مغامرون يقتنصون الحلم ويرتحلون خلف حدود الواقع

معرض يحتضن أعمالا مصرية تعيد صياغة السريالية الغربية وفق إرث حضاري مغاير وخصوصية شعبية محلية.
الجمعة 2019/04/26
صياغة السريالية الغربية وفق الخصوصية المصرية

تحت لافتة “السريالية” العريضة تندرج تفريعات فنية متنوّعة وخصوصيات محلية وإرهاصات فردية لها القدرة على الخروج بالتجارب التشكيلية الطليعية من الإطار العام للحركة السريالية الغربية إلى مذاقات متعددة مدهشة لا تُغفل الإرث الحضاري والهوية الشعبية، وهذا ما تجلى بوضوح في أعمال نخبة من التشكيليين المصريين المعاصرين في معرض جماعي في القاهرة.

القاهرة - تقاطعت أعمال الفنانين عصمت داوستاشي وعزالدين نجيب ورضا عبدالسلام وعبدالرحيم شاهين وإيفيلين عشم الله ومحمد رياض سعيد وغيرهم من المشاركين في معرض جماعي بـ”أتيليه العرب للثقافة والفنون” بالعاصمة المصرية القاهرة مع التيار السريالي بشكل لافت.

إرث حضاري

على الرغم من ذلك، فإن فناني المعرض، اختاروا له عنوانا أكثر رحابة هو “بين فضاء الواقع والحلم”، ليخرجوا من الدائرة الضيّقة للتصنيف المدرسي ضمن حركة بعينها، إيمانا بأن تمثلات السريالية في التشكيل المصري لا تعني مطابقة الوافد الغربي شكلا ومضمونا، وإنما هناك خصوصية في الأداء تنبع من التاريخ والبيئة والهوية والروح الشعبية، وملامح تعبيرية مميزة تتجلى في مزج الماضي بالحاضر واستشراف المستقبل.

ثمة ما هو مشترك بين التيارات والحركات الفنية، وإذا كانت السريالية بتفجراتها الأولى في فرنسا وأوروبا في العقد الأول من القرن العشرين تنبني على التحرر من العقلانية الزائفة وقيود الوعي والذهنية والأبنية الجامدة والتفاعل الحر التلقائي مع اللاوعي والأحلام وشطحات الخيال وما وراء الواقع الفيزيائي، فإن هذه التمثلات بعموميتها وخطوطها العريضة ليست مدعاة وحدها لتصنيف الفنان بأنه محض سريالي، لأن هذه التصوّرات الشائعة في الفن الحديث قد تعاد صياغتها في أطر وألوان أخرى متشابكة تتوخى التعبيرية والرمزية والفناتازية والأسطورية وتغوص بطرائق متعددة في فضاءات الحلم، كما في أعمال فناني معرض “أتيليه العرب للثقافة والفنون”.

احتضن المعرض أعمالا لفنانين من أجيال متلاحقة، منهم: عصمت داوستاشي، عزالدين نجيب، رضا عبدالسلام، عبدالرحيم شاهين، محمد رياض سعيد، بهاء الدين عامر، إيفيلين عشم الله، السيد القماش، وانطلق من فكرة محورية، هي ببساطة أن هؤلاء الفنانين المشاركين، كما أوضح الفنان رضا عبدالسلام منسق عام المعرض، هم متقاطعون بالفعل مع السريالية، ومتحاورون معها بشكل من الأشكال، لكنهم لا يندرجون كليّا في إطار السريالية الغربية.

صهوة الجموح والجنون لدى السيد القماش
صهوة الجموح والجنون لدى السيد القماش

إن سريالية هؤلاء الفنانين، وميتافيزيقيتهم “ذات طابع فني مصري خالص”، حيث إن كل واحد منهم “له كيان فني مستقل، وعالم غير مسبوق، شديد الخصوصية والثراء، لذا فإن التوصيف الغربي يعدّ انتقاصا من قيمة هؤلاء الفنانين وتفرّدهم”.

