مصطفى الكاظمي.. رجل الجميع الصالح لكل الدول

الكاظمي رجل الجميع الذي لم يظهر مثله في الكون وهو قادر على تدبير التسويات وتحقيق الترضيات بين الخاسرين والرابحين ولا أحد سيخرج من لقائه إلا راضيا عنه بمن فيهم القاتل والقتيل.
السبت 2021/10/02
رجل الجميع الذي يستطيع أن يُرضي كل زبائنه

تُجانب سهام الأحزاب الطائفية والكردية في العراق نقد الرئيس برهم صالح ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، لأن الأول ذو منصب شرفي ورمزي، ولأن الثاني سعى لإرضاء الجميع، فإن لم يحصل على شكرهم، فها هو على الأقل ينجو من سهامهم.

صالح والكاظمي لا تدور حولهما شبهات فساد بالمعنى الشخصي. وهذه تكاد تكون ميزة استثنائية في عراق الفساد الجديد منذ نشأته في العام 2003 حتى الآن. فكل الذين تولوا مراتب المسؤولية الأولى إما أصبحوا أساطين ثراء بعد جوع، أو أنهم وفروا لأحزابهم ولوليهم الفقيه من أموال العراق ما منحهم القوة لكي يفرضوا الهيمنة على الشارع والدولة، العميقة منها والتي في السطح. ولقد نهبوا ما يقدر بنحو 750 مليار دولار قيل إنها “اختفت” من السجلات الحكومية، 500 مليار منها في عهد نوري المالكي وحده.

الكاظمي لبس جميع الأثواب، حتى كاد يُنظر إليه على أنه طماطم يصلح لجميع الطبخات الطائفية والميليشياوية والولائية والمخابراتية والوطنية والعروبية وغيرها. وحتى لكأنه “قاسم مشترك” للجميع، وحتى لكأن بقاءه في المنصب ثمرة طبيعية يمكنها أن تمثل الواقع الراهن، كيفما يمكنه أن يكون. وهو مستعد لتقديم الخدمات لكل غالب من موقعه الملتبس بالذات.

مصطفى الكاظمي مؤهل بتلونه وقدراته على التجاوب مع كل الأجندات على أن يمثل الجميع

والالتباس مناسب تماما للعقلية الباطنية التقوية التي تقول شيئا وتفعل آخر. وهو ما يجعله رجل خدمات لتقديم كل الصور. حتى نوري المالكي يمكن أن يجد فيه بديلا عمليا إذا ما تقدم حزبه في صفوف الفائزين في الانتخابات المزمع إجراؤها في العاشر من الشهر المقبل. فهو يستطيع أن يجعل السجلات تغفل عن 500 مليار أخرى (يعني لا مليار ولا مليارين) بينما يظل الكاظمي في منصبه كممثل للنزاهة. ويستطيع أن يجعل من ولائه للولي الفقيه احتلالا تاما لكل جزء من العراق، بينما يتكفل الكاظمي بتقديم الصورة العروبية التي تفتح الطرق والأبواب على الاستثمارات العربية.

والقصة كلها إنما تكمن هنا. فالعراق الذي جعله الولائيون مفلسا، كان هو السبب الذي برر الاستعانة بوجه يمتلك القدرة على تمثيل كل الوجوه.

وبما أن العراق يُصدر نحو 100 مليار دولار من النفط سنويا، وبما أن إيران تريد أن تنهب عن طريق ميليشياتها وعصاباتها نصف هذا المبلغ سنويا على الأقل، فإن البديل الوحيد المناسب هو الكاظمي الذي يمكنه أن يحقق أجندة اختفاء المال من دون نوري المالكي، كما يمكنه بفضل عروبيته أن يستجلب استثمارات عربية تغني الدولة العراقية عن أن تستثمر بنفسها، كما يستطيع أن يستميل الولايات المتحدة فلا تقف حجر عثرة أمام حاجته للمزيد من القروض التي تدخل في صناديق النهب المنظم، وهو مناهض لدولة العصابات، رغم أنه رئيس وزرائها، بما يكفي لإقناع الشركات الأجنبية بأن البلاد تعيش في أمان تام، كما أنه يستطيع أن يلقي القبض على المجرمين ثم يطلق سراحهم، وهكذا.

ولولا العيب، لكان على كل الأحزاب الطائفية والولائية وكل العصابات وكل القتلة وكل العملاء وكل العروبيين وكل المستثمرين وكل المقهورين أن يرفعوا صورة مصطفى الكاظمي ليكون زعيمهم وممثلهم ووكيل أعمالهم. أولا، لأنه وطني من ناحية وولائي من ناحية أخرى. وثانيا، لأنه نزيه، بالمعنى الشخصي، ولكن يسمح بالثقوب الإجرائية التي تمر منها المنهوبات. وثالثا، لأنه مسكين، بلا حزب يدعمه، ولا ميليشيا تحميه مما يجعله بحاجة إلى الجميع. ورابعا، لأنه بلا برنامج سياسي خاص به، ما يجعله مؤهلا لكي يتبنى أي برنامج. وخامسا، لأنه لا يملك من دنياه إلا راتبه.

فبينما يتقاضى الرئيس الأميركي زعيم أكبر اقتصاد وأقوى دولة في العالم راتبا سنويا لا يتجاوز 400 ألف دولار (زائد بدلات نفقات وسفر تبلغ 169 ألف دولار)، فإن رئيس الوزراء العراقي، زعيم واحدة من أكثر دول العالم فسادا، ومن بين أكثرها إفلاسا وضعفا، يتقاضى 780 ألف دولار سنويا.

أما الرئيس العراقي، ذو الواجبات الرمزية، فإنه يتقاضى راتبا رمزيا يبلغ 876 ألف دولار سنويا، حتى ليتمنى الرئيس جو بايدن أن يكون رئيسا للعراق بدلا من الهّم الذي يعيش فيه.

مصطفى الكاظمي مؤهل بتلونه وقدراته على التجاوب مع كل الأجندات على أن يمثل الجميع. ولكي لا يبدو الأمر ظلما، فإنه مؤهل، مع هذا الجمع كله، لأن يمثل مصالح العراقيين أيضا.

إنه رجل الجميع الذي لم يظهر مثله في الكون. أينما وضعته فإنه يعمل بنفس الولاء والإخلاص. وهو قادر أيضا على تدبير التسويات وتحقيق الترضيات بين الخاسرين والرابحين. ولا أحد سيخرج من لقائه إلا راضيا عنه بمن فيهم القاتل والقتيل. أفهل رأيته يسجن قاتلا ولم يطلق سراحه؟ أفهل رأيته لا يوفي التسويات حقها مع أهل القتيل؟

ولا عجب من بعد ذلك كله أن أحدا لا ينتقده، لأنه ما من أحد إلا ويجد فيه شيئا مما يرغب به.

العراق الذي جعله الولائيون مفلسا، كان هو السبب الذي برر الاستعانة بوجه يمتلك القدرة على تمثيل كل الوجوه

لقد عرف العراق من القادة الكثير، بألوان وغايات شتى، ولكنه لم يعرف نموذجا مماثلا لمصطفى الكاظمي. ولو أنك رشحته لتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة فإنه سيكون خير ممثل لكل دول العالم ولكل المافيات ولكل الشركات، وسيكافح أزمة المناخ، على سبيل المثال، بنفس الإخلