ناصر الحلواني: اللغة في الرواية هي البطل وليس السرد

القاص والروائي ناصر الحلواني يرفض أن يضع كتابته في إطار نهائي.
الأحد 2019/12/29
التنظيرات والتصنيفات والتسميات أمور تخص النقاد والكاتب يكفيه أن يبدع

شهد عقد التسعينات من القرن العشرين تألّقه وحضوره المتميز بين مختلف الأجيال من كُتاب الشعر والرواية والقصة القصيرة، فكانت تجليات تجربته لافتة على مستوى فضائها اللغوي والأسلوبي ومقارباتها لرؤية الإبداع وتشكيلات العالم بكل ما يحمله من هموم. قدم مجموعتين قصصيّتين ورواية تم الاحتفاء بها جميعا من قبل نقاد وكتاب من مختلف الأجيال، وفجأة اختفى ناصر الحلواني صاحب هذه التجربة وهذا الزخم والجدل الذي ملأته تجربته في الساحة الإبداعية، ليظهر بعد قرابة 20 عاما معاودا الكتابة ومعيدا طباعة مجموعته “غوايات الظل” وروايته “مطارح حطّ الطّير” ويصدر مجموعته الجديدة “أرواح تترى” ومترجما لعمل إيتالو كالفينو “أرقام في الظلام” عن دار يسطرون. مع ناصر الحلواني قاصا وروائيا وأسباب اختفائه ثم حضوره ورؤيته للغة والكتابة ولفترة التسعينات والمشهد الإبداعي والثقافي الآن، كان هذا الحوار.

بداية، أكد الحلواني أن أمر اختفائه “كان مزاجا من الاختفاء، بالنسبة لرفاق الوسط الثقافي، والعزلة، من جانبي، وذلك بعدما تبين لي أن وجودي، وكذلك غيري من المبدعين، لا يقوم أساسا على قدر ما تحققه الأعمال الأدبية من مستوى فني وجمالي، بل على قدر ما يقوم به المبدع من جهد في العلاقات، والزيارات لدور النشر، ومكاتب الصحافة، والتقرب إلى النقاد. فآثرت البعد، والانفراد بنفسي لحين، وانشغلت في معظم تلك الفترة بأمور بعيدة تماما عن مجال الأدب، والفلسفة التي درستها وأحبها. ثم كان من أمر ذلك الفضاء الأزرق، الإنترنت، الذي فتح سماء حرة للنشر، وأوجد تلك العلاقة المباشرة بين المبدع وجمهوره، رغم ما له من عيوب لذات السبب، فوجدت الفرصة للعودة، دون حاجة لوسيط ينشر لي، أو يكتب عني، ليعرّفني بالجمهور من القراء، فانتهزت الفرصة وواصلت الكتابة، خاصة بعدما أعدت قراءة أعمالي السابقة جيدا، محاولا تجاوز مرحلتها السردية، أو بالأحرى الشعرية، التي كانت تغلب على أعمالي”.

وحول اختياره العودة بإعادة نشر مجموعته “غوايات الظل” وروايته “مطارح حطّ الطّير”، قال الحلواني “أوّلا: لاعتقادي أن العمل الفني لا يفنى بصدور عمل يليه، وإن كان العمل جيدا فسيبقى، وتعاد قراءته على مدار السنين، وأرجو أن تكون أعمالي كذلك. وثانيا: بعد غياب طويل تغير فيه المشهد الثقافي، وأشخاص المبدعين، وجمهور القراء، ممن لم يلقوني من قبل، أو لا يعرفونني، فرأيت أن أقدم أعمالي الجديدة كاستمرار لجهد سابق، أو تطور له، حتى لا يظن البعض أني كاتب ناشئ! فرغبت في أن يطّلعوا على تجربتي كاملة. وأخيرا: أرى أن أعمالي السابقة لم تلق قدرا كافيا من النقد الذي يقدمها إلى القراء، وكذلك من القراءة التي أحسب أنها تستحقها”.