وفي لوحات المعرض، يمكن القول إن هذه التجارب التشكيلية الفريدة أعادت صياغة السريالية الغربية وفق إرث حضاري مغاير، وخصوصية شعبية محلية، وتجليات فردية تمكنت من فرض مذاقاتها البريئة المدهشة وصورها المتجذرة، فالسريالية تحاورت بسلاسة مع المفاهيم الفلسفية والنزعات التأملية والتلميحية والرمزية، وتلاقت مع الواقعية الخيالية، والأجواء الفانتازية والنفسانية والأسطورية، دون قطع الصلة مع الموروث، وهذا لا يعني تناقضا بقدر ما يوحي بزخم واتساع أفق، بما يثري تصوّرات السريالية المعاصرة وتشكلاتها.

وفي لوحات عصمت داوستاشي بالمعرض، الإنسان دائما الركيزة وبؤرة الاهتمام، بكينونته الحرة وماهيته الوجودية الفلسفية، وليس بملامحه وتفاصيله الجسدية، حيث حرّره الفنان من محيطه المادي وواقعه المحيط، مطلقا إياه في رحلة سحرية صوب الخيالات والأحلام، وفق تعبير بالرمز عن حالة لا نهائية من الصراعات.

تجليات مغايرة

رضا عبدالسلام: لكل مشارك في المعرض كيان فني مستقل، شديد الخصوصية والثراء
رضا عبدالسلام: لكل مشارك في المعرض كيان فني مستقل، شديد الخصوصية والثراء

في أيقونات عزالدين نجيب الصاعدة من رائحة التربة المصرية العبقة، هناك التفاتة تصوّفية روحانية إلى سحر الطبيعة بكنوزها وأسرارها وطاقاتها الخفية، بما يحيل الواقع إلى أسطورة، والحقيقة الملموسة إلى خيال، واليقظة إلى حلم، ويفتح المجال للسريالية لتتفتّح في فضاءاتها زهور الطمأنينة والتأمل.

ومن خلال تفجير الألوان كأضواء، جاءت لوحات رضا عبدالسلام سباحة في ملكوت الدهشة والفيوضات الإنسانية المتدفقة بغير سقف، فالداخلي والخارجي منفتحان على بعضهما البعض، والملموسات والمحسوسات في حوار تجريدي أبدي من أجل وضع حد لمراوغات الذات الإنسانية المستعصية على الإدراك والقنص.

أما عبدالرحيم شاهين فقد أطلق بحسه الدرامي والتصويري كائناته الأسطورية في مملكة عجائبية هو مؤسسها وحارسها، ومهندس أرضها وسمائها ورياحها وبحورها وأمواجها المتلاطمة، وبمساعدة القارب المسحور قد ينجو الإنسان من طوفان العدم، أو بالهروب إلى بطن الحوت.

وجاءت أعمال محمد رياض سعيد تمرّدا على الواقع الكائن، ليس بهدمه ورفضه، وإنما من خلال تشييد فضاء موازٍ يستوعب ما يعتمل في داخل الإنسان من آمال وتطلعات وأحلام، ورغبة في الانتقال إلى الأفضل، الذي يليق باحتياجات البشر الأساسية، وما يشبع أرواحهم الظمأى من مشاعر إيجابية.

ورسم بهاء الدين عامر متاهة الإنسان المعاصر ودوامات العصر الحديث بحس طفولي يعتمد الصدمة والمفاجأة، في الوقت الذي استدعت فيه إيفيلين عشم الله كائناتها المُوحشة من الأساطير والحكايات الشعبية الموروثة في تخيلات جديدة خلف فضاء الواقع، وامتطى السيد القماش صهوة جواده الجامح ليكون الفنان ذاته أحد أبطال الملاحم الشعبية، لتأكيد إمكانية المقاومة بالحلم.

17