ممحاة سطح البلدية

الفقدان الإرادي للذاكرة فقدان مؤقت، أو بكلام آخر، هو طيٌّ وكتمان.
الجمعة 2020/11/20
ذاكرة البشر حسب الطلب

كلما سمعت بمفردة سطح، أو بلدية، أو رئيس بلدية، أو ألفاظ من هذا القبيل، يستحضر ذهني تلك المحاورة التي جرت في عالم الموسيقى والشعر والغناء بين وديع الصافي وفيروز في ”سهرة الحب“ البديعة؛ حين كانت توشك سيدة اسمها وردة على الحضور، لتتداعى القصص بين الاثنين إلى أن تصل إلى تذكيره بيوم أراد فيه أن يلقي بنفسه من على سطح مبنى البلدية حبًّا وهيامًا ”كرمى لوردة الجوريّة“.

وحين أسمع تلك القطعة في الصباحات، لا تأتي مع البلدية وردة وحدها، بل يقدمُ عالمٌ كاملٌ من الصور والخيالات، عصافير الخريف والبيوت الحجرية والبراري المنحدرة مثل العجين الهائل ينتثر عليه الزهر البري من حيث تدري ولا تدري. الصور الخالدة ليست قصة هينة. تمتلك سلطتها الكبرى من جمالها ومن تأثيره العميق في النفوس. أما الصور المؤلمة فتزول لأن الإنسان بطبعه ميّال إلى النسيان، لكن ما لا ينساه أبدا هو الفرح. لكن كيف يحدث ذلك؟

شدّني قبل فترة خبرٌ عن بحث علمي هام نشرته وكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن موقع “أل سي إي” حول الكيفية التي يحتال بها العقل على الذكريات المحزنة ليبعدها عن متناول صاحبه. تقول كاتبة البحث إن ضحايا حوادث الاعتداء، غالبًا ما يصابون بفقدان الذاكرة، حتى لو لم يتضرر الدماغ أو الرأس بأي إصابة. ولكن ذلك الفقدان الإرادي للذاكرة فقدان مؤقت، أو بكلام آخر، هو طيٌّ وكتمان. يحميك عقلك من تلك الذكريات حتى لا تقع فريسة لها كل لحظة.

ومن دون تردّد أطلقوا على تلك الظاهرة اسم ”ثقوب الذاكرة السوداء“، وكنت أظن هذا التعبير تفلسفًا من البعض، لكن اتضح أن العلماء يفعلون ذلك أيضًا. المهم أنهم توصلوا إلى أن هناك، في الواقع لا في التجارب وحدها، زرًّا في الدماغ، ”أوف“، ”أون“ أو ”تذكّر“، ”انسَ“. وأن الآمر السيّد في أجسادنا ووعينا، يضغط عليه، فنتذكر، ثم يضغط عليه ثانية فننسى.

التالي هو الأخطر. يقول العلماء إياهم إن قشرة الفص الجبهي بالمنطقة الأمامية من الدماغ وهي المنطقة المتخصصة بالترميز والأرشفة في رؤوسنا، تشهد نشاطًا كهربائيًّا غير مألوف يمكن رصده بسهولة، وأن ذلك النشاط يحدث فقط خلال عملية النسيان. وبناء عليه فإن حقنة طبية بسيطة، سبق وأن جُرّبت على الحيوانات، بوسعها أن تعزل الخلايا العصبية المسؤولة عن التذكّر، وهكذا يمكن محو ذاكرة البشر حسب الطلب.

ومع أن يوم الأمس الـ19 من نوفمبر من كل عام صادف اليوم العالمي للرجل، والذي تم ابتكاره بسبب الرقم 84 وهو عدد الرجال الذين ينتحرون في بريطانيا أسبوعياً، حسب الإندبندنت التي أكدت أن متوسط انتحار الرجال في المملكة المتحدة يفوق بنحو ثلاثة أضعاف متوسط انتحار النساء. ومع أن سطح بلدية وديع الصافي قد يكون بارتفاع متر ونصف المتر أو حتى مترين لا أكثر، في قرية حجرية من قرى جبل لبنان، ولو تركه رفاقه يرمي بنفسه لما كان قد خدش جلده حتى. إلا أن تلك الصورة بقيت خالدة، عصيّة على النسيان وعلى الأزرار والثقوب السوداء وفذلكة العلماء.

24