موسى الكوني طوارقي مترفّع عن النزاعات قادم من الدولة الوطنية

الرجل الأزرق في مركز القرار الليبي.
الخميس 2021/07/15
شخصية متفردة في المشهد السياسي الليبي

يمكن أن تراه في مقهى ببنغازي، يتناول قهوته واقفا مع العابرين، أو في ساحات طرابلس يراقب أسراب الحمام أو يتحادث مع بسطاء الناس، وقد يظهر في غات أو أوباري وهو يرتدي الدرّاعة ويلفّ رأسه بالشاش ويضع على وجهه اللثام التقليدي العريق الذي يميز بني جلدته، وقد يتجول في مصراتة حيث يتحادث مع الجميع دون بروتوكولات، فهو مقبول من الجميع، ولا مشاكل لديه مع أي طرف، يحاول أن يكون جامعا بروحه الوطنية وبثقافته المستوحاة من عمق جذوره في بيئة الصحراء المنفتحة على الآفاق.

ذلك هو موسى الكوني الذي يعتبر حالة متفردة في المشهد السياسي الليبي الحالي، فهو أول شخصية توماستية، نسبة إلى كلمة توماست وتعني ”القومية“ باللغة الطوارقية، من أبناء الطوارق في منطقة الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا أو ما يسمون بالرجال الزرق، تصل إلى مركز القرار السياسي الذي وصل إليه في ليبيا، حيث يشغل اليوم منصب عضو المجلس الرئاسي عن إقليم فزان الجنوبي إلى جانب رئيسه محمد المنفي عن برقة والعضو عن إقليم طرابلس عبدالله اللافي.

في الثاني من يناير 2017 تقدم الكوني باستقالته من عضوية المجلس الرئاسي السابق مرفقة باعتذاره للشعب الليبي عن فشله في مهامه، معتبرا أن حكومة الوفاق تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية عن كل ما شهدته ليبيا خلال الفترة التي تلت تشكيلها، وأضاف أن “المجلس الرئاسي ليس على قلب رجل واحد، والقرارات الصادرة دليل على ذلك“ وختم بالقول “أعلن استقالتي، وأعتذر من الشعب الليبي لأني فشلت في مهمتي”.

مسؤولية قانونية وأخلاقية

اعتبر الكوني أن العجز عن الاستجابة لانتظارات الناس هو ما دفعه للاستقالة، وقال ”ما فتئت المِحنة تعصف بالشعب، وكنت قد عاهدت الناس أن أرفع عنهم هذا الوجع لكني لم أفلح“.

الوضع الليبي الآن لم يختلف كثيرا، حسب الكوني الذي أطلق مؤشرا مهما عن استمرار الأحوال كما كانت عليه في ظل المجلس الرئاسي السابق، ولاسيما من حيث مستويات الفساد الضارب في مؤسسات الدولة، حين أعرب في أوائل يونيو الماضي عن اعتذاره إلى السراج في تغريدة مقتضبة "عـذرا فائز السراج، فكلُّ منّا فائز السراج"

 لقد كان موقفه ذاك صرخة في وادي السياسة، لكنها لقيت صدى لدى عامة الشعب المغلوب على أمره، حيث تبين لاحقا أن المجلس لم ينجح في تحقيق أي أهدافه، وإنما زاد من تعكير الأوضاع وتوتير الأجواء، ما أدى إلى تعميق حالة الانقسام التي عرفتها البلاد على إثر انقلاب تيار الإسلام السياسي والميليشيات المسلحة على نتائج انتخابات يونيو 2014.

بعد عامين من قراره المفاجئ، أكد الكوني أن الأسباب التي دفعته إلى الاستقالة من المجلس الرئاسي ”مازالت قائمة ولم تتغير“، وذلك في رد منه على محاولات إقناعه بالعودة إلى المجلس، وقال إن المهمة الوطنية الأولى هي بناء الدولة الليبية التي تهاوت، جمع الوطن الليبي الذي تشظى. رتق المجتمع الذي تمزق، معتبرا أن البداية، توحيد المؤسسات في كل أنحاء الوطن وإعادة الإدارة الوسطى بعيدا عن الإقصاء والعزل والجهوية والتهميش، مشيرا إلى أن دافعه إلى الاستقالة من المجلس الرئاسي ”لم يكن مجرد تسجيل موقف، بل كان صرخة ضمير صادقة موجهة للجميع، أن يتحركوا سويّا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه“.كانت تلك الاستقالة مؤشرا على اختلال التوازنات داخل المجلس الرئاسي الذي سرعان ما تحول إلى مجال يمارس من خلاله فائز السراج دكتاتوريته التي أدت إلى تجميد أعضاء آخرين هم عمر الأسود وعلي القطراني ثم فتحي المجبري، وإلى انفراد بالحكم زاد من حدة المواجهة السياسية والتمزق الاجتماعي وصولا إلى حرب طرابلس التي لا تزال تلقي بظلالها على الوضع العام في البلاد.

