

ترسيخ الصدارة

بمجموعة هامة من الأفلام الخاصة تحقق نتفليكس الصدارة على حساب المنصات الأخرى وعلى حساب منتجين عريقين
بمجموعة هامة من الأفلام الخاصة تحقق نتفليكس الصدارة على حساب المنصات الأخرى وعلى حساب منتجين عريقين

استفادت خدمات البث من تفشي الفايروس، نظرًا إلى أن الأشخاص الذين يخضعون للحجر الصحي في منازلهم لتفادي الإصابة بكورونا، يحتاجون إلى مشاهدة فيلم أو مسلسل للترفيه عن أنفسهم. لكن هذا يفرض أيضا أن تكون الإنتاجات المقدمة مستجيبة لمختلف الأذواق والشرائح وتراعي التنوع الثقافي واللغوي وغيره من اشتراطات النجاح في مختلف الأسواق.

ولئن نجحت شبكة نتفليكس العملاقة في اجتذاب الملايين من المشتركين الجدد، لتواصل تحقيق صعود كبير لم تكن تتوقعه لولا جائحة كورونا التي أجبرت الناس على البقاء في بيوتهم، فإنها من ناحية أخرى تواجه بعض المشاكل التي تسعى إلى تجاوزها من خلال إنتاجاتها وأعمالها الجديدة.

ففي 2020 دعا الآلاف من مستخدمي الإنترنت، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إلى مقاطعة نتفليكس بسبب بعض الأعمال المتهمة إما بالعنصرية أو بأنها خادشة للحياء وتقدم انتهاكات جنسية، على غرار الفيلم الفرنسي “مينيون”، إذ اعتبر الكثيرون أن هذا الفيلم الروائي يضفي الطابع الجنسي على الطفلات اللواتي يؤدين أدوار البطولة فيه.

لعل أبرز منافسي “نتفليكس” شركة “ديزني”، بشراكتها مع “مارفيل” و”بيكسار” و”ستار وورز”، التي انضمت إلى سباق البث الرقمي من خلال عرض خدمة البث الخاصة بها “ديزني بلاس”

ولئن تجاوزت الشبكة إشكالات من هذا النوع فإنها ما زالت تواجه المشاكل المتعلقة بجودة الإنترنت، ففي فترات الضغط  اضطرت نتفليكس إلى التقليل من جودة عرض الفيديوهات عبر خدمتها، مما أدى إلى تخفيض جودة الصورة والتقليل من استهلاك بياناتها بنسبة 25 في المئة. وهو ما تسعى المنصة العملاقة إلى تجاوزه خاصة مع تواصل ازدياد الطلب على خدمات البث الرقمي وعلى الأعمال الدرامية والسينمائية المقدمة.

وتمكنت “نتفليكس” من منافسة المنتجين السينمائيين التقليديين على غرار يونيفيرسال وديزني والفنانون المتحدون وآخرين، لكنها تواجه أيضا منافسة شرسة من شركات بث أخرى منها القديمة والراسخة في مجال الإنتاج وأخرى ناشئة منها ما هو محلي خاص ومنها ماهو دولي ومفتوح في مختلف أنحاء المعمورة، وذلك في واقع يتعاظم فيه المجال الرقمي بشكل سريع.

ولعل أبرز منافسي “نتفليكس” شركة “ديزني”، بشراكتها مع “مارفيل” و”بيكسار” و”ستار وورز”، التي انضمت إلى سباق البث الرقمي من خلال عرض خدمة البث الخاصة بها “ديزني بلاس”.

كما نجد منافسين آخرين مثل شركة “أمازون برايم”، وشركة “وارنر ميديا” التي تمتلكها مؤسسة “أي.تي أند تي” والتي تقدم خدمة تشمل محتوى من “اتش.بي.أو”، و”ترنر” و”وارنر بروز فيلم ستوديو”.

إضافة إلى المنافسة الكبيرة التي نجحت نتفليكس في تخطيها فإنها تحاول من خلال إنتاجاتها لهذا العام أن تتجاوز التقييمات السابقة، حيث قدرت مؤسسة “أمبير” أن المحتوى الأصلي لنتفليكس في الولايات المتحدة لا يشكل سوى حوالي 8 في المئة من عدد ساعات المحتوى المتاح في مكتبتها الضخمة، و9 في المئة في المملكة المتحدة. وتم تصنيف 5 في المئة أخرى من الساعات على أنها أصلية بواسطة نتفليكس لأنها تحظى بالسبق في بثها أولاً، ولكن يتم الحصول على هذه الساعات بشكل فعلي من موردي المحتوى، مثل “ستار تريك: ديسكوفري”.

لكن بمجموعة هامة من الأفلام الخاصة تحقق نتفليكس الصدارة على حساب المنصات الأخرى وعلى حساب منتجين عريقين في السينما العالمية على غرار هوليوود، من خلال عمل متكامل على الفن السابع في مختلف الثقافات البشرية، ما حقق لها الانتشار الكبير، بينما تتراجع طرق العرض التقليدية.

طرق العرض التقليدية

المنصة قامت بالكشف عن تواريخ طرح عشرة من أفلامها من المقرر البدء بعرضها بين يناير الجاري ومنتصف مارس القادم
نهاية عصر العروض التقليدية

ما يقارب العام على انتشار فايروس كوفيد – 19 وشلّه للحياة في مختلف تمظهراتها، ولعل أكثر المتضررين هو القطاع الثقافي، فقد أغلقت المسارح وقاعات العرض أبوابها، مع فرض الكثير من الدول للحجر الصحي، ولم يفد التخفيف من الحجر في عودة هذه المؤسسات إلى العمل كسالف عهدها، بل وجدت أن قواعد لعبة الإنتاج بدأت في التغير الجذري.

