مواقع التواصل الاجتماعي هنا لتبقى

هل نترك مارك زوكربيرغ يتحكم بمصير العالم؟
الاثنين 2021/10/11
هل يمكن تخيل العالم دون مواقع التواصل الاجتماعي؟

تتحدث وسائل إعلام عن نهاية وشيكة لشبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، وتتهمها تقارير مدعمة بوثائق مسربة أنها تشكل خطرا على الديمقراطية والمراهقين، حتى ليبدو الأمر وكأن فيسبوك المسؤول الوحيد عن مشاكل العالم. وبينما ينتظر البعض أن تنتهي أكبر شبكة للتواصل الاجتماعي ضحية لنجاحها، يتساءل آخرون “هل يمكن أن نمنع عن الناس الماء والهواء؟”.

في فبراير 2004 أطلق مارك زوكربيرغ شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك مع زميله في جامعة هارفارد إدواردو سافيرين. ما بدأ مزحة قبل 17 عاما تحول إلى قصة نجاح منقطعة النظير.

اليوم هناك نشاط اقتصادي يتم عبر صفحات تجارية متخصصة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، سواء للأعمال الصغيرة أو المتوسطة، تتجاوز قيمته التريليونات من الدولارات، إضافة إلى صفحات خدمات لمواقع تقدم خدمات صحية وثقافية وفنية وحكومية سهلت حياة الناس حول العالم.

هناك دول تكاد الحياة تقوم فيها على فيسبوك وواتساب وماسنجر، ليس فقط لإجراء المحادثات، بل لإجراء العمليات التجارية وعقد الاجتماعات.

قد يكون مستقبل زوكربيرغ مهددا ولكن مستقبل مواقع التواصل ليس محل شك فهل يمكن أن نمنع عن الناس الماء والهواء؟

وبحسب تقرير عالمي صدر بعنوان “ديجيتال 2021” احتل موقع فيسبوك المرتبة الأولى عالميا من بين 17 شبكة اجتماعية ومنصة للتراسل النصي جرى رصد بياناتها بداية العام الحالي في مؤشر عدد المستخدمين النشطين حول العالم.

وذكر التقرير أن عدد مستخدمي فيسبوك سجل مع بداية العام الحالي قرابة 2.8 مليار مستخدم نشط في جميع أرجاء العالم، أي أن 36 في المئة من إجمالي سكان العالم المقدر تعدادهم بحوالي 7.8 مليار نسمة.

لم يكتف زوكربيرغ بالنجاح غير المتوقع للعبته، أراد أن يضيف إليها ألعابا أخرى. وهذا ما فعل.

أضاف واتساب الذي سجل حسب نفس التقرير 2 مليار مستخدم نشط، أي أن نسبة 26 في المئة من سكان العالم يستخدمون هذا التطبيق.

ومسنجر الفيسبوك للتراسل وجاء هو الآخر في المرتبة الرابعة بحوالي 1.3 مليار مستخدم نشط، يشكلون نسبة 17 في المئة من إجمالي عدد سكان العالم. وإنستغرام الذي سجل قرابة 1.22 مليار مستخدم نشط حول العالم.

ماذا تعني هذه الأرقام؟

دعونا نتذكر الحكمة التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “من يسيطر على المعلومات، يستطيع أن يسيطر على العالم”، والتي تلقفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وسار وفقها. فهل يترك اليوم زوكربيرغ طليقا ليتحكم بالعالم؟

بدأ زوكربيرغ مغامرته من مشروع طلابي صغير، ولكن السنوات اللاحقة خلقت له دورا رئيسا في حياتنا اليومية، إضافة إلى دوره في رسم الجغرافيا السياسية العالمية.

بدأت قصة حياة الفيسبوك من موقع بسيط اسمه  (Facemash) استخدم بين الطلاب كتسلية لتقييم مستوى الجمال بـ(جذاب) أو (لا) في مبيت للطلاب في جامعة هارفارد في عام 2003. في البداية، كانت هذه الشبكة تقتصر على طلاب جامعة هارفارد فقط، إلا أنها سرعان ما انتشرت إلى جامعات أخرى، وذاع صيتها في المدارس الثانوية، ثم وصلت إلى عامة الناس، حيث اكتسبت ميزات جديدة. إذ أصبح بإمكان المستخدمين نشر محتويات مكتوبة أو مصورة على حسابات أخرى، والإشارة إلى أصدقائهم في الصور.

ويروي الجدول الزمني لفيسبوك قصة تطوره السريع. ففي نهاية عام 2004 كان لديه نحو مليون مستخدم مسجل. وبحلول عام 2008، أصبح لديه 100 مليون، وبعد أربع سنوات من ذلك، تجاوز المليار. أما الآن، ومع وجود ما يقدر بنحو 2.8 مليار مستخدم نشط، يعد جزءا من حياة أكثر من ثلث سكان العالم.

ماريا ريسا: فيسبوك يعطي أولوية لنشر الأكاذيب أكثر من الحقائق
ماريا ريسا: فيسبوك يعطي أولوية لنشر الأكاذيب أكثر من الحقائق

ويعتبر الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك زوكربيرغ خامس أغنى شخص في العالم. وأصبح اسم هذا الطالب السابق في علم النفس، البالغ من العمر 33 عاما، مرادفا للشبكة الاجتماعية. غير أن هناك 3 أشخاص آخرين من زملائه في جامعة هارفارد ساهموا خلف الكواليس في إنجاز فيسبوك في ذلك الوقت، هم: داستن موسكوفيتز، كريس هوغيز وإدواردو سافرين تايلر. وقد تمت مقاضاته لاحقا من قبل شركائه التجاريين السابقين، كاميرون وتايلر وينكلفوس الذين ادعوا بأنه قد سرق فكرتهم. القصة التي ألهمت صناع السينما لإنتاج فيلم “ذا سوشيال نيتوورك” عام 2010.

وكما هو معروف فإن الفيسبوك مجاني، حيث تجني الشركة أرباحها من خلال الإعلانات، والتسويق عبر الإنترنت، التي قد تستهدف المستخدمين بناء على اهتماماتهم.

هناك اقتصاد جديد عملاق يولد اليوم، تبدو الاقتصاديات الكلاسيكية مقارنة معه تافهة وضئيلة، بما في ذلك الصناعات الكلاسيكية والزراعة. هذا الاقتصاد بات يعرف بـ”اقتصاد الانتباه”.

كل ما على هذه الشركات هو الفوز بانتباهنا لتحقيق المزيد من الربح. ولا يهم إن كانت المعلومة صحيحة أو خاطئة، قد تترتب عنها أحيانا كوارث للفرد والمجتمع، مهما ادعت تلك الشركات الحرص على التمييز بين الجيد والخبيث.

الحاجة إلى التواجد العالمي لا يقل أهمية في العصر الرقمي عن الصناعة. كما أن الوصول إلى الجمهور الدولي يوفر فرصا للتطبيقات من أجل جمع عدد أكبر من المستخدمين، وبالتالي عرض الإعلانات، والأهم من ذلك أنه يوفر البيانات التي تعتبر شريان الحياة الجديد بالنسبة إلى التكنولوجيا الجديدة.

ستون في المئة تقريبا ممن يتلقون رسائل عن طريق وسائل الاتصال الاجتماعي، يحولونها إلى طرف ثالث دون أن يقرأوا محتواها، حسب دراسة كانت قد صدرت عن جامعة كولومبيا.

اعتاد البشر في السابق الربط بين الموضوع وعنوانه، ولكن اليوم يكتفي الكثيرون بالعناوين فقط. ما تفسير ذلك، وكيف ينعكس على العالم الذي نعيش فيه اليوم؟

مخاطر كونية

(جذاب) أم (لا).. تسلية زوكربيرغ التي تحولت إلى أكبر قصة نجاح
(جذاب) أم (لا).. تسلية زوكربيرغ التي تحولت إلى أكبر قصة نجاح

بعض الإجابة على الأقل نجدها عند حركة يُنظمها “مركز التكنولوجيا الإنسانية”، التي نقرأ على صفحتها الإلكترونية “طالما تُحقق شركات التواصل الاجتماعي أرباحا من وراء إدمان الناس الإنترنت والإثارة وتشويش الذهن، فإن حياتنا وديمقراطيتنا ستظل مهددة بالخطر. آن الأوان لتغيير ذلك”.

قد تكون هذه واحدة من الإجابات التي تفسر اليوم ما يحدث.

المركز أسسه خبراء يعملون بشركات عملاقة، مثل فيسبوك وتويتر وغوغل وغيرها، بعد أن أدركوا خطورة تلك المنصات الرقمية، وقرروا أن يقودوا حملة لتوضيح طبيعة المشكلة، والعمل على تفادي أخطارها.

منصات التواصل الاجتماعي مثل واتساب وأخواتها، حسب هؤلاء، تربح المليارات من وراء جعلنا “ندوس ونمسح ونُشيِّر” طوال الوقت.

