معرض الرياض: غياب الصحوة وحضور الشابات في جوار الشبان

معارض الكتب في السعودية مرت بالكثير من التحولات وكانت ساحة حامية لصراع القوى والتيارات الثقافية في المجتمع.
الخميس 2019/03/21
الثقافة تمنح الحياة ألوانا جديدة

راج سابقا مقطع فيديو من معرض الرياض الدولي للكتاب، فيه يصرخ أحد أعضاء تيار الصحوة المتشدد دينيا في وجه أحد الناشرين، ممسكا بكتاب لقصائد محمود درويش، وصارخا بأن هذا الشعر كفر، داعيا على الناشر الصامت “قبّحك الله”. مشهد ثار ضده الكثير من الكتاب والناشرين والجمهور في السعودية وخارجها، ضد قمع الإبداع بهذه الصورة المبتذلة، ولكنه مشهد من الماضي، لن نراه مجددا في معرض الرياض، مع إبعاد هؤلاء المتشددين عن رقاب الناس والثقافة. وفي إطلالة على معرض الرياض للكتاب هذا العام توقفت “العرب” مع مجموعة من الأدباء والكتاب لمناقشة التحولات الثقافية والاجتماعية السعودية التي انعكست على معرض الكتاب.

المتابع لـ معرض الرياض الدولي للكتاب منذ أن كان في أروقة جامعة الملك سعود حتى يومنا هذا، يدرك أن توفّر الكتب الحقيقية كان أشبه بترويج للممنوعات، فهي -وإن فلتت من يد الرقيب الإعلامي- لن تفلت على الأغلب من مصيدة المتشددين الذين يمشّطون المعرض ذهابا وإيابا لكتابة تقاريرهم لإعلام المعرض، الذي يقوم بدوره -بسبب سطوة الصحويين- بمصادرة أو منع الكتب المبلّغ عنها. ولعلنا نتذكّر كتب الفلسفة والشعر والموسيقى والرواية والفكر، أو تلك الكتب المتعلّقة بالفقه المتخفف وعقائد المذاهب، أو حقول المرأة وحجابها وولاية أمرها، وكيف كانوا يتعاملون معها ومع كتّابها.

الآن، أصبحنا نواجه هذه الكتب على أرفف المعرض علانية دون خوف أو توجّس، بل إن إحصائيات النشر تخبرنا بأن كتب نقد الفكر الديني المتشدد وفضائحيات تيار الصحوة وحقوق المرأة في السعودية أصبحت هي الكتب الأكثر مبيعا وحضورا.

وبالطبع، على هامش حضور الكتب غاب المحتسبون، وغابت معاركهم مع رواد ورائدات المعرض تحت حجج الاختلاط المحرّم، وعدم جواز حديث الرجل مع المرأة حتى في منصات التوقيع التي كانوا يحرصون على تواجدهم كوسيط شرعي بين الكاتب والقارئات، أو بين الكاتبة والقرّاء.

مراحل التغيير

يرى القاص طلق المرزوقي أن معارض الكتب في السعودية مرّت بالكثير من التحولات خلال الثلاثين سنة الأخيرة، وكانت ساحة حامية لصراع القوى والتيارات الثقافية في المجتمع. ويقول “أكثر القوى سيطرة وشراشة هي القوى الإسلامية، خاصة إبان فترة الصحوة ممّا أعاق امتداد الخطاب الثقافي الرصين في الفضاء الاجتماعي، وعطّل خلق وعي اجتماعي يؤمن بالتعدد. ويمكن القول اليوم إن الوضع اختلف كثيرا وذلك بسبب التدخل الرسمي القوي من قبل الدولة. ويبدو أن الأمور بدأت تعود إلى نصابها من جديد، واختفى عنف المتأسلمين داخل معارض الكتب، لكن يبدو لي أن ظاهرة العنف الديني لم تختف وإنما بدّلت استراتيجياتها، وهي الآن في حالة كمون مؤقت، ولا يلبث أن يظهر العنف في أشكال أخرى قد تكون ألطف وأكثر نعومة من ذي قبل. وفي ظني أنه لمنع ظاهرة العنف من العودة من جديد يجب علينا إعادة تفكيك منظومة الأنساق الكامنة في خطاب الدين نفسه، وهذا الفعل مناط بالجامعات، خاصة كليات العلوم الإنسانية”.

ويؤكد الكاتب عمر الفوزان أن المعرض مرّ بثلاث مراحل؛ الأولى كانت بمثابة العقد الاجتماعي بين السياسي والمتشددين، والثانية تمثّلت في وزارة الثقافة والمتشددين بسكوت السياسي، أما الثالثة فتتمظهر في الإرادة السياسية لمنع العبث، والتي بدورها كبحت جماح المتشددين.

ويوضح ذلك بالقول “إن أي إصلاح ثقافي يتطلب إرادة سياسية جادة وصادقة وقوية تسنّ الأنظمة والقوانين التي تكبح جماح كل من يقف ضد هذا الإصلاح كي يعيق مساره”.

ويتابع “كانت الكتب تصادر من الحدود وهي كتب ليست سياسية كالروايات مثلا، وكتب الفكر والفلسفة دون ضوابط وفق صلاحية مطلقة لرجل الجمارك والمسؤول عن الإعلام في مصادرة أي كتاب لا يتوافق معهما. وكان المتشدد يسرح ويمرح بالمعرض فهو الرقيب الأول الذي غالبا ما تنفذ رغباته. أما اليوم بوجود إرادة سياسة جادة وصادقة نحو الإصلاح الثقافي لم يعد السياسي يتهاون مع عبث المتشدد بالمعرض حيث سنّت أنظمة وقوانين تمنع العبث”.

