موسيقي سوري يقيم جسرا من الحنين بين الجمهور والدراما

طاهر مامللي: شارات المسلسلات تخدم فكرة العمل أولا وأخيرا.
السبت 2021/06/12
طاهر مامللي يوقظ ذاكرة السوريين بشاراته الموسيقية الخالدة

يختار بعض المؤلفين الموسيقيين منبر الدراما لتحقيق طموحاتهم الفنية، فبعيدا عن الأغنية التقليدية وشكلها المسرحي أو في الفيديو كليب، تظهر تجربة الدراما من خلال تتر المسلسلات الدرامية التلفزيونية أو الأفلام السينمائية التي قدّم من خلالها بعض المؤلفين الكثير من الإبداع والتميّز، كان من بينهم المؤلف الموسيقي السوري طاهر مامللي الذي أبدع في وضع تتر العشرات من الأعمال التي راجت في كامل الوطن العربي.

دمشق - تبدو العلاقة بين الموسيقى والدراما جدلية وعضوية، والكثير من منظري الفنون يرون أن أحدهما يكمل الآخر ويدعم حضوره في العمل الفني. وفي الجانب الموسيقي تظهر بوضوح شارة العمل (التيتر) الذي يشكل حالة فنية متميزة في بعض الأعمال، وربما أصاب نجاحا لم يتحقّق في العمل الدرامي ذاته. فالعديد من الأعمال الدرامية سواء في السينما أو التلفزيون ارتبطت بموسيقى محدّدة تميّزت بها وارتبطت باسمها.

وفي السينما العالمية قدّم المخرج اليوناني كاكويانيس فيلم “زوربا” الذي ألّف له الموسيقار الشهير ميكيس ثيودوراكيس ألحانا خاصة صارت لاحقا أشهر من الفيلم ذاته. وفي الدراما العربية تحضر موسيقى مسلسلي “رأفت الهجان” لعمار الشريعي و”المال والبنون” لياسر عبدالرحمن مكملتين، أو لنقل متفوّقتين أحيانا على العمل ذاته، خاصة بالنسبة إلى الثاني.

وفي تاريخ الفن السوري يظهر اسم المؤلف الموسيقي طاهر مامللي الذي قدّم موسيقى العديد من الأعمال الدرامية التي حصدت شهرة كبيرة، وصارت موسيقاه مرتبطة وساكنة في وجدان الناس.

بين قديم وجديد

طاهر مامللي: التتر الموسيقي لا يخضع لسوق الاستهلاك بل لفكرة العمل

يراهن المؤلف الموسيقي طاهر مامللي في أعماله على إيجاد حالة جمالية ترحل بالمتلقي بعيدا، فتخرج به من تلاوين ما تكوّن عليه موسيقيا من خلال تراثه المحلي، ليتفاعل مع شكل جديد يقدّم راهنا موسيقيا متجذّرا في التراث، لكنه يطل بهامته العالية على ما تقدّمه فنون العصر من شكلانية موسيقية جديدة.

وتظهر في موسيقى مامللي الجملة الموسيقية الواحدة (الميلودي) بشكل واضح وهي الصيغة التي اعتادتها حساسية التذوّق العربي والشرقي عبر تاريخ طويل، وبشكل مواز تظهر الصيغ الغربية العلمية التي تحيط تلك الجملة بالعديد من المحسنات الموسيقية لتكون النتيجة طيفا موسيقيا واسعا تمتزج فيه حضارات وتواريخ وجغرافيات.

وهو يرى أن الشارة الموسيقية أو التيتر، هو استهلال للعمل الدرامي كاملا، فهو أبعد من تآليف موسيقية جميلة، كونه يصل إلى بعد موسيقي موظف يترجم ما يحمله العمل الدرامي من عوالم مختلفة تضم شخصيات وأحداثا وتباينات، وبالتالي يجب على موسيقى التيتر أن تعكس ذلك بشكل أو بآخر. والتيتر عنده مفتاح إبداعي للعمل يستطيع به المتلقي أن يتلمّس بعضا من الأفكار التي ستعرض من خلال العمل.

وفي حفله الأحدث في دار الأسد للثقافة والفنون (أوبرا دمشق) قدّم مامللي مع فرقة “أورفيوس”، وهي أوركسترا سورية خاصة أسّسها عام 2004 المايسترو أندريه معلولي، مجموعة من الأغنيات التي عاشت في وجدان المتذوّق السوري وصارت جزءا من تاريخه وذاكرته. فالجمهور يعرف ويتذكّر أعمالا لطاهر مامللي عانقت ألحانها كلمات قامات شعرية كبيرة منهم محمود درويش وإبراهيم طوقان ونزيه أبوعفش.. وغنتها قامات عالية منهم كاظم الساهر وأصالة نصري وديمة أورشو ونورا رحال وميادة الحناوي وشكّلت جسرا إبداعيا بينهما.

فعاشت تيترات أعماله في وجدان الجماهير طويلا، مثل “الزير سالم” و”صلاح الدين الأيوبي” و”أهل الغرام” و”ضيعة ضايعة” و”الخربة” و”بقعة ضوء” و”سيرة آل الجلالي” و”التغريبة الفلسطينية” و”أحمر” و”هوا أصفر” و”فوضى” و”مقامات العشق” و”قناديل العشاق”، وصارت مطلوبة من الناس يُستعاد طلبها والاستماع إليها بشغف وانتباه شديدين، وهو ما ظهر جليا في متابعة الجمهور لحفله الأحدث في أوبرا دمشق.

وعبر ما يقارب الثلاثين عاما لحّن مامللي أعمالا غنائية تنوّعت بين التاريخي والاجتماعي والكوميدي، قدّمها في الحفل بتوزيع أوركسترالي متكامل، مع فرقة احترافية تعزف الموسيقى الشرقية والغربية بروح عصرية.

عبر ما يقارب الثلاثين عاما لحّن مامللي العشرات من الشارات الموسيقية لمسلسلات تنوّعت بين التاريخي والاجتماعي والكوميدي

وعلى امتداد زمن الحفل الذي جاوز الساعة ونصف الساعة قدّم مامللي بمصاحبة فرقة “أورفيوس” معزوفات لأعمال قديمة منها “سيرة آل الجلالي” و”صلاح الدين الأيوبي” و”أهل الغرام” و”بقعة ضوء” و”وراء الشمس”، كما قدّما أعمالا حديثة منها “عندما تشيخ الذئاب” و”الواق واق” و”خريف العشاق” و”مقامات العشق” و”الكندوش”. وبدا تناغم الجمهور معها عاليا وهو الذي يحفظ غالبيتها عن ظهر قلب.

وشارك في غناء الشارات الموسيقية كل من ليندا بيطار وسارة فرح وعبود برمدا بمرافقة من كورال طلاب المعهد العالي للموسيقى بدمشق.

حمل الحفل الكثير من المعاني الوجدانية التي قدّمتها أعمال مامللي، وكان الجهد الذي ظهر في فترة التحضيرات كبيرا، خاصة مع وجود مشهدية بصرية اعتمدت تداخلا في إخراج المشهد المسرحي للفرقة الذي اصطبغ بتلوينات ضوئية عديدة أحاطت بالمنصة، وظهرت في عمق المسرح شاشة عملاقة عرضت أثناء عزف الفرقة وغناء الكورال فيديوهات مرافقة كانت تتماشى مع العزف والغناء وتكوّنان نسيجا إبداعيا واحدا.

كان ملفتا مستوى الأداء الذي ظهر في معزوفة “بقعة ضوء” التي قدّم عزف العود المنفرد فيها كنان أدناوي، بينما رافقه الكورال بتأدية الأصوات الغنائية بثبات وثقة، واسترجع الجمهور هذه المقطوعة بكثير من الشجن والحنين إليها وإلى العمل ككل الذي رافقهم على امتداد ما يقارب العشرين عاما وما يزال.

ولم تكن أحداث فلسطين غائبة عن الحضور في تفاصيل الحفل، فخصّ مامللي جمهوره في آخر المعزوفات بتيتر مسلسل “التغريبة الفلسطينية” الذي كتبه وليد سيف وأخرجه الراحل حاتم علي، ويعتبر أحد أشهر الأعمال التي وثقت أحوال المأساة الفلسطينية وفيها لحّن مامللي قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش “أيها العابرون بين الكلمات العابرة” التي تقول في مقطع شهير “آن أن تنصرفوا”، وأنشد الأغنية الفنان الشاب أليسار سعيد في حضور قوي.