على قوائم الإرهاب

الأطراف الداخلية أو الخارجية لم تكن لتصدق أن الكوني قد يتورط في الإرهاب، فهو لم يأت من أرصفة المعارضات التائهة في العواصم، وإنما نما وترعرع داخل رحم الدولة
الأطراف الداخلية أو الخارجية لم تكن لتصدق أن الكوني قد يتورط في الإرهاب، فهو لم يأت من أرصفة المعارضات التائهة في العواصم، وإنما نما وترعرع داخل رحم الدولة

في ظل التجاذبات بين سلطتي شرق وغرب البلاد، ورد اسم الكوني سهوا من جانب المدعي العام العسكري الليبي على قوائم الإرهاب، ما دعا المدعي العام العسكري التابع لقيادة الجيش في بنغازي اللواء فرج الصوصاع لإصدار بيان رسمي ينفي فيه وضع الكوني في تلك القائمة، معتذرا عن ذلك الخطأ، واصفا إياه بأنه غير مقصود بالمرة ومؤكدا أن الكوني يعتبر من أبناء الوطن الخيّرين وانحاز لبلده مبكرا.

لم يكن بإمكان أي طرف داخلي أو خارجي أن يصدّق أن الكوني قد يتورط في الإرهاب، أو أن ينحاز للجماعات المسلحة الخارجة عن القانون مهما كانت مرجعيتها، فالرجل لم يأت من أرصفة المعارضات التائهة في عواصم الغرب أو الشرق، وإنما نما وترعرع داخل رحم الدولة، التي تعتبر الحصن الوحيد القادر على حماية الأقليات من تسلط الأغلبية.

التحديات أمامه كثيرة، وهي لا تنحصر فقط بالأزمة السياسية ولا بالعجز عن إيجاد القاعدة الدستورية لتنظيم الانتخابات المقررة للرابع والعشرين من ديسمبر القادم، ولا بانتشار الفساد والفشل في إجلاء القوات الأجنبية والمرتزقة، وغيرها من الملفات الوطنية الحارقة

ولد الكوني في العام 1950 بمنطقة الدرج شرقي غدامس على مشارف الحمادة الحمراء، بالمثلث الحدودي مع تونس والجزائر، وهو يتحدر من عائلة طوارقية، فوالده هو المناضل الكوني بالكاني، ومفردة الكوني هنا لا تعني الكون، وإنما وليدة الكلمة الطارقية “إكنا” وتعني “يعمل” أو يشتغل أو يتقن، منها  “تكنة” باللاتينية القديمة وكلمة “تقنية” المتداولة، وهو أصغر أشقائه وأبرزهم الروائي العالمي إبراهيم الكوني، أما شقيقه الأكبر فهو الراحل أوفنايت الكوني الذي تولى مناصب محلية مهمة في العهدين الملكي والجماهيري، ونشط في قطاعي الطيران والسياحة وفي الأعمال الإنسانية ولاسيما من خلال إنقاذ التائهين في الصحراء التي كان عالما بأسرارها وسابرا لأغوارها، وكرس جانبا مهما من جهده لفك رموز اللغة الليبية القديمة والاهتمام بتراث الطوارق والمنحوتات الصخرية في الجنوب الكبير سواء عبر الكتابة أو المحاضرات التي كان يلقيها في الداخل والخارج، وعندما توفي في يونيو 2018 رثاه شقيقه إبراهيم بالقول هو “المؤرخ الذي فتنته الحقيقة.. فهاله تدوينها في بطون الكتب.. فما كان من الحقيقة إلا أن كافأته على زهده بأن حولت سيرته تاريخا جديرا بأن تتباهى به الكتب، لأن الأنبل من أن نكتب الكتب هو أن تكتبنا الكتب“.

شغل الكوني منصب مسؤول مواصلات في مدينة أوباري سنة 1985، ثم عين أمينا للجنة الشعبية العامة للمواصلات فيها، ثم أمينا للجنة الشعبية للمهمة نفسها بمناطق فزان حتى عام 1993 لكنه استقال من منصبه، وفي عام 2005 عين قنصل ليبيا العام بمدينة كيدال شمال مالي ثم بالعاصمة باماكو، وبقي في هذا المنصب إلى أن قامت أحداث فبراير 2011 ضد نظام العقيد معمر القذافي، حيث استقال والتحق بالحراك المعارض في شرق البلاد والتحق بما سمي آنذاك بالمجلس الوطني الانتقالي كممثل عن الجنوب، فيما كان يتابع عن كثب مواقف أهله الطوارق الذين حافظت غالبيتهم على ولائها للنظام السابق حتى بعد الإطاحة به.

 كان يدرك حجم التحدي الذي سيواجهه المجتمع الليبي في حال تعميق الهوة بين أطراف النزاع، لذلك سعى لاحقا مع عدد من رموز فزان والجنوب الليبي لتشكيل فريق مصالحة يتوسط بين الأطراف تمخض عنه تشكيل مبادرة فزان للوفاق الوطني التي اختير رئيسا لها.

