ميكا يزيّن شوارع باريس بملصقات فنية في زمن الحجر

الفنان البريطاني سعى مع صحبه إلى إنعاش ألوان باريس بخلق فضاء إبداعي، كنوع من غاليري عرضي في الهواء الطلق.
الاثنين 2021/05/03
إعادة الحياة إلى باريس عبر لوحات ملصقات

للفنان البريطاني “ميكا” علاقة وطيدة بباريس، ولذلك عزّ عليه أن يرى حركتها الثقافية والفنية معطّلة، فقرّر أن يزيّن شوارعها ليُعيد إليها الحياة، كي لا تنقطع علاقة الباريسيين بالفن، في ظل هذا الحجر الصحي الذي قضى أن تبقى المتاحف والأروقة والمعارض مغلقة حتى إشعار آخر.

“ميكا”، واسمه الحقيقي ميكائيل هولبروك بينّيمان، هو مغنّ ولد عام 1983 في بيروت من أمّ لبنانية وأب أميركي، ثم انتقل مع أسرته إلى باريس حيث قضى أعوام طفولته الأولى، قبل أن تستقر الأسرة في لندن.

شقّ طريقه في عالم الغناء، بالتعاون مع أخته الكبرى ياسمين، التي كانت ترسم أغلفة ألبوماته، وأشهرها “الحياة في الرسوم المتحركة” و”الفتى الذي عرف الكثير”، و”أصل الحبّ”، وصار نجما من نجوم البوب ميوزيك والبوب روك والدانس بوب.

وقد ظلّت علاقته بمسقط رأسه وطيدة، فعندما هزّ الانفجار بيروت في صيف العام الماضي نظّم حفلا افتراضيا رصد مداخيله لمساعدة ضحايا ذلك الانفجار، سانده فيه بعض نجوم الغناء والسينما أمثال كيلي مينوغ، روفوس وينورايت، سلمى الحايك، لوان، فانّي أردان ولاورا باوزيني.

وعلاقة ميكا بالفن ليست طارئة، فغالبا ما توسّل بالرسم، رفقة أخته ياسمين، لخدمة بعض القضايا الإنسانية، كرسمه زجاجة كوكا من الألمنيوم أسماها “زجاجة السّعادة”، وهب قيمتها المالية لبرنامج المراهقين الذي تشرف عليه مؤسسة مستشفيات باريس ومستشفيات فرنسا، كما رسم إحدى بطاقات نويل التسع التي بيعت في إيطاليا في إطار برنامج خيري لفائدة جمعية أبحاث جراحة السرطان الأوروبية.

كان ميكا يتردّد على باريس بانتظام، خاصة عندما شغل مهمة التحكيم في برنامج “ذا فويس فرنسا” مدة عامين، وفي إحدى زياراته الأخيرة لاحظ، كما لاحظ كل من يمرّ بشوارع باريس منذ أكثر من سنة، أن أعمدة “مورّيس”، تلك الصواري الأسطوانية التي تشرف عليها بلدية باريس وشركة جي سي ديكو، تحمل معلقات لا تتغيّر، عن حفلات ومعارض ألغاها أو أرجأها الحجر الصحي.

وحزّ في نفسه أن يرى مدينة الأنوار تخلد إلى عطالة إجبارية منذ توقف الحياة الثقافية، وأن يرى شوارعها كئيبة، خالية من كل نشاط ثقافي، فقرّر أن يعيد إليها الحياة على طريقته، بخلق معرض زائل لا محالة، ولكنه يعيد إلى عاصمة الأنوار بعض رونقها. ولتحقيق ذلك استعان بتسعة فنانين من فناني الستريت آرت، فرنسيين وأجانب، لخلق معرض فني في أماكن عديدة من العاصمة الفرنسية.

معرض زائل، لكنه يعيد إلى عاصمة الأنوار بعض رونقها
معرض زائل، لكنه يعيد إلى عاصمة الأنوار بعض رونقها

هؤلاء الفنانون هم أوريليا دوران، ولوريندو فيليسيانو، وأوغو غاتّوني، وأنّيك كامغانغ، وماري موهانّا، ولمياء زياد، وألكسندر بنجامان نافي، ولامارش أوفيز، وروزا ماريا أوندا سوكي، سبق أن تمرّسوا كلهم بفن الملصقات الفنية، الذي شهد عصره الذهبي مع الفنان الفرنسي تولوز لوتريك والتشيكي ألفونس موشا.

وقد فسح لهم ميكا المجال كي يبدعوا لوحات تعيد إلى شوارع باريس وساحاتها ألقها، فصاغوها على طريقة المعلقات القديمة التي تعود إلى ما عرف بـ”الفترة الجميلة”، وهي المرحلة التاريخية التي عقبت هزيمة فرنسا أمام القوات البروسية عام 1870، وتمتد من نهاية القرن التاسع عشر إلى بداية الحرب العالمية الأولى، حيث شهدت تلك الحقبة عدة اختراعات تكنولوجية وتطوّرات سياسية واقتصادية واجتماعية ملحوظة.

ويحتوي معرض الهواء الطلق هذا، الذي اختار له ميكا والأطراف المشاركة فيه عنوان “إعادة الحياة إلى باريس”، على عشر لوحات تم إعدادها في شكل ملصقات، شأن ملصقات الإعلانات الإشهارية، ثمّ طبعت منها نسخ تجاوزت في مجموعها ألفي لافتة، تضافرت في إنجازها جهود الفنانين العشرة، ومتحف الفنون الزخرفية، وبلدية باريس، وشركة جي سي ديكو للإعلانات الإشهارية، ثم وقع تعليقها في أكثر من ألفي موضع في ساحات باريس وشوارعها، من قنال “لورك” إلى قصر “بورت دوري”، مرورا بفندق لوتيسيا وشارع الشنزيليزي وساحة الأوبرا وسان ميشيل وحديقة لوكسمبورغ وباب فرساي..

وكانت مساهمة ميكا بلوحة عنوانها “طقوس الربيع”، كتحية إلى روح الموسيقار سترافينسكي، وتأكيد على أهمية الربيع في المخيال الجمعي، فهو يحيل على نهوض الطبيعة من سبات، وتجدّد الحياة بعد عسر. فالغاية، غايته هو ومن معه، هي إضفاء جو من البهجة والسرور على شوارع باريس كي يرفعوا من معنويات سكانها وزوّارها.

أما الفنانون المشاركون، فقد عبّروا من خلال شريط فيديو ضمّ شهاداتهم، عن رغبتهم في تذكير الباريسيين والباريسيات بأن الثقافة حاضرة على الدوام، لا تزول. وأن كل واحد منهم حرص على تصوير باريس كما يحبها وكما يتخيلها، لفرض ديمومة الفن، ووضعه في الواجهة في هذه الأوقات العصيبة التي يمرّ بها الناس جميعا.

يقول ميكا “بتوقف الحفلات والعروض السينمائية والمسرحية وإغلاق المتاحف، ظلت فضاءات المعلقات الإشهارية ثابتة لا تتجدّد، بل إن بعضها بات باليا بمرور الزمن، ما أوجد نوعا من الرتابة البصرية”. ومن ثَمّ سعى إلى إنعاش ألوان باريس بخلق فضاء إبداعي، كنوع من غاليري عرَضي في الهواء الطلق، كتذكير للباريسيين بأن الثقافة لم تمت، وأن ثمة من يناضل كي تبقى حية مستمرة، برغم الجائحة.

16