مقتدى الصدر يحاول إخضاع حكومة الكاظمي بـ"صولة فرسان" جماهيرية

معالجة أمنية لاحتجاجات الناصرية تلتقي مع دعوات الصدر لإنهائها.
الأربعاء 2020/12/02
نتاج الشراكة الصدرية الحكومية

الحملة الأمنية التي تشنّها القوات العراقية ضدّ المحتجّين في مدينة الناصرية بجنوب العراق تلتقي، عن قصد أو من دونه، مع منظور زعيم التيار الصدري للحركة الاحتجاجية في المدينة باعتبارها غدت فاقدة لشرعيتها بعد أن تمت “الاستجابة” لأهم مطالب المشاركين فيها بحسب ما يدعيه مقتدى الصدر الذي يتساءل نشطاء الانتفاضة الشعبية العراقية عن طبيعة علاقته برئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وإن كان قد نجح في الضغط عليه باستخدام قوّته الجماهيرية.

بغداد - تسود حالة من خيبة الأمل بين نشطاء الحراك الاحتجاجي الذي تشهده مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار جنوبي العراق، جرّاء ما يعتبرونه بوادر على انحياز حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي للتيار الصدري الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي والذي دخل مؤخّرا في صدام مع هؤلاء المحتجّين من منطلق أنّ احتجاجاتهم فقدت شرعيتها، ما دفع أنصاره إلى الانخراط في قمعهم موقعين قتلى وجرحى في صفوفهم.

ويسعى الصدر منذ أيام لإنهاء حركة الاحتجاج في الناصرية عبر بيانات وتغريدات وتعليقات في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وعبر حث أنصاره على “تنظيف” ساحات التظاهر ممن يسميهم “العابثين”.

وأُعلن فجر الثلاثاء عن وفاة متظاهر سابع في الناصرية، متأثرا بجراح أُصيب بها على أيدي عناصر في التيار الصدري، حاولوا قبل أيام فض اعتصام للمحتجين في ساحة الحبوبي المركز الرئيسي للاحتجاج في الناصرية.

ويصر المتظاهرون على حرمان أنصار الصدر من الدخول إلى ساحة الحبوبي باعتبار أنهم يمثلون تيارا سياسيا مشاركا في الحكومة والبرلمان.

ويقول مراقبون إن محتجي الناصرية كسروا حاجز القداسة الذي أمضى الصدر أعواما وهو يحاول أن يقيمه حول شخصه.

وخلال الأيام الأخيرة، منحت العديد من المحطات الفضائية ذات النفس الليبرالي مساحة واسعة لنشطاء بارزين من الناصرية كي يحضروا في برامجها الرئيسية، جنبا إلى جنب مع نواب كتلة سائرون البرلمانية، التي يرعاها الصدر.

ولوحظ في كل برنامج حرص نشطاء الناصرية المستقلين على إثبات أنهم تقدميون قياسا بأتباع الصدر المقيدين بما يقوله الزعيم وبما يرسمه لهم من خطوط حمراء.

محتجو الناصرية كسروا حاجز القداسة الذي أمضى زعيم التيار الصدري أعواما وهو يحاول أن يحيط به شخصه

ويعتقد كثيرون أن الصدر يخوض هذه المعركة في الناصرية لأهداف انتخابية صرف، إذ يدرك زعيم التيار الصدري أن إخضاع هذه المدينة التي اعتاد أن يتقدم فيها خلال جميع العمليات الانتخابية الماضية، هو بوابة لنصر كبير في الانتخابات المقررة صيف العام القادم. لكن نشطاء الناصرية يدركون هذا أيضا، لذلك يواجهون تصعيد الصدر بتصعيد مضاد.

ويرفض محتجو الناصرية تفكيك مخيم الاعتصام في ساحة الحبوبي رغم الاعتداءات الدموية التي تعرضوا لها خلال الأيام القليلة الماضية.

لكن اللافت أن النشطاء في الناصرية يلمحون إلى أن الحكومة اختارت الوقوف إلى جانب الصدر ضدهم، أو على الأقل تعمّدت غض البصر عن الاعتداءات الدموية التي تورط فيها.

وقال نشطاء بارزون في الناصرية إن منازلهم تعرضت لعمليات دهم أمنية على أيدي قوات رسمية بتهمة التحريض على العنف.