ففي الهند مثلا التي تشكل أكبر منتج للأفلام في العالم إذ أنجز فيها ما يقرب من 1800 عمل سينمائي سنة 2018 بلغات متعددة. تضررت قاعات السينما بشكل فادح جراء الإغلاق، وما تبعه من فتح جزئي لم يمكنها من العمل بكامل طاقتها، كما سحبت المنصات الرقمية منها الكثير من جمهورها خاصة من الشباب.

وفي ظل التركيبة السكانية الشبابية في الهند حيث نصف السكان دون سن الثلاثين، ومع شغف الكثيرين بالتقنيات الحديثة، يثير هذا البلد العملاق ذو الـ1.3 مليار نسمة شهية عمالقة قطاع البث التدفقي الذين استثمروا مليارات الدولارات على هذه السوق في السنوات الأخيرة.

ولم تعد قاعات السينما كما كانت قبل عام من الآن المقصد المحبب لدى الهنود، رغم أسعار التذاكر المتدنية، وتحديث الكثير من الصالات السينمائية لتكون أكثر حداثة، حيث ساهم الخوف من العدوى في تجنب الكثيرين للقاعات المغلقة، وتفضيل الاشتراك في منصات البث الرقمية، التي تقدم خدماتها بأسعار مناسبة.

هل ستنجو قطاعات العرض التقليدية للسينما، في وجه الفايروس من جهة، وفي وجه العملاق الذي يكبر بسرعة ألا وهو شبكات البث التدفقي، وأولها “نتفليكس”؟

نفس الشيء في أميركا فقد أغلقت في وقت سابق دور السينما البالغ عددها 536، ما أثّر بشكل كبير في قطاع حيوي في البلاد، ولم يسعفه إعادة الدور فتح أبوابها وفق شروط صحية صارمة.

وبسبب ذلك أجّلت الكثير من الاستوديوهات إصدار الأفلام الجديدة في ظل إغلاق دور السينما أبوابها مؤقتا أو تقييد عدد الأشخاص المسموح لهم بالمشاهدة.

وفي مصر المنتج العربي الأكبر في صناعة السينما أثرت الإجراءات الاحترازية للحد من تفشي فايروس كورونا التي اعتمدتها السلطات منذ مارس الماضي، على المشهد السينمائي في البلاد، وأثرت سلبا على صناعة السينما بفعل إغلاق بعض دور العرض أو تقليص عدد المشاهدين، وتوقف تصوير العشرات من الأعمال السينمائية، مما كبد القطاع خسائر كبيرة.

ومثّل العام المنقضي حدثا استثنائيا في تاريخ السينما المصرية، حيث هي المرة الأولى في تاريخها، ومنذ عقود طويلة، التي حرم فيها جمهور الشاشة الكبيرة، خلال أيام العيد من متابعة جديد الإنتاج السينمائي للموسم، بعدما أوصدت أبواب قاعات العروض تنفيذا للإجراءات الاحترازية للحد من تفشي وباء كورونا.

ولم يتعاف القطاع بشكل كبير حتى مع التخفيف في الإجراءات الوقائية، حيث كأغلبية سكان العالم باتت المجتمعات تفضل البقاء في المنزل بدل الانخراط في تجمعات خوفا من العدوى بالفايروس الذي غيّر وجه العالم.

ونتساءل هنا، هل ستنجو قطاعات العرض التقليدية للسينما، في وجه الفايروس من جهة، وفي وجه العملاق الذي يكبر بسرعة ألا وهو شبكات البث التدفقي، وأولها “نتفليكس”؟

الهيمنة النوعية

منافسة الإنتاج السينمائي التقليدي
منافسة الإنتاج السينمائي التقليدي

قلبت نتفليكس الإنتاج السينمائي وطرق العرض والترويج بشكل جذري، حيث أوصلت السينما إلى مختلف أنحاء العالم، بشكل سلس وسهل وغير مكلف، والأهم من كل ذلك أنه آمن في ظل انتشار الوباء وعدم إيجاد حلول جذرية له ومواصلته حصد الأرواح.

ما يميز نتفليكس ربما عن بقية المنصات الأخرى هو اشتغالها على التنوع الثقافي، إضافة إلى إنتاجها أعمالا جريئة وجديدة كليا في فكرتها وطرحها ومقاربتها، علاوة على العمل جديا على جودة الصورة وتوفر الخيارات التي تلبي كافة الأذواق، كما أنها واصلت العمل الدؤوب في وقت توقفت فيه معظم عناصر الإنتاج السينمائي عن العمل، ما دعا البعض إلى الإقرار بأنها “أنقذت السينما” بينما يرى آخرون أنها “أعلنت وفاة طرق العرض والتسويق التقليدية والعريقة”.

هيمنة نتفليكس ليست مجرد دعاية، وليست فقط في جوانب ربحية، بل وحتى في المستوى الفني، فقد تصدر عملاق البث الرقمي ترشيحات جوائز غولدن غلوب في نسختها الـ77 لعام 2020، وفق ما أعلنته رابطة هوليوود للصحافة الأجنبية.

كما هيمنت الشبكة على أغلبية ترشيحات الإيمي- Emmy’s لعام 2020، برصيد 160 ترشيحاً للتربع على عرش أكثر الشبكات حصولاً على ترشيحات، ومن ثم تليها الشبكة الأميركية HBO التي نجحت في اقتناص 107 ترشيحات.

وهذا ما يجعل الاستديوهات الكبرى التي سيطرت على المشهد السينمائي أمام تحد حقيقي، بينما تسأل المنصات المنافسة لنتفليكس نفسها، ماذا نفعل؟

14