منى طراد دبجي رسامة ترعى بأنوثتها بقايا بيروت

نحاتة من طراز خاص تترك بصمتها الواضحة على تاريخ الحداثة الفنية في لبنان.
الأحد 2020/11/22
بيروت من خلال نسائها

احتكر الرسامون عبر العصور الغزل بالمرأة وعالمها الداخلي. لقد حاول كل منهم أن يكون هناك بطريقته المتخيلة. ولم يكن الهدف من وراء ذلك إلا القبض على المرأة في لحظة صفائها. تلك اللحظة الخالصة التي يشكل استرخاء المرأة فيها محور جمالها الخفي.

كان هناك نوع من الخديعة الجمالية التي أحلت الخيالي محل الواقعي. اللبنانية منى طراد دبجي واحدة من قلة من النساء اللواتي سعين إلى أن يفككن عناصر تلك المعادلة المضطربة ليقلن من خلال الرسم الحقيقة.

ولكن محاولتها هي الأخرى لم تنج من الغزل. بل إن تحديها للرجال أوقعها في فخ التأثر بهم. فإذا كانت قد حاولت أن تتحدى أنغر وماتيس على وجه خاص فإنها رسمت على غرارهما وبالأخص الثاني.

غير أن تحديها الأكبر كان موجها إلى المشهد الفني برمته. ففي الوقت الذي كان ذلك المشهد يغص بالتجارب الفنية التي تندفع في اتجاه آخر ما يعرض في الصالات الفنية العالمية، فإنها وجدت في الوصف الغنائي ضالتها فصارت ترسم برهافة وأناة عالم الأنوثة ممتزجا بالطبيعة بأسلوب ينتمي إلى المرحلة الأولى من الحداثة الفنية.

أنوثة المكان الشاعري

ننن

فعلت ما بدا لها ملائما لحساسية عالمها الذي صارت تنظر إليه بوله وعشق واضحين. بحيث إنها اعتبرت رسومها في واحدة من مراحلها الفنية نوعا من الخياميات استلهاما لرباعيات عمر الخيام.

 ما يهم أنها كانت ظاهرة مختلفة في الرسم الحديث بلبنان. وهي ظاهرة تستند على الرغبة الاستفهامية المزدوجة؛ سؤال الرسم من جهة ومن جهة أخرى سؤال عالم المرأة الداخلي.

وإذا ما كان هناك مَن يشاركها في سؤال الرسم من جهة العودة إلى الينابيع فإنها ظلت وحيدة وهي تمعن في حفريتها بحثا عمّا لا يُرى من عالم المرأة. ولم يكن الغرض حسّيا بقدر ما كان جماليا خالصا.

الرسامة تحتفي بمناخ الأنوثة لا بالأنوثة نفسها. ذلك ما تطلب منها عملا شاقا من أجل أن تحيط بكل شيء يضمن لها إقامة علاقة مريحة مع أنثاها التي تقع بين الواقع والخيال.

ومثلما شغفت الفنانة بالأنوثة باعتبارها موضوع تحدّ لمَن أحبت من الرسامين الكبار فإن شغفها ببيروت قادها إلى أن تخصص جزءا لافتا من تجربتها الفنية للوصف الذي ينحو في اتجاه الكشف عن شاعرية المكان. مع المرأة التي رسمتها باستمرار في مختلف أوضاعها كان المكان حاضرا بقوة. بل إن المرء لا يمكن أن يفصل بين الاثنين.

ذلك ما جعلها تدخل إلى بيروت من بوابة لم يدخل منها عشاق المدينة الآخرون. كانت الأنوثة هي المدخل. ويا له من مدخل ينطوي على الكثير من الرقة والصبر والتأمّل وشعور عميق باللذة.

المرأة وفعل المقاومة

اا

 ولدت عام 1950وتخرجت من الجامعة الأميركية مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية. منذ عام 1993 وهي تقوم بتدريس الرسم. أقامت معرضها الشخصي الأول في بيروت عام 1992 وكانت مهتمة يومها بتصوير وسط المدينة الممزق حيث خطوط التماس بين المتحاربين. في كل معارضها التي أقامتها بلبنان والولايات المتحدة وفرنسا والأردن والإمارات العربية المتحدة كان لبنان هو موضوعها. ولكن أيّ لبنان؟ إنه لبنان النساء الرافضات لمنطق الحرب، الجالسات بهدوء على كنز من الحكايات الآسرة.

في مرحلة لاحقة بدأت في جمع الأبواب والشبابيك القديمة التي هي جزء من الحطام ولم تتضرر بالهدم لتستعملها في لوحاتها باعتبارها نوعا من الدعم الواقعي لخيالها. لقد كان عليها أن تحيي بلدا شارف على الموت من خلال استعادة صور لتقاليد نسائه. تلك عملية شائكة ومعقدة تعلمت من خلالها الفنانة كيف يكون الرسم فعل خلاص للذات من اليأس وكيف ينجو بما تبقى من المشاهد التي شكلت إطارا لحياتها. وبذلك يكون فعل مقاومة.

حين تسمي الفنانة أحد معارضها بـ”أرضي ليست للبيع” فهي لا ترغب في أن تُعلي من شأن خطاب سياسي معارض. ذلك شأن شخصي. شأن يرتبط بحقوق المرأة في مواجهة الخراب المتعدد الأوجه. تقول “لطالما كان شاغلي الأساس هو تقاليدنا ووضع المرأة في العالم العربي. التقاليد المفقودة التي دمرتها الحرب وبعد ذلك إعادة الإعمار. تكافح المرأة لتكون نفسها في عالم لا يعترف بحقوقها”.

نحاتة من طراز خاص

ننن

هي رسامة ونحاتة في الوقت نفسه. رسومها تقول أكثر من ذلك فهي تشي بخبرة عميقة في فن الحفر الطباعي، ذلك لأنها تعتمد بشكل أساس على الخط. الخط له شخصيته الواضحة في رسومها. ربما لأنها أرادت أن ترسم المرأة بطريقة تجعلها أكثر وضوحا من جهة بروزها كما لو أنها حُفرت على سطح اللوحة.

في الغالب تأخذ المرأة شكل منحوتة جدارية “رليف” كما لو أن الفنانة تكمل في الرسم ما أنجزته في النحت. نساؤها المستلقيات اللواتي يمكنني القول إن الفنانة من خلالهن برعت في الوصول إلى شخصيتها المستقلة. وهو أمر من الصعب تحقيقه في نحت الجسم البشري. فغالبا ما يقع النحاتون في عصرنا تحت تأثير قطبي نحت الجسد البشري المتناقضين، جياكومتي وهنري مور.

أما منحوتاتها فهي شيء آخر مختلف. فالشكل الأسطواني الذي عملت عليه الفنانة لكي تستخرج منه جسد أنثاها لا يحيل إطلاقا إلى أسطوانات البريطاني هنري مور. وكما في الرسم فإن الأنثى بالرغم من عريها في منحوتاتها لا توحي بأي نوع من الحسية المبالغ فيها. هي كائن متصالح مع الطبيعة ومع نفسه ويؤدي ما يحب القيام به وبالأخص القراءة.

هي نحاتة من طراز خاص. ربما تذكرنا منحوتاتها بالروماني قسطنطين برانكوزي لا من جهة الشكل بل من جهة الحساسية والتعامل مع المادة. ذلك ما يحسب للفنانة لا عليها.

بيروت والمرأة هما الشيء نفسه

تتت

رسمت كما لم يرسم أحد من جيلها. تقول “كان جان أوغست أنغر وهنري ماتيس يحلمان بعالم كهذا من النساء، على الرغم من أنه لم تتح لهما الفرصة لرؤيته أو الدخول إليه. أنوي رسم عالم حقيقي للمرأة من داخل حياتها اليومية، ما يخلق تعقيدا لا يمكن لأي مستشرق أن يحلم به”.

لا يوجد كلام أكثر وضوحا من ذلك الكلام الذي قالته الفنانة. كان ماتيس أمام عينيها. وهو ما نجده مقيما على لوحاتها فهي لم تتمكن من التخلص من تقنياته ما دامت تحاول أن تسبقه إلى عالم، لطالما حلم في الدخول إليه. لقد استعملت امتيازها كونها امرأة، لتظهر للرسام الفرنسي أنها يمكن أن تُري على سطوح لوحاتها ما لم يتمكن من رؤيته. ولكنها تذهب في تحديها إلى رسوم الاستشراق التي تعرف أن الجزء الأكبر منها كان متخيلا. تلك مبالغة لم تكن في حاجة إليها.

أهم ما أنجزته منى طراد دبجي إنما يقع على معادلة صعبة لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الالتزام بثوابت الرسم مثلما كان في بدايات الحداثة. معادلتها تقوم على طرفين هما؛ أنوثة بيروت وبيروتية المرأة. موضوعان يتداخلان في موضوع واحد يعبر عنه السؤال المضني “كيف يتعلم المرء أن يكون بيروتيا ويرتقي في نظرته إلى المرأة إلى درجة مثالية؟”. هذه فنانة ستترك بصمتها واضحة على تاريخ الحداثة الفنية في لبنان.

يييي

 

9