مغامرات تشكيلية واعية وأخرى فجة تحت مظلة التجريب

"صالون الشباب بمصر" يعيد إثارة تساؤلات حول أبجديات المغامرة وآليات التجريب في طرح الصيغ المعاصرة في الفنون البصرية.
الاثنين 2020/01/27
تشكيلات غير نمطية من الخزف

يظل “صالون الشباب” هو الفعالية التشكيلية السنوية الأبرز بمصر، والحدث الجماعي الأكثر إثارة للجدل، بما يطرحه من اتجاهات جديدة وصيغ حداثية. وقد جاءت الدورة الثلاثون للصالون الأخير تحت عنوان “استشراف المستقبل”، رافعة شعار التمرّد، ومعوّلة على “التجريب”، ذلك الفضاء المراوغ الذي قد يقود أحيانا إلى تهويمات ومتاهات.

القاهرة - تبقى المغامرة روح الفن دائما، فمن غير الجرأة في التعاطي مع المفاهيم والنظريات، والرغبة الملحّة في تجاوز المألوف وخلخلة السائد، لا مجال للفنانين الجدد لإثبات ذواتهم والتعبير عن بصماتهم الخاصة، لكن ذلك لا يعني الشطط بطبيعة الحال، وإهدار القيم الجمالية، وقطع الصلة مع الموروث، وهنا الشعرة الفاصلة بين الحقيقي والزائف.

وقد جاءت تجربة صالون الشباب الثلاثين في قصر الفنون بالقاهرة، برعاية قطاع الفنون التشكيلية، جيدة في مجملها، حيث تمكّنت نماذج كثيرة من الأعمال المعروضة من تحقيق المعادلة الصعبة، في حين ضلت أعمال أخرى بوصلتها الهادية ومساراتها المنشودة، فوصلت إلى مزالق الشكلانية والانسداد؛ لا إلى خارطة المستقبل.

سوء فهم

الاهتمام بالشكل على حساب الجوهر
الاهتمام بالشكل على حساب الجوهر

شكّلت الدورة الـ30 من صالون الشباب بالقاهرة مساحة خصبة للتنوّع، في مجالات الفنون المختلفة: التصوير والرسم والنحت والخزف والتجهيز في الفراغ والغرافيك والفنون الرقمية (التصوير الضوئي، الكمبيوتر غرافيك) والميديا (الفيديو آرت، الفنون التفاعلية)، وذلك بمشاركة 173 فنانا عرضوا قرابة مئتي عمل، مثّلت أحدث الاتجاهات الراهنة، واستحقت الأعمال المتميزة جوائز بقرابة عشرة آلاف دولار.

وأعاد صالون الشباب إثارة التساؤلات من جديد حول أبجديات المغامرة وآليات التجريب في طرح الصيغ المعاصرة والحداثية في الفنون البصرية والتفاعلية، وما إذا كانت مقوّمات التجديد والمغايرة قد تأتت لدى الفنانين الشباب على مستوى حساسية التعامل مع الجوهر الفني، وخصوصية الرؤية وشمولها واتساعها، والوعي بتاريخ الفنون وتواصل الأجيال، أم أن الهوس بالوافد وبالأطر الخارجية قد أغرى أحيانا باصطياد الدهشة بواسطة التقاليع الزخرفية والإبهار الأجوف؟

لعل وضع ثيمة مسبقة للصالون في دورته الثلاثين “الشباب واستشراف المستقبل” كان سلاحا ذا حدّين، فمن جهة فإن هذا العنوان قد مثّل تحديا إيجابيا ومحفّزا للمشاركين لخوض الدروب غير المأمونة ونيل أكبر قدر من الحرية في التفكير والتخييل والأساليب التعبيرية، بعيدا عن الالتزام الحرفي بالقوانين المدرسية والقوالب الأكاديمية، بما دفع الفنانين الشباب إلى الانطلاق بسلاسة نحو اكتشاف ذواتهم والعالم.

