من هم الفاسدون في تونس؟

التونسيون لا يحتاجون إلى شهادة منظمة الشفافية الدولية أو هيئة مكافحة الفساد في تونس للوقوف على ما تسببه هذه الآفة من خسائر كبيرة في علاقة بالاقتصاد التونسي.
الأربعاء 2020/07/08
استحقاق يحتاج إلى حسم

تونس - مرة أخرى، كشفت قضية شبهة تضارب المصالح التي تلاحق رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ، أن حكاية الحرب على الفساد لا تتخطى حدود المزايدات والابتزار السياسي دون الغوص بجدية في حقيقة الشيء أو تقديم نتائجه للرأي العام.

منذ ثورة يناير 2011 في تونس والتي قامت في جوهرها رافعة شعارات ضد فساد النظام السابق الذي قاده زين العابدين بن علي، تسلح كل من حكم البلاد بمحاربة الفساد أو بادعاء ذلك، لكن على أرض الواقع لم تتحقق النتائج المرجوة رغم كل ما أثبته خبراء الاقتصاد بأن النجاح في هذه الحرب ولو بصفة نسبية يساهم في إخراج تونس من أزمتها الخانقة ويمنحها نقاطا إضافية هي بحاجه إليها في نسب النمو.

راهنا، بات كل الفاعلين السياسيين، يرفعون شعار الحرب على الفساد، لكن من هم الفاسدون؟ بحيث أصبح مفهوم “الفاسد” في مخيلة المواطن البسيط الذي اعتاد على سماع هذا المصطلح في كل نشرات الأخبار بمثابة مفهوم هلامي لا يُرى ولا يُسمع وغير ملموس.

علي العريض: شبهة تضارب المصالح التي تلاحق الفخفاخ ليست إشكالا
علي العريض: شبهة تضارب المصالح التي تلاحق الفخفاخ ليست إشكالا

بالعودة إلى قضية الفخفاخ وإلى أن يثبت القضاء كل ما ورد في حقه من اتهامات بتأكيدها أو بدحضها، فإن اللافت للانتباه في هذه القضية الضخمة إعلاميا، أنها قد أدخلت وعلى غرار ما سبقها من ملفات إلى حلبة المقايضات والمناورات السياسية التي تقودها حركة النهضة الإسلامية الفاعل رقم واحد في الحكم وفي حكومة الفخفاخ.

تحاول النهضة توظيف القضية إما بالتخفيف من وطأتها أو النفخ فيها على قاعدة الربح والخسارة، بحيث أطنب قياديوها في التطرق إلى الملف بهدف الضغط أكثر على الفخفاخ وجعله رهين خياراتها، فبحسب البيانات المتناقضة للحركة ، بات الشعار واضحا “يوافق الفخفاخ على توسيع الحزام السياسي، تبقى القضية مجرّد تضارب مصالح، أما إذا تعنت ورفض ذلك فإن القضية تصبح فسادا”.

وقد لخص مناورات النهضة القيادي بالحركة والنائب بالبرلمان علي العريض الذي قال في مداخلته بمداولات لجنة التحقيق البرلمانية للتحري والتثبت في شبهة تضارب المصالح التي تلاحق الفخفاخ “إذا ما ثبتت أن الحكومة تشوبها شبهة فساد ستفقد مصداقيتها وحينها لكل حادث حديث”. ثم استدرك قائلا “شبهة تضارب المصالح ليست إشكالا، تجب معالجتها في إطار مكافحة الفساد”.

وأضاف العريض “إلى حين البت في القضية سنواصل دعمنا للحكومة لأن إحدى أهم النقاط الضرورية بالنسبة لبلادنا هي الاستقرار”، متابعا “دخلنا الحكومة من أجل مقاومة الفساد، وشعار حكومة الفخفاخ مقاومة الفساد وبالتالي ليس من المعقول أن تناقض نفسها”.

وتراهن حركة النهضة التي لم تكن راضية منذ البداية عمّا يسمى بـ”حكومة الرئيس” وعلى تكليف الفخفاخ بتشكيل الحكومة على توسيع الحزام السياسي للحكومة بإشراك حزب قلب تونس في الحكومة.

هذه الخطة لوحدها تثبت أن كل خطوات حركة النهضة تُبنى رأسا على توظيف الفساد في كل تحرك سياسي، فبعد أن قالت كل ما قالت خلال الحملات الانتخابية التشريعية والرئاسية متهمة رئيس قلب تونس رجل الأعمال نبيل القروي، ها هي الآن تبرّئ ذمته على حد قول راشد الغنوشي بأنه رجل وطني وعاقل وتشترط بقاء الفخفاخ بدخول حزب القروي للحكم.

لقد فتح الفخفاخ حربا جعلت التونسيين لا يثقون في كل من يرفع شعار الحرب على الفساد، حين قال في أولى الخطابات التي توجه بها للمواطنين “لا أحد فوق رأسه ريشة” (مثل تونسي يقصد به لا أحد فوق القانون)، ليسقط في تناقض صارخ بعد أسابيع فقط حين تطرق الإعلام لما يعرف بقضية فساد الكمامات المتهم فيها نائب بالبرلمان ووزير الصناعة بقوله “الفساد حكاية فارغة”.

كل من حكم تونس منذ ثورة يناير 2011 تسلح بمحاربة الفساد أو بادعاء ذلك، لكن على أرض الواقع لم تتحقق النتائج المرجوة سياسيا وقضائيا

ولم يفتح رئيس الحكومة حربا سياسية على نفسه فحسب، بل جعل الرئيس قيس سعيّد في موقف محرج بحيث تعالت أصوات ناخبيه بالضغط لمعرفة الحقائق ولمعرفة من هو فاسد ومن غير فاسد.

في السياق نفسه، كشفت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (منظمة حكومية مستقلة) التي يترأسها شوقي الطبيب منذ توليه المنصب في عام 2016 في عهد حكومة يوسف الشاهد العشرات من الملفات التي تدين تورط مسؤولين ووزراء في قضايا فساد، لكن ورغم فتح الكثير من القضايا ولجان التحقيق لم ير الرأي العام أي نتائج ملموسة بشأنها إلى الآن.

لقد جاء أيضا في تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2019 والذي شمل 180 دولة، أن تونس تحتل المرتبة 74 في مؤشر مدركات الفساد المالي والإداري المرتبط بالقطاع العام. لكن فلقد بات مؤكدا أن التونسيين لا يحتاجون إلى شهادة منظمة الشفافية الدولية أو هيئة مكافحة الفساد في تونس للوقوف على ما تسببه هذه الآفة من خسائر كبيرة في علاقة بالاقتصاد التونسي.

وظل هذا الإدراك بحقيقة الأمور لدى التونسيين، غير مرفوق بخطوات حكومية تحسم ملف الفساد والفاسدين قضائيا وسياسيا، ولكل هذا أصبح ملف الفساد أو الحديث عن الفاسدين مجرّد طرح للتندر بين التونسيين الذين باتوا يكتفون عادة بالإجابة على الموضوع بطرفة شهيرة في تونس وتُنسب إلى العقيد الليبي الراحل معمر القذافي الذي قال حين سئل عن تونس “إنّ تونس من أغنى دول العالم وستبقى غنيّة والدليل على ذلك أنّها لم تفلس رغم كثرة اللصوص الذين نهبوها”.

6