مطالبة التظاهرات العراقية بالسلمية لعبة جديدة للإجهاز عليها

العراقيون يتساءلون عن القوات الإيرانية التي دخلت الأراضي العراقية عشية الاحتفال بأربعينية “الحسين” بكربلاء وتعدادها 2700 من قوات مكافحة الشغب، ولم يلاحظ خروجها.
الأحد 2019/11/10
هروب من القنص

في محاولة لإخراج حكومة عادل عبدالمهدي والأحزاب القائدة للعملية السياسية من أزمتها الحالية تحاول إيران عن طريق ممثلها الجنرال قاسم سليماني تقديم خبراتها الطويلة في حروب قمع الشعوب رغم تعقيدات وخصوصيات الأزمة العراقية التي وصلت إلى مأزق مغلق.

ثمة لعبة جديدة يتم الاشتغال عليها حالياً لتوظيف شعار “السلمية ” الذي رفعه المتظاهرون في انتفاضتهم من الأول من أكتوبر الماضي وتصوير المشهد على النحو التالي: قطاع كبير من المتظاهرين يمارس الأسلوب السلمي للمطالبة بحقوق مشروعة من قبل الحكومة التي تؤيد تلك المطالب المحدودة، فيما يوجد قطاع آخر مدسوس يستخدم العنف المسلح ضد القوات الأمنية، وهذا التفسير المغرض عبر عنه رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي حين قال في أحد خطاباته بأننا نواجه في التظاهرات جيشاً منظماً له قيادة ومنتسبون يرتدون الملابس العسكرية و”الخوذ “، فيما لم يعرض على الشعب ما يؤيد مثل هذه المزاعم التي يكذبها الجمهور المنتفض في ساحة التحرير ببغداد أو ساحات المحافظات الأخرى.

 إن خرق السلمية قد حصل من قبل القوات العسكرية والأمنية والنتائج هي مقتل ما لا يقل عن 269 متظاهرا وجرح أكثر من خمسة عشر ألفا، حسب تقارير منظمات حقوق الإنسان المحلية، التي اتهمها الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة بأنها “مسيّسة”، وكذلك منظمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التي أصدرت في الثامن من الشهر الجاري تقريرها الصادم وتوصياتها إلى حكومة بغداد “بضرورة ضمان التزامها بحماية ممارسة الحق في التجمع السلمي وهذا يعني اتخاذ خطوات وقائية لحماية المتظاهرين من العناصر المسلحة، وكذلك إصدار تعليمات واضحة لقوات الأمن بالالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة باستخدام القوة، بما في ذلك على سبيل المثال الحظر الصريح لإطلاق النار واستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع مباشرة ضد المتظاهرين”.

 في المواجهة الحاصلة حالياً هناك طرفان، الأول جمهور الانتفاضة السلمية المتمركز حالياً في العاصمة بغداد والبصرة وكربلاء والناصرية، والطرف الثاني الأجهزة الأمنية والعسكرية الحكومية وقوات متخفية من الميليشيات حيث يتساءل العراقيون مثلا عن القوات الإيرانية التي دخلت الأراضي العراقية عشية الاحتفال بأربعينية “الحسين” بكربلاء وتعدادها 2700 من قوات مكافحة الشغب الإيرانية وفق تصريحات حكومية، ولم يلاحظ المراقبون خروجها من العراق كما لم تعلن الجهات الرسمية الإيرانية ذلك.

الطرف الحكومي الذي يمارس قمع المتظاهرين يمتلك إمكانيات لوجستية هائلة هي إمكانيات دولة من أسلحة فتاكة وقنابل مسيلة للدموع قاتلة للبشر لمواصفاتها الخطرة، وكذلك رجال عسكريون مدربون ضمن القوات الأمنية وجهاز مكافحة الشغب، وآخرون يختفون تحت الأقنعة والملابس السوداء لديهم تجربة الحرس الثوري الإيراني في قمع الشعب السوري واليمني والشعوب الإيرانية.

وهناك إمكانيات وتقنيات إعلامية كبيرة مسخرة لتوصيل خطاب شيطنة الانتفاضة الشعبية وتقزيمها إلى مجرد تظاهرات مطالبة ببعض الحقوق، كما تتوفر لدى المؤسسة الحاكمة إمكانيات لقطع الإنترنت عن المواطنين العراقيين بينما هي لديها بوارج خاصة تغذي محطاتها من شبكة الإنترنت والتواصل الاجتماعي للتواصل مع العالم الخارجي، فيما يحرم منها العراقيون، وهي لعبة لا تستخدم إلا في أوقات الحروب وفي أزمات انتفاضات الشعوب الثائرة، أما الشباب المنتفضون فلا يمتلكون في مواجهة جبهة القتل سوى صدورهم العارية وشعارات “نريد وطنا وإيران برة برة” في إصرار على تنفيذ مطالبهم بالتغيير السياسي الشامل.

ولاستكمال اللعبة الجديدة الموازية لأسلوب القمع والقتل الميداني يقوم رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي بتنفيذ خطة حماية حكومته من وهج الانتفاضة عبر وعود نظرية بالإصلاح إلى جانب الأحزاب ومؤسسات الحكومة المؤيدة لذلك. هدف الخطوات الجديدة هذه إحداث انقسام وشرخ في الجبهة الشعبية العراقية المنتفضة في مواقعها المختلفة وفي مقدمتها “ميدان التحرير” وخلق إرباك لوجستي وسياسي وانقسام وتخلخل في صفوف المتظاهرين باستغلال الاختلاف في الشعارات ما بين الاستجابة للحكومة ببعض المطالب الجزئية وما بين المطالبة برحيلها ومواصلة التغيير الشامل.

ويبدو أن هذه اللعبة الجهنمية لم تحقق أهدافها رغم التكثيف الخطابي من قبل عادل عبدالمهدي والمسؤولين في الأحزاب وبعض المريدين، لكن الوجه الحربي يعبر عنه مثلاً مستشار الأمن الوطني (فالح الفياض) بأن حكومته ستحارب ما وصفه بـ“محاولات إسقاط الدولة”، في إشارة ضمنية منه إلى الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها مدن وسط البلاد وجنوبه.

ويسخر الدكتور ياسين البكري الأستاذ في جامعة النهرين من نظرية العنف المسلح ضد المتظاهرين لتغطية تلك الجريمة بقوله “مطالبة التظاهرات بالسلمية من قبل الخندق المقابل إنكار لحقيقة أنها كذلك، سلمية كانت وما زالت، ومحاولة إنكار وقحة لحقيقة من بادر بالعنف، ومسعى لتمييع وتغييب الفاعل في جريمة قنص المتظاهرين وتورية على أرقام الضحايا، فالمئات من الشهداء والآلاف من الجرحى لم يكونوا نتاج صدامات بينية لمتظاهري ساحات التحرير والتظاهر في بغداد والمحافظات الأخرى، بل كان فعلاً ممنهجاً من قبل السلطة ضد المتظاهرين”.

إذا كانت الحكومة تعترف بأن نسبة 98 بالمئة من التظاهرات سلمية فلماذا تقترف هذه الجريمة بقتل المتظاهرين؟

4