ضد القذافي وضد العزل السياسي

استقالة الكوني من منصبه وانضمامه إلى الحراك المعارض ضد القذافي، ومن ثم التحاقه بالمجلس الوطني، لم تثنه عن متابعة مواقف أهله الطوارق الذين حافظت غالبيتهم على ولائها للنظام السابق حتى بعد الإطاحة به
استقالة الكوني من منصبه وانضمامه إلى الحراك المعارض ضد القذافي، ومن ثم التحاقه بالمجلس الوطني، لم تثنه عن متابعة مواقف أهله الطوارق الذين حافظت غالبيتهم على ولائها للنظام السابق حتى بعد الإطاحة به

 موضوع العزل السياسي فى ليبيا والذي كان مطروحا من قبل المؤتمر الوطني العام نظر إليه الكوني في العام 2013 على أنه سيفتح بابا من الصعب إغلاقه، وقال حينها إن العزل السياسي كلمة مطاطية تدفعنا لطرح سؤال من يعزل من؟ وما المعايير؟ فالبعض يرى أنه يجب عزل مليون ليبي وهو أمر كارثي، والمفروض أن تستخدم للعزل الحزبي فقط أو العزل لمن عمل مع النظام قبل عشر سنوات، وهناك من طالب بأن يكون العزل لمن عمل مع الدولة منذ عام 1969 أي منذ بداية حكم القذافي، وأبرز أن الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا تسامح مع جلاديه، مشددا على ضرورة تجاوز تلك المرحلة لأنه صراع لا طائل من ورائه فالنظام الليبي السابق انهار ولن يعود والقذافي مات، ولذلك يجب طي الصفحة ولنبدأ بداية جديدة.

الكوني يعتبر أول شخصية توماستية من أبناء الطوارق في منطقة الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا، أو ما يسمون بالرجال الزرق، تصل إلى مركز القرار السياسي الذي وصل إليه في ليبيا، حيث يشغل اليوم منصب عضو المجلس الرئاسي عن إقليم فزان الجنوبي

كان الكوني يدرك تفاصيل المشهد سواء في مجتمع الطوارق أو في عموم فزان أو في ليبيا، واستطاع انطلاقا من ذلك أن يحافظ على وجاهته الاجتماعية إلى أن اختارته الأمم المتحدة من ضمن فريق الحوار الوطني كطرف مستقل، وشارك في اجتماعات مدينة الصخيرات المغربية الذي أسفر عن توقيع اتفاق في 17 ديسمبر 2015 انبثقت عنه حكومة السراج، وقد اختير نائبا لرئيس المجلس الرئاسي عام 2016 كأحد ممثلي الجنوب في المجلس، وهو المنصب الذي استقال منه، كما أسلفنا، ليجلس على الربوة مراقبا ما يدور، قبل أن يعود إلى المشهد بقوة خلال الملتقى السياسي المنعقد بجنيف في 20 فبراير الماضي ضمن اللائحة الفائزة بنتائج الانتخابات الداخلية والتي ضمت إلى جانب المنفّي من برقة رئيسا للمجلس الرئاسي وعبدالله اللافي عن طرابلس عضوا وعبدالحميد الدبيبة رئيسا لحكومة الوحدة الوطنية.

لكن الوضع الليبي الآن لم يختلف كثيرا، حسب الكوني، فقد أطلق مؤشرا مهما عن استمرار الأحوال كما كانت عليه في ظل المجلس الرئاسي السابق، ولاسيما من حيث مستويات الفساد الضارب في مؤسسات الدولة، حين أعرب في أوائل يونيو الماضي عن اعتذاره إلى السراج في تغريدة مقتضبة ”عـذرا فائز السراج، فكلُّ منّا فائز السراج”.

التحديات أمامه كثيرة، ولا تتعلق فقط بالأزمة السياسية ولا بالعجز عن إيجاد القاعدة الدستورية لتنظيم الانتخابات المقررة للرابع والعشرين من ديسمبر القادم، والتي لوح بإمكانية أن يتولى المجلس الرئاسي إصداره بقوة القانون ونشرها في الصحيفة الرسمية، ولا بانتشار الفساد والفشل في إجلاء القوات الأجنبية والمرتزقة، وغيرها من الملفات الوطنية الحارقة، ولكن أمامه كذلك أزمة الجنوب الذي ينتمي إليه ويمثله في سلطة القرار، حيث يعاني السكان المحليون من التهميش على كل الأصعدة، ومن التجاذبات المحلية والإقليمية والدولية، وهو ما جعله يشدد على أن ”فزان لم تكن يوما طرفا في الصراع السياسي أو العسكري ولكن في واقع الأمر هي الضحية“، داعيا إلى تكوين جسم دائم وفاعل يمثل كل مكونات الإقليم ويساعد في رسم خارطة طريق لما تحتاجه المنطقة.

الكوني الذي يدرك تفاصيل المشهد الليبي، استطاع المحافظة على وجاهته الاجتماعية، فاختارته الأمم المتحدة كمستقل في اجتماعات الصخيرات
الكوني الذي يدرك تفاصيل المشهد الليبي، استطاع المحافظة على وجاهته الاجتماعية، فاختارته الأمم المتحدة كمستقل في اجتماعات الصخيرات

 

 
12