انطباعات عن الحفل

فرقة تعزف الموسيقى الشرقية والغربية بروح عصرية
فرقة متجانسة تعزف الموسيقى الشرقية والغربية بروح عصرية

عن الحفل وكيفية تفاعل الجمهور معه واسترجاعه للمعزوفات التي قدّمت فيه وعن آفاق التجربة الأحدث، يقول مامللي لـ”العرب” إن “الانطباع لديّ ممتاز، والحفل أثبت أن الذائقة ما زالت بخير بعد كل هذا التلوّث السمعي، وما زال الجمهور يحترم ويقدّر من يحترمه، وبالتالي فإن كل الجهد المبذول والتحضيرات المتعبة لأدق التفاصيل كانت موضع تقدير لدى المتلقي”.

وعن نظرته لموضوعة شارة العمل أو التيتر والمفهوم الذي ينطلق منه في إيجاد أفكاره يضيف “شارة العمل هي مفتاح ومدخل وتهيئة للمشاهد من ناحية وهي مقولة العمل الأساسية من ناحية أخرى، ولأن موسيقى التترات لا تخضع لشرط السوق الاستهلاكي كان الحرص على أن يأخذ الأسلوب الموسيقي قالبا خاصا بالعمل ذاته، أي بمعنى آخر أن لا تكون الشارة أغنية نجم يريد التسويق لمنتجه دون أن تمتّ لجوهر العمل بصلة من حيث الشكل أو المضمون، علما أنني لست ضدّ أن يكون غناء الشارة بصوت نجم، على أن يخضع ذلك لشروط العمل الفني وليس الترويجي”.

عباس النوري: طاهر مامللي آلة لحنية تمشي بين الفكرة والجملة الموسيقية

وفي بوح عميق من الفنان عباس النوري، قدّمه في مستهل الحفل معرفا بالفنان طاهر مامللي، تداعت فيه الذكريات بعيدا، حيث البيئة والهوية وحكايا المكان والزمان، طاف النوري بجمهور الحفل بمراحل حياتية تخصّه، كمنت فيها الموسيقى مفصلا هاما فيها وخلقت ومضات في ذاكرة إبداعه، وعرّج على إبداع مامللي، قائلا “عرفته عبر عمله كآلة لحنية يمشي بين الفكرة والجملة الموسيقية، يقرأ الشعر كما يقرأ الموسيقى ويقرأ الموسيقى كما يقرأ الشعر، يتجه نحو الكلام الذي يهمه، عرفت مامللي وفي داخله الكثير من الكلام الذي لم يعرف كيف يقوله كلاما، لكنه عرف كيف يوصله بالموسيقى التي يقدّمها إلى الجمهور العريض”.

وعن حالة الشجن التي يمكن أن يشعر بها المتلقي بعد هذا الحفل تجاه من عاش معهم أثناء عرض هذه الأعمال، ومن خلال الجسر الذي أوجده الاستماع لهذه الأعمال مجدّدا، ثم الحنين المتولد عنها، قال النوري “لا أراك ولكنني ألقاك، فرؤية العين رؤية، ورؤية القلب لقاء، الوداع لا يكون بين الناس إلاّ لمن يحب بعيونه فيرى حبيبه مجسّدا يمكن لمسه، أما من يحب بروحه فهو لا يعرف الوداع، لأنه لا يوجد ما اسمه الوداع في لغة الموسيقى”.

وأضاف “نحن في سوريا هكذا نعيش، نحب بالروح. ولا نتمنى لمن نحب أن يرحل. يمرّ العمر علينا ونحن نحاول تغيير شيء ما فيه.. علمتني الحياة كما علمت الكثيرين أنه من الضروري أن نتحمّل أكثر. وأن شيئا لن يتغيّر في العالم إذا لم يبدأ الإنسان من نفسه. وأنا لم أعد أريد تغيير شيء في العالم ولو كان هنالك ما سيتغيّر فسأبدأ فيه من نفسي”.

15