مفردات الحياة الشعبية في الواقع المصري
مفردات الحياة الشعبية في الواقع المصري

على الجانب الآخر، فإن ثيمة الصالون قد أسيء فهمها لدى البعض، فلم يترجموها إلى بنى فنية ناضجة متحرّرة، وإنما أودت بهم إلى انفلات عبثي كامل من الأطر والنسب والقيم الجمالية، بل ومن أساسيات الحس الإنساني ومعطيات الاستشعار والذوق في أبسط صورها، إلى درجة اقتربت من الفظاظة والتنفير، وهو طرح ساذج لإمكانية استلاب الحواس من خلال زلزلة الصدمة وهدم أفق التوقّعات بأي بديل فج.

من أبرز الأمثلة على هذه الشطحات أعمال التجهيز في الفراغ، كما لدى مصطفى قطب، حيث جرى اختزال ما يفترض أنه فلسفة عميقة مثل ارتباط الأشياء اليومية القريبة برائحة الذكريات ورحيق المشاهد القديمة ومواقف الطفولة في تكوينات ضحلة لا تحقّق المراد (ملابس وحقائب وصور معلّقة بمشابك على حبل  غسيل)، وممّا زاد حدة المفارقة لجوء الفنان إلى لافتة يشرح فيها فكرته، وكأنها بحاجة إلى تفسير وتبرير.

من هذه الأمثلة كذلك عمل الفنانة روان عباس، الذي أقدمت على شرحه بدورها في لافتة مضحكة بعنوان “فلسفة العمل”، أشارت فيها إلى أن هذا التجهيز في الفراغ قائم على التعلّق بفكرة إلى درجة الهوس والتشتّت، اللذين يُحدثان خللا في العلاقات، وعلى تلك الحالة من الإحباط والاضطراب التي تقود إلى العشوائية الفكرية والهلع! أما العمل نفسه، فمزيج من الخيوط الحمراء والأقمشة الممزقة والصور والرسوم والأوراق السوداء المعلّقة على حائط كبير أبيض، لتجسيد المفارقة، وافتقر العمل كلية إلى الجاذبية والإقناع.

مساحة للتنوع

"صالون الشباب بمصر" يكشف الشعرة الفاصلة بين الحقيقي والزائف
"صالون الشباب بمصر" يكشف الشعرة الفاصلة بين الحقيقي والزائف

لكن بعيدا عن هذه الرهانات الخاسرة، احتوى صالون الشباب العشرات من التجارب الواعدة، الهاضمة تطورات حركة التشكيل بمصر، الساعية إلى إحداث إضافة إلى المشهد الثري الحالي، خصوصا في مجالات التصوير كما لدى: نهلة إبراهيم، محمد حسين عبدالباقي، مصطفى سيف النصر والسيد عطا، وفي النحت الذي أتاه الفنان أحمد مجدي، ورسومات سارة قنديل ودعاء عبدالواحد، والكمبيوتر غرافيك لدى منى فودة، والتصوير الفوتوغرافي لمصطفى عامر والخزف لكل من أحمد الحسيني وصفاء عطية.

هذا الطموح المشروع من الفنانين نحو بلوغ آفاق جديدة من خلال استكمال البناء على ما سبق، وليس هدمه، قابله استقبال طيب من حضور الصالون، الذين لم يستشعروا غربة عن أعمال غير متعالية، نهلت من الرموز والوجوه المصرية عبر العصور، ومفردات الطبيعة وعناصرها، وخامات البيئة الشعبية المألوفة، وجسّدت معاناة البشر من العاديين والبسطاء إزاء واقع قاس مرتبك، تحكمه المادية والانتهازية وتهمين عليه الآلية والتسليع والمعاملات الجافة الباردة.

بقيت مفارقة أخيرة في صالون الشباب بالقاهرة، هي أن الفنانين الجدد سلكوا في تصوراتهم المتعلقة بـ”المستقبل” (ثيمة المعرض) اتجاهين أساسيين، متضادين تماما، على أن كل فريق قد أبلى بلاء حسنا في تمرير وجهة نظره من خلال الرؤية الفنية.

فالغد القريب والبعيد وفق البعض هو الحلول التقنية وإفراط البشر في تدبير أمور حياتهم وفق معادلات منضبطة وحسابات مدروسة وخطط صارمة، بينما هذا الغد لدى آخرين هو ارتداد الكائن الآدمي الضعيف المرهق إلى حضن الأرض الأم، كصلصال بدائي نقي بحاجة إلى المحبة والدفء والاطمئنان.

17