قيمتنا بالنسبة إلى شركات التواصل الاجتماعي تزداد كلما اختلفنا في الرأي واختصمنا، بل وكلما تمادى تطرفنا، ونزعنا نحو المبالغة وتعمد الإثارة، حتى الاكتئاب الناجم عن إدمان الموبايل أجادت تلك الشركات استثماره وتحويله إلى أرباح.

فرانسيس هوغن: فيسبوك اختار الربح المادي على سلامة المستخدمين
فرانسيس هوغن: فيسبوك اختار الربح المادي على سلامة المستخدمين

هناك من يصل باتهاماته إلى درجة يحمل فيها تلك الشركات المسؤولية عن “غياب الوعي الجمعي اللازم لمواجهة المخاطر الكونية المشتركة بين كل البشر كتلوث البيئة والكوارث الطبيعية والحروب والعنصرية واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء”.

وقد يشير البعض إلى توظيف التكنولوجيا لتزوير الحقائق، كما حصل حسب زعمهم، في ثورات الربيع العربي، التي لعبت فيها وسائل التواصل الاجتماعي دورا كبيرا، لم يكن دائما “بريئا”.

وتحدث مغردون عن الأضرار التي سببها موقع فيسبوك خصوصا في فترة الجائحة، حيث كان منصة لنشر المئات من المعلومات غير الصحيحة عن اللقاحات المضادة لفايروس كورونا، كان بعضها لأفراد والآخر كان هجمات منسقة لدول بعينها. كما تحدث مغردون عن منشورات الكراهية والتحريض التي تنتشر بشكل كثيف خصوصا بعد ما اعتبر تحريضا من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لأنصاره على اقتحام مبنى الكونغرس وكذلك منشورات جماعات اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وأوروبا والتي غمرت المنصة، وهو ما استدعى توجيه لوم شديد للشبكة ورئيس مجلس إدارتها، ليس من جانب مستخدمين فقط وإنما أيضا من جانب مشرعين وسياسيين أميركيين.

وهذا حسب هؤلاء “يهدد الأنظمة السياسية ومستقبل الأجيال، بل يهدد الحقيقة نفسها”.

وفي عالم اليوم، حيث تجري الأمور بسرعة، أصبح جذب الانتباه إحدى أهم “السلع” التي تتنافس عليها الدول. لذلك لم يكن غريبا أن يتلقف العالم الأزمة التي تعرضت لها شركة فيسبوك إثر توقف خدماتها سبع ساعات الاثنين الماضي وتكرر الأمر الجمعة، لتثار التساؤلات حول مدى تغلغل الشركة في الحياة اليومية للناس في ظل تسريبات مقلقة عن أثر منتجاتها على الصحة النفسية.

بسبب هذا الخطأ التقني، خسر سهم فيسبوك خلال الأزمة ما يقرب من 5 في المئة من قيمته السوقية، بل إن زوكربيرغ نفسه خسر حوالي 7 مليارات دولار جراء تعطل منصات التواصل الاجتماعي حول العالم. ووصلت تقديرات الخسائر إلى نحو 50 مليار دولار أميركي.

وتزامنت الأزمة التقنية مع أزمة أخرى تسببت بها المهندسة فرانسيس هوغن الموظفة السابقة في فيسبوك، والتي استقالت من منصبها قبل عدة أشهر اعتراضا منها على “اختيار شبكة التواصل الاجتماعي الربح المادي على سلامة مستخدميها”، بحسب ما قالت خلال مقابلة بثتها محطة “سي.بي.إس” التلفزيونية الأميركية.

وقبل استقالتها، عمدت المهندسة إلى تصوير عدد ضخم من الوثائق التي قالت إنها تثبت صحة ادعاءاتها وأرسلتها إلى صحيفة “وول ستريت جورنال” التي قامت بعمل تحقيق مثير كشفت فيه،  استنادا إلى الوثائق، أن الشركة تعلم تماما أن عددا من منتجاتها وبالأخص إنستغرام تتسبب في مشكلات نفسية عميقة وخصوصا للمراهقات قد تنتهي بالانتحار.

عالم دون فيسبوك

أظهرت البحوث التي أشار إليها التحقيق أن 32 في المئة من الفتيات المراهقات شعرن بأن استخدام إنستغرام منحهن صورة أكثر سلبية عن جسدهن فيما لم يكنّ راضيات أصلاً عنه. وأكدت المهندسة العاملة سابقا في فيسبوك أن شبكة التواصل الاجتماعي مدركة جيدا لهذا الانحراف، لكنها رفضت التدخل لتعديله، لأن ذلك قد يتسبب في انخفاض أرباحها المالية الهائلة.