السردي والشعري

وفي ما يتعلق بتوافق رؤيته للغة وطرائق السرد التي استخدمها في هذه الأعمال وغيرها ما قبل الغياب مع ما يكتبه الآن، أضاف “إن كنت تقصد أني ما زلت أعتنقها أسلوبا في الكتابة، فأقول إني طورت هذا الأسلوب، ليصبح السرد متعادلا في بنية العمل مع ذلك التوجه الشعري في الكتابة، والذي جعل البعض يستقبل أعمالي كقصيدة نثر، ولكني أؤكد أنه بالقراءة المناسبة، سيجد الناقد أن كتابتي أبدا لم تكن مجرد انشغال باللغة، وجمالياتها وتراكيبها، فحسب، بل دوما كان هناك موضوع/قضية، هي الأساس في تخلّق النص ووجوده، ولكن اللغة هي أداتي، وأحب أن أتقن استخدام وسائل عملي ليكون عملا جيدا مثلما يهتم التشكيلي والسينمائي وغيرهما من المبدعين بأدواته التي يعبر بها مع معنى ما، في إطار مجاله الفني”.

المبدع والفيلسوف يتفقان في أن كليهما ينظر إلى العالم، بنحو جزئي تفصيلي أو كلي إجمالي، من أجل الوصول إلى فهم له، والقبض على معارفه الخافية عن عامة الناس، ليصل إلى الحقائق الكامنة وراء ذلك

وردّا على تساؤل ما إذا كان يعتبر اللغة في السرد هي البطل أكثر من الحكاية، أوضح الحلواني “في البداية كان ذلك، بنحو ما، هو ما أقوم به، فمجال إبداعي هو اللغة، وهي أساس ثقافتي العربية التي أنتمي إليها، ولكني أرى في اللغة طاقات ذاتية تمكنها من نقل الموضوع بشكل أكمل وأجمل مما يقوم به السرد الحكائي، فالموضوع قد يكون ذا أثر كبير ويثير مشاعر القارئ وتفكيره، أما اللغة فإن لها دورا أرقى بإثارة الحس الجمالي لدى المتلقي، بما يرقى بذوقه، وحساسيته الفنية، بما لا يقبل معه إلا ما يرقى إلى هذا المستوى، كما أن لها دورا ثقافيا، بما توحيه مفرداتها وتستدعيه من تراث أو أفكار وإحالات نجدها تآكلت مع التطور السلبي للغة، وهذا أمر ظاهر في العلاقة بين حال اللغة في مجتمع ما ومستواه الثقافي، كما أن الحفاظ على اللغة، هو حفاظ على أصل أصيل في ثقافتنا وحضارتنا العربية. فاللغة بالفعل هي البطل، ولكنها اللغة التي تنقل الحكاية، وتسرد بجمال ورُقيّ”.

إعادة نظر

وأكد أنه لم يواجه مشكلة في العودة لعالم الكتابة لغة ومخيلة ورؤية، ولفت إلى أن “الموهبة لا تنمحي، وإنما الأمر كان في حاجة، إن جاز التعبير، إلى إعادة شحن موجَّه، وقراءة للواقع الذي سأخوضه مجددا، فبدأت في متابعة الكتابات المطروحة، وقراءة العديد منها، والانغمار في قراءات خاصة، هي بمثابة الشاحن والمحفز الرئيس بالنسبة لي، كالفلسفة، وأعمال مشاهير الكتاب، وإعادة قراءة لأعمالي السابقة لأعلم موضعها الآن، وما أنا في حاجة إلى تعديله فيها، ليناسب تطوري الفني والفكري، والواقع الجديد، وهذا ما ساعدني فيه صديق العمر الشاعر محمد عيد إبراهيم، عندما عدت كغريب إلى وطني بعد سفر طويل، تبدلت فيه الأحوال كثيرا، وبدا كل شيء، وكل أحد أمامي غريبا، فكان وما زال دليلي في هذه المتاهة التي يعرفها ويعانيها الجميع الآن”.

وقال الحلواني عن فترة التسعينات حيث تجلى اسمه مع مجموعة من الكتاب والشعراء وكانت ثمة تنظيرات كثيرة حول تشظي اللغة والحساسية الجديدة وغيرها “لنتّفق على أن التنظيرات والتصنيفات والتسميات أمور تخص النقاد، وهذا عملهم، أما بالنسبة لي ككاتب، فلا يمكنني أن أشرع في كتابة نص واضعا في ذهني أن أكتب قصة قصيدة! أو نصا ينتمي إلى الحساسية الجديدة! أو غير ذلك، فهذا غير ممكن والتفكير فيه عبث، لهذا كنت أرى نفسي كاتبا ينتج نصه الإبداعي بتأثير من موهبته، وثقافته، وثروته اللغوية، وموقفه من العالم، ووجهة نظره في القضية التي يعالجها، وما يراه مناسبا لذلك من أسلوب، قد يتنوع باختلاف الموضوع، وبحسب الموقف التاريخي الذي يولد فيه النص. لهذا كان موقفي الثائر تجاه هذه التنظيرات، وأعلنت مرارا أني لا أقبل بحصار كتابتي في إطار محدد، لأن ذلك يقلل من قدرة المتلقي على التأويل، ويجعل النص محدود الدلالة، وهذا يخالف تصوراتي عنه”.

