نادي سينما القاهرة بين عصرين

فيلم حسين كمال من الأفلام التي تستخدم الموروث الشعبي للتعبير عن رفض الظلم والقهر والحاكم المستبد أيا كان، وكان يستخدم ببراعة الرمز.
الأربعاء 2020/01/08
"شيء من الخوف" فيلم ظلمه بعض النقاد

ما زالت تجربة نادي سينما القاهرة في السبعينات الذي كان يضم أكثر من 1500 عضو، تلهم بالكتابة عنها واسترجاع أهم الأحداث والأفلام التي عرضها النادي مساهما في تكوين جيل من نقاد السينما الذين انطلقوا في ما بعد للعمل في شبكة النوادي التي ولدت من رحم هذا النادي – الأم.

 لم يكن مشوار نادي سينما القاهرة سهلا، ولم يكن الطريق أمامه ممهدا، رغم أنه كان يعتمد على دعم وزارة الثقافة المصرية، كما كان يختص بالنشاط الثقافي السينمائي بشكل كبير، أي يقوم بدور كان يجب أن تقوم به الدولة. وكان رئيس مجلس إدارة النادي هو حسن عبدالمنعم وكيل أول وزارة الثقافة، أما الرئيس الفعلي للنادي فهو كما ذكرت من قبل أحمد الحضري.

لم يكن حسن عبدالمنعم معروفا باهتمامه الخاص بالسينما، لكنه كان قد كُلف بهذه المهمة لكي يراقب عمل النادي، وغالبا أيضا ليضمن أن يلتزم النادي بالسياسة الرسمية المعلنة من جانب الدولة ولا يتجاوزها. لكني أشهد أننا شهدنا في السنوات من 1972 إلى 1977 الكثير من الأفلام الطليعية والسياسية التي فتحت عيوننا على ما كان يجري في العالم.

وقد دافع حسن عبدالمنعم دفاعا حارا عن استقلالية النادي، وقاوم فكرة فرض الرقابة على الأفلام التي يعرضها ونجح في ذلك، كما تصدى وأوقف محاولة فرض ضريبة على ما يحصله النادي من اشتراكات، باسم “ضريبة الملاهي” على غرار الضريبة المفروضة على تذاكر دور السينما التجارية ولم تنجح نقابة السينمائيين أو غرفة صناعة السينما أبدا في إلغائها حتى يومنا هذا، بل فرضت الحكومة مؤخرا ضريبة إضافية على تذاكر السينما سميت ضريبة “دعم نادي ضباط الشرطة” وضريبة أخرى باسم دعم الجمعيات الخيرية.

حسين كمال استخدم في “شيء من الخوف” الموروث الشعبي للتعبير عن رفض الظلم والقهر والحاكم المستبد أيا كان
حسين كمال استخدم في "شيء من الخوف" الموروث الشعبي للتعبير عن رفض الظلم والقهر والحاكم المستبد أيا كان

في مطلع 1973 كان نادي السينما يواجه مشكلة إضافية من نوع آخر. فقد كان يستأجر الحفلة المسائية ليوم الأربعاء من كل أسبوع من دار سينما أوبرا التابعة آنذاك للهيئة العامة للمسرح والسينما التابعة للدولة (القطاع العام). وتجب ملاحظة كلمة “الهيئة العامة”، أي أنها لم تكن شركة تجارية بل هيئة عامة يفترض أن تعمل للصالح العام، أي تقدّم خدمة ثقافية للجمهور.

لكن هذه “الهيئة” تحديدا بدأت فجأة تطالب النادي إما بأن يدفع قيمة إيجار حفلة سينما أوبرا المخصّصة لعروضه على أساس تجاري (أي بواقع ثمانية أضعاف ما كان النادي يدفعه بالفعل) على افتراض بأن دار السينما قد باعت التذاكر كاملة لجمهور يشغل كل المقاعد، وإما أن يغادر النادي سينما أوبرا ويبحث له عن مكان آخر لعرض أفلامه.

كان هناك تعاقد بين النادي وهيئة المسرح والسينما بخصوص قاعة سينما أوبرا، لكن المسؤولين في الهيئة ضربوا عرض الحائط بالعقد، واعتبروا أن النادي يتسبّب في المزيد من الخسائر المالية التي كانت الهيئة مثقلة بها بالفعل بسبب الفشل الإداري.

والغريب أن المنتج السينمائي المعروف تاكفور أنطونيان، كان يحرض الهيئة على طرد نادي السينما من مقره. والسبب أن فيلمه “خللي بالك من زوزو” (بطولة سعاد حسني وإخراج حسن الإمام) كان قد بدأ يعرض في نفس دار السينما (ابتداء من نوفمبر 1972) وكان يحقّق إقبالا جماهيريا كبيرا، ولم يكن الرجل يريد أن يحرمه النادي من دخل حفلة التاسعة مساء الأربعاء!

تصدى حسن عبدالمنعم لتلك الحملة وقاوم وانتصر، وانتصر النادي في المعركة، واستمرت عروضه الأسبوعية في دار سينما أوبرا، إلى أن جاء وقت بعد ذلك في نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات، مع توحّش سياسة الانفتاح الاقتصادي، وبعد أن أصبح “لكل شيء ثمن” فاضطر النادي لنقل نشاطه إلى قاعة النيل وقاعة “إيوارت” بالجامعة الأميركية.