وكشفت هوغن أن شركة فيسبوك تعلم تماما حجم التأثيرات السلبية لشبكة إنستغرام على المراهقات، لكنها امتنعت عن اتخاذ أي إجراءات تصحيحية حيال الأمر.

وأبدى إدوارد سنودن خبير أمن وتقنية المعلومات الأميركي سعادة بتوقف خدمات فيسبوك عن العمل، وقال إن “العالم سيكون مكانا صحيا من دون فيسبوك وخدماته”.

إدوارد سنودن: العالم سيكون مكانا صحيا من دون فيسبوك وخدماته
إدوارد سنودن: العالم سيكون مكانا صحيا من دون فيسبوك وخدماته

ولم يكن سنودن في ذلك وحده، إذ حفل موقع تويتر بالمئات من
التغريدات التي تنتقد شبكة التواصل الاجتماعي الأوسع انتشارا بشدة، وخصوصا “تغولها المتصاعد” وتداخلها المتزايد في تفاصيل الحياة اليومية للمستخدمين.

واستغلت الصحافية الفلبينية الفائزة بجائزة نوبل للسلام ماريا ريسا شهرتها الجديدة لانتقاد موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي ووصفه بأنه تهديد للديمقراطية، قائلة إنه يعجز عن منع خطاب الكراهية والمعلومات المغلوطة وإنه “يتحيز ضد الحقائق”. وقالت الصحافية ومديرة موقع (رابلر) الإخباري الفلبيني لرويترز في مقابلة بعد إعلان فوزها بالجائزة إن خوارزميات فيسبوك “تعطي أولوية لنشر الأكاذيب الممزوجة بالغضب والكراهية أكثر من الحقائق”.

وتضيف تصريحاتها إلى الضغوط التي يواجهها فيسبوك، الذي يستخدمه أكثر من ثلاثة مليارات شخص، في الآونة الأخيرة بعدما تحولت موظفة سابقة في الشركة إلى واشية واتهمت الشركة بتغليب تحقيق أرباح على مكافحة خطاب الكراهية وانتشار المعلومات الخاطئة.

وتملك السلطات الأميركية اليوم الكثير من الحجج شديدة الإقناع لشن حملة على فيسبوك، خصوصا بعد ما سربته هوغن من معلومات حول التأثير المضر لفيسبوك وإنستغرام على المجتمع.

وخلال إفادتها الصحافية اليومية، قالت جين ساكي المتحدثة باسم البيت الأبيض تعليقا على ما ورد في تحقيق “وول ستريت جورنال” وما كشفته المهندسة السابقة في فيسبوك، إن الإدارة الأميركية تنظر إلى تلك التسريبات على أنها أحدث حلقة من سلسلة حول منصة التواصل الاجتماعي توضح أن فكرة “التنظيم الذاتي لا تعمل”.

وتفسر أقوال ساكي على أن إدارة الرئيس بايدن بدأت تنظر بعين الريبة لهذا الحجم الهائل من القوة المعلوماتية المتركزة في أيدي عدد محدود من الأشخاص والشركات التجارية التي تهتم بالربح المادي فقط في المقام الأول.

وفي المقابل يدعي فيسبوك أن هدفه يكمن بجعل العالم أكثر انفتاحا وشفافية. ولتحقيق ذلك، تحدد مبادئ الشركة التأسيسية ثلاثة قيود: القانون والتكنولوجيا والمعايير الاجتماعية المتطورة.

وكان زوكربيرغ قد أعلن مطلع عام 2018 أن التحدي الذي يواجهه هو “إصلاح فيسبوك”. حيث كتب “العالم يشعر بالقلق والانقسام، وأمام فيسبوك الكثير لينجزه، سواء أكان ذلك لحماية مجتمعنا من الإساءة والكراهية، أو الدفاع عن التدخل من قبل الدول القومية، أو التأكد أن قضاء الوقت على الفيسبوك ليس مضيعة للوقت”.

وبعد ثلاث سنوات ونصف السنة من إعلانه هذا وفي ظل ما يحدث، لا بد من أن تثار الشكوك حول مدى التزامه بالإعلان الذي أطلقه.

قد يكون مستقبل زوكربيرغ مهدد اليوم، ولكن مستقبل مواقع التواصل الاجتماعي، ليس محل شك. هل يمكن أن نمنع عن الناس الماء والهواء؟

12