وفي الشأن نفسه يقول القاص محمد أحمد عسيري “عندما ذابت الحواجز والعراقيل التي وضعت بحجة نشر الفضيلة اكتشف الجميع أن كل شيء على ما يرام. يظل الرهان على الإنسان بوعيه وإدراكه وتحضّره؛ متى ما أعطي الفرصة ليتحرك بحرية ويفكر بلا قيود أو دون سلطة قمعية تفكر عنه وتختار له الكتاب الذي يقرأه والمجتمع الذي يندمج فيه، فإننا في النهاية سنجد ببساطة مناخا طبيعيا ومتسامحا يربّي فينا ثقافة المسؤولية الذاتية واحترام التنوع بكل أطيافه”.

الشباب والانفتاح

ترى الشاعرة هدى المبارك أن التغيرات الحاصلة طبيعية في المجتمعات المدنية التي تخضع للتغير، والمسألة -في نظرها- مسألة وقت فقط، وتقول “بالنسبة إلى معرض الرياض هذا هو وقته، رغم الضغوطات السابقة إلا أن المعرض كان من المعارض الأعلى إقبالا في المنطقة، ربما للأسباب الجغرافية أو الاقتصادية أو حتى اختلاف توزيع الكتب الصادرة من الدول العربية على مناطق المملكة والمكتبات السعودية”.

ومن جانبها تقول الشاعرة شيماء العبدالجبار “ما كان يخطر على البال أن يرى هذا التغيير الجذري على أرض الواقع، لطالما كان حلما لسنوات طوال، كان الحصول على الكتب صعبا جدا؛ يتكبد القارئ من ورائه خسائر مادية (مصادرة الكتب من وزارة الإعلام وارتفاع أسعارها بحكم أنها ممنوعة) ومعنوية من انتظار وصولها من عدمه، وكان الحصول على بعضها لإكمال البحوث الجامعية أثناء الدراسة أو للإثراء المعرفي الشخصي مستحيلا، خاصة إذا كان المؤلف في القائمة السوداء أو موضوع هذه الكتب لا يتناسب مع آراء المتشددين الذين يحكمون قبضتهم ككماشة على المعرض سنويا بمصادرة كتبه أو مضايقة مرتاديه”.

وتستأنف حديثها “اليوم نشهد تغيّرا، فالمعرض أصبح هو القبلة والمتنفس للقراء خاصة مع تشدد الرقابة في الكويت خلال السنوات الأخيرة. المعرض هذه السنة يحتضن جميع التوجهات المختلفة”.

وفي الشأن نفسه يشير القاص عبدالله الدحيلان إلى أن التغيرات المجتمعية التي اجتاحت السعودية خلال السنتين الماضيتين، انعكست بشكل مباشر على المشهد الثقافي، سواء في مؤسساته الخاصة، مثل الأندية الأدبية وفروع جمعية الثقافة والفنون، أو فعالياته مثل المعارض والمؤتمرات والملتقيات، كان ذلك تحديدا على مستوى الشكل، من ناحية نوعية الحضور أو العزف الموسيقي، مما ساهم بشكل أو بآخر في انتعاش تلك المحاضن الثقافية بعد عقود كانت فيها حبيسة التقليدية؛ تجنبا لأي تصادم قد يقع مع أطراف محافظة ترفض هذا السلوك أو ذاك.

ويخلص الدحيلان إلى أنه “لم يكن معرض الكتاب الدولي بالرياض أو بجدة استثناء من ذلك الانفتاح الاجتماعي. ولكن يجب هنا أن نشير إلى نقطتين بهذا الخصوص، الأولى: أن معرض الكتاب كان دائما عصيّا عن سيطرة الفكر المتشدد، إذ كان يسجل حالات تمرد نابعة من الحضور النوعي لمثل هذه التجمعات، ومن جهة أخرى، الضوء الأخضر نسبيا الذي كانت تتكفل به مؤسسات الدولة الرسمية، وعلى رأسها وزارة الثقافة والإعلام سابقا، والتي كانت سنويا تزيد من جرعة الانفتاح وتحاصر الانغلاق بالاستعانة بأدوات السلطة للتنفيذ. ثانيا، أن التغير الذي لحق بمعرض الكتاب لم يتجاوز الشكل، إذ لا يزال المحتوى حبيس القيود ومقص الرقيب”.

ومن جانبها تقول الشاعرة هدى الدغفق إن “التحولات كثيرة ومستساغة جدا، فبالنظر إلى ما يحصل في المعرض نلمح مجاميع من الشباب السعوديين الذين تطوعوا لتقديم ورش في الانفوغرافيك والنشر والقراءة وخرائط العقل والمعرفة وتفعيل دور المنصات”.

وتختتم الدغفق بالقول “تضامن الشابات مع الشباب في إنجاح المعرض جنبا إلى جنب في حد ذاته يشكل لوحة مبهرة لم نتوقع أن نراها بهذا الجمال وهذه السرعة. عدا عن حواراتهم ومداخلاتهم التي تتردد في الندوات والورش والممرات، وتنمّ عن قراءة واثقة ووعي عميق”.

إقبال واضح على كتب الفلسفة والروايات التي تحمل مضامين فكرية
إقبال واضح على كتب الفلسفة والروايات التي تحمل مضامين فكرية

اقرأ أيضا:

14