كان المتبع في تحرير نشرة نادي السينما أن تبدأ دراسة الفيلم المعروض بنشر ما يعرف بـ”تتابع المشاهد”، وهو اصطلاح خاص ابتكره دون شك أحمد الحضري.

وكان تتابع المشاهد يشمل وصفا دقيقا مقتضبا وأحيانا تفصيليا، لكل مشاهد الفيلم. ثم يبدأ الناقد المكلف بدراسة الفيلم، بكتابة ما يسميه “التحليل الدرامي” ثم “التحليل السينمائي”، أي تحليل الحبكة والشخصيات، ثم تحليل أسلوب الإخراج.

ولا شك أن فكرة “تتابع المشاهد” كانت منقولة من أسلوب التحرير الذي كان سائدا في “نشرة الفيلم الشهرية” التي كانت تصدر عن معهد الفيلم البريطاني، وكانت تشمل نقد جميع الأفلام التي تعرض عروضا عامة في بريطانيا خلال الشهر السابق. وكانت من المراجع الأساسية للنادي. وقد تأثر الحضري بها كثيرا كما تأثر بما كانت تنشره مجلة “سايت آند ساوند” (أو صوت وصورة) وهي فصلية كانت تصدر عن معهد الفيلم البريطاني أيضا. وفي أوائل التسعينات تم دمج كل من “نشرة الفيلم الشهرية” مع “سايت آند ساوند” في مجلة واحدة ما زالت تصدر شهريا حتى يومنا هذا.

كان الفيلم الذي يعتزم نادي السينما عرضه يعرض أولا عرضا خاصا في قاعة “المركز الفني للصور المرئية”. وكان الناقد المكلف بدراسة الفيلم، يجلس وأمامه منضدة يحمل قلما وبطارية تضيء له مساحة الورق الموضوع أمامه، يتطلع إلى الشاشة ويدوّن تفاصيل كل مشهد.

وكنا نستطيع في ذلك الوقت، أن نميز اسم الكاتب من أسلوبه في كتابة تتابع المشاهد قبل أن نقرأ اسمه في نهاية الدراسة المنشورة. وقد أتيحت لي الفرصة لحضور بعض هذه العروض الخاصة ورأيت ما كان يفعله الناقد.

ثمّ أتيحت لي في ما بعد، سنة 1976، فرصة تدوين الملاحظات بهذه الطريقة أيضا أثناء المشاهدة لعمل دراسة عن فيلم “شيء من الخوف” (إخراج حسين كمال) لصالح “جمعية الفيلم” أو المجلة التي كانت تصدر عن نوادي السينما في الثقافة الجماهيرية.

الناقد يجب أن يغلّب الانحياز للجمالي على حساب الانحياز للسياسي، عند تناول فيلم ما والحكم عليه
الناقد يجب أن يغلّب الانحياز للجمالي على حساب الانحياز للسياسي، عند تناول فيلم ما والحكم عليه

وهي الدراسة التي أبديت فيها إعجابي بالفيلم، ممّا أغضب سامي السلاموني فأخذ يناقشني محاولا إقناعي بأن الفيلم رجعي مناهض لنظام الرئيس عبدالناصر الذي كان يرمز إليه في الفيلم بشخصية عتريس التي يقوم بها محمود مرسي، وكان السلاموني من الرافضين للفيلم، وكان يبدي استغرابه الشديد كيف أن شابا “ثوريا” كما
كانوا ينظرون إليّ وقتها، يمتدح فيلما رجعيا.

ولكني بقيت على موقفي، وظني أن تحليلي للفيلم كان متكاملا ومقنعا وواضح المبررات ويستند إلى أرضية قوية بل وأراه ما زال صالحا كمدخل نقدي للتعامل مع الفيلم من زاوية جمالية حتى اليوم.

فقد كان رأيي ولا يزال، أن فيلم حسين كمال الذي أصبح من كلاسيكيات السينما المصرية، من الأفلام التي تستخدم الموروث الشعبي للتعبير عن رفض الظلم والقهر والحاكم المستبد أيا كان، وكان يستخدم ببراعة الرمز، والقصة ذات الملامح المصرية الخاصة، ويحقّق توازنا مدهشا بين أطرافه المختلفة، خاصة بتميزه الكبير في الأداء التمثيلي من جانب عدد من عمالقة التمثيل في ذلك الزمان. وكان يتميز أيضا بحواره الخاص الذي كتبه عبدالرحمن الأبنودي كما كتب أغانيه، أما موسيقاه فقد وضعها بليغ حمدي لإضفاء لمسة ملحمية شعبية عليه.

وما زال هذا الفيلم بشخصياته ورموزه، يعيش في وجدان الجماهير حتى اليوم. والطريف أن سمير فريد هاجم الفيلم في مقال له بجريدة الجمهورية ضمّه في ما بعد إلى كتابه “العالم من عين الكاميرا”.

ولكن سمير عاد بعد مرور سنوات وسنوات، فاعترف بأن فيلم “شيء من الخوف” كان أحد الأفلام التي ظلمها وأنه تراجع عن موقفه منه، وربما كان متأثرا وقتها بالموقف السياسي أكثر من الاهتمام بالجانب الفني في الفيلم. ويوضح هذا المثال أن الناقد يجب أن يغلّب الانحياز للجمالي على حساب الانحياز للسياسي، عند تناول فيلم ما والحكم عليه.

16