وقالت مصادر محلية إن مداهمات فجر الثلاثاء شملت منازل النشطاء منتظر وليد وإحسان الهلالي وعامر فاران وكرار الحجامي وحسن ماهر ستّار المعروف بحسن باسكت بول.

وقال الأخير إن عائلته تعرضت للترويع خلال دهم منزله الذي لم يكن موجودا فيه لحظة مداهمته، متعهدا بتسليم نفسه للشرطة في أقرب وقت لأنه متيقن من براءته. وقال “لست من يستحق الملاحقة”، في إشارة إلى أن القوات الأمنية تتجاهل القتلة الحقيقيين، وتلاحق الضحايا.

والاثنين، نشر الصدر تغريدة أثارت عاصفة من الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما خاطب المتظاهرين بقوله “إن المرجعية الدينية الشيعية في النجف حققت طلبكم بإطاحة رئيس الوزراء السابق عادل عبدالمهدي”، مشيدا بنفسه ودوره في “تنصيب” رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي.

وقال الصدر “على كل من يعترف بالفساد.. يجب أن يعلم أن هناك بابا واسعا قد انفتح لإزالتهم بعيدا عن كل غوغاء وعنف وأذى.. وهو باب الانتخابات”، مخاطبا متظاهري انتفاضة أكتوبر “هلموا لتستعدوا لذلك وخصوصا بعد أن حققت المرجعية لكم استقالة (عبدالمهدي)، وبعد أن حققنا لكم تنصيب (الكاظمي) وتغيير قانون الانتخابات”.

وتابع مخاطبا محتجي الناصرية “ما تفعلونه من اعتصامات هزيلة مخالفة للقانون والشرع وما هي إلا نفع واضح للفاسدين”، مضيفا “يا شباب تشرين ويا شباب التيار الصدري لقد قمتم بواجبكم الإصلاحي وتغيرت الكثير من الأمور التي فتحت باب انتصار المظلومين في الانتخابات القادمة، فلا تفوتوها وإلا ستفوت الفرصة الكبيرة هذه”.

وجاءت تغريدة الصدر هذه لتذكي الشكوك بشأن طبيعة العلاقة بين مصطفى الكاظمي ومقتدى الصدر وما إذا كانت ندية تنافسية حقا، كما يلـمح أنصار الأول، أم أنها علاقة قويّ بضعيف كما يلـمح أنصار الثاني.

ولم يكن رد الفعل الشعبي إزاء الموقف الحكومي من أحداث الناصرية وديا بل حمل الكثير من المرارة. ويقول مراقبون إن الضبابية المحيطة بعلاقة الكاظمي مع الصدر تكشف أن الطرفين لم يحسما أمرهما بعد، إذ يمكن أن يكونا حليفين بالرغم من جميع التناقضات التي تفرقهما، ويمكن أن يكونا عدوين، وهو الأقرب للمنطق.

لكن معاداة تيار بحجم ذلك الذي يقوده مقتدى الصدر قد تكون ضريبته كبيرة للغاية على الكاظمي في الأوساط الشيعية تحديدا، لاسيما وهو يخطو خطواته الأولى في المضمار السياسي على مستوى التنافس الانتخابي.

لكن أصواتا عديدة في الداخل تحاول أن تذكر الكاظمي بتجربة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي مع الصدر حيث بنى الأول مجدا انتخابيا استمر لأعوام لأنه تحدى ميليشيا جيش المهدي التابعة للثاني في 2008 و2009، وذلك في عملية عسكرية أطلق عليها اسم “صولة الفرسان”.

وبسبب التأييد الشعبي آنذاك لإجراءات المالكي ضد ميليشيا الصدر في بغداد والبصرة، اضطر زعيم التيار الصدري إلى تجميد ميليشيا جيش المهدي التي عادت لاحقا إلى الظهور تحت عنوان سرايا السلام.

ويقول مراقبون إن الوقت لم يفت، وما زال بإمكان الكاظمي إطلاق “صولة” جديدة ضد الأطراف الخارجة عن القانون التي تحاول تحدي الدولة في بغداد وبعض محافظات الوسط والجنوب ومن ضمنها سرايا السلام.

3