ناصر الحلواني: الموهبة لا تنمحي، وإنما الأمر كان في حاجة، إن جاز التعبير، إلى إعادة شحن موجَّه، وقراءة للواقع الذي سأخوضه مجددا
ناصر الحلواني: الموهبة لا تنمحي، وإنما الأمر كان في حاجة، إن جاز التعبير، إلى إعادة شحن موجَّه، وقراءة للواقع الذي سأخوضه مجددا

وحول علاقته بالروائي والمنظر الأدبي الراحل إدوارد الخراط وتأثّره به كشف الحلواني أن “العلاقة لم تدم كثيرا، إذ انتهت بعد صدور كتابي الأول وكتابته عنه، ومع تقديري التام له كقيمة أدبية ونقدية كبيرة، إلا أني اتخذت موقفا منه باعتباره سلطة ثقافية ونقدية مهيمنة، في الواقع الأدبي والفني، حصرت أعمالي في قالب معين، جعل حتى غيره من النقاد يتجنب دراسة أعمالي ونقدها، فقط لأنني، بالنسبة لهم، أنتمي إلى الكتابة عبر النوعية، أو الحساسية الجديدة، أو القصة القصيدة، وهي المصطلحات التي صاغها إدوارد الخراط لتأطير أعمال معينة. وقد كانت معرفتي الشخصية به بعدما أنهيت مجموعتي الأولى، تقريبا، ولم أكن أعرفه قبلها، أديبا أو ناقدا، ولهذا فلم يكن له تأثير سواء بكتاباته الأدبية، أو النقدية على أعمالي الأولى، والمؤسسة لأسلوبي، الذي رآه كثيرون مميزا، ومستقلا. وبسبب موقفي ذلك، لم يكتب الخراط شيئا عن مجموعتي الثانية ‘غوايات الظل’، أو عن روايتي ‘مطارح حط الطير’، بسبب انقطاع علاقتي الشخصية به منذ تلك الفترة، وإلى الأبد، بسبب موقفي الذي ذكرته آنفا”.

المبدع والفيلسوف

ورأى الحلواني أن “المبدع والفيلسوف يتفقان في أن كليهما ينظر إلى العالم، بنحو جزئي تفصيلي أو كلي إجمالي، من أجل الوصول إلى فهم له، والقبض على معارفه الخافية عن عامة الناس، ليصل إلى الحقائق الكامنة وراء ذلك، ربما ينحو الفلاسفة إلى محاولة الوصول إلى الحقائق التي تفسر الوجود في ذاته، والقيم الكلية، والمعاني الخالصة للجمال والحق والعدالة وغير ذلك، أما المبدع فينحو إلى الصياغة الجمالية لاكتشافاته المعرفية في مغامرته مع أبعاض العالم نفسه، وأجزائه المادية والشعورية. فكلّ من الفيلسوف والمبدع يمارس التفلسف، أي محاولة الوصول إلى المعنى الباطن، والذي يفسر ما يبدو في الظاهر من تعدد وكثرة واختلاف. الفيلسوف بغرض معرفي صرف، والمبدع بغرض معرفي وجمالي، وهذا التفلسف يرقى برقيّه عمل المبدع، ولعلنا نلحظ أن كبار المبدعين عبر التاريخ دائما ما كانت لهم وجهات نظر قوية، ومعارف شاسعة، وفهم عميق، وراء أعمالهم مهما بدت بسيطة. فالتفلسف، أمر مهم للمبدع، يؤثر في مستوى فهمه وتناوله لموضوعه الفني، وفي قدرته على التأثير في متلقيه بنحو أفضل وأجمل وأرقى”.

الحفاظ على اللغة، هو حفاظ على أصل أصيل في ثقافتنا وحضارتنا العربية. فاللغة بالفعل هي البطل، ولكنها اللغة التي تنقل الحكاية، وتسرد بجمال ورُقيّ

وعن الحياة الإبداعية والثقافية الآن قياسا لما عاشه في التسعينات، قال الحلواني “في التسعينات جبت الطرقات بين الأتيليه وزهرة البستان، وحضرت الندوات القاهرية الأسبوعية، والإقليمية السنوية، والمؤتمرات الموسمية، والمعارض التشكيلية، وحفلات الأوبرا ومسرح الجمهورية، والمقاهي، ومعارض الكتب، مستمتعا بصحبة الأصدقاء في هذه الأماكن، وفي الجلسات الأدبية الخاصة، واللقاءات الجميلة مع من يسبقنا من الكتاب، والفنانين، نقرأ أعمالنا الجديدة، ونتناقش حولها، وحول ما قرأناه لغيرنا من الكتاب. كان واقعا بسيطا ثريا، رغم عيوبه الخاصة بالنشر، والكتابة النقدية، والشللية، ووجوب التزلف إلى الجالسين على مكاتب تحرير الصحف والمجلات من أجل خبر عن كتاب، أو نشر قصة. القصد أن العلاقات كانت إنسانية مباشرة، مما جعلها غنية ومفيدة، وأكثر حميمية، ولهذا أثره على الشخصيات، وعلى أعمالها، وفائدته الكبرى بالنقد اليومي المباشر والصادق للأعمال الجديدة. أما الآن فلم أخرج يوما منذ عدت إلى أي من تلك الأماكن، ولم ألق غير صديق واحد، وبعدما كنت أعرف أسماء كل مبدعي جيلي، فإذا اليوم أجد ثلة جديدة تظهر كل يوم، وأسماء تنوء بها الذاكرة، وأعمالا يهتم بها القلب، وكثرة كغثاء السيل. وأصبح الفضاء الأزرق، أو الجدار الأزرق، حسب تعبير صديقي الشاعر جمال القصاص، متنفسا لكل من أمسك قلما وظن نفسه مبدعا، فلا نقد صحيح، وقارئ يحسب أن مجرد النشر يعني الجودة والروعة!”.

المبدع مترجماً

وكشف الحلواني بخصوص ترجمته لعمل إيتالو كالفينو “أرقام في الظلام” أن الترجمة فعل مصاحب له منذ بدايته. وأضاف “بدأت الترجمة منذ كنت طالبا في كلية الآداب، بترجمة نصوص الفلسفة الإنكليزية لزملائي، وبعد ذلك، كنت أترجم من باب القراءة، والثقافة، وتعلم اللغة، أي لنفسي، ثم كان الكتاب الأول “التأويل والتأويل المفرط” لأمبرتو إكو، والذي كلفني بترجمته صديقي الشاعر محمد عيد إبراهيم لسلسة آفاق الترجمة، وكانت تجربة مثيرة ومغامرة كبيرة، وترجمت فصلا من رواية “باولا” لإيزابيل الليندي، نشر في مجلة القاهرة في مايو 1996، ثم ترجمت بعض المقالات، والكثير من القصص القصيرة، ونشرتها على الشبكة، وترجمت العديد من المقالات الفلسفية ضمن مشروع موسوعة ستانفورد للفلسفة، وأخيرا مجموعة إيتالو كالفينو “أرقام في الظلام”.

وفي الختام وحول قيامه بإجراء عملية على القلب أخيرا، أوضح “الحالة كانت جلطة في الشريان التاجي، أغلقته تماما، مما سبب ذبحة صدرية حادة، والحمد لله، تم إسعافي وأُجريت لي عملية قسطرة، وتركيب دعامة للشريان. وما قبل ذلك، لم يكن في حسباني متابعته، ولكن اللحظة التي تشعر فيها بأنك توشك على الموت، هي ما رسخ تأثيرها في نفسي، وما أثارته هو التفكير في معنى وقيمة الألم، الذي أعتبره نعمة مغبونة، لا يقدرها البشر، فهو إشارة على موضع الاضطراب، وتنبيه للتوقف والمراجعة، وعلامة على وجود خلل، ورمز للوهن والضعف البشري، وفارق شعوري كمثل من سمع عن الحرب ومن خاضها، الألم يفصلك جبرا عن العالم المحيط، ويعيدك إلى ذاتك، فترى الكثير منك، مما كنت عنه لاهيا، بسبب انشغالات الحياة، وآلامها السلبية، التي تفرقك أشتاتا، ذلك الألم الذي يضعك على شفا الموت، هو نفسه ما يضعك على تلة وجودك وذاتك. هي تجربة شديدة في وجعها، عظيمة في أثرها، ولعلها تثمر إبداعا يناسب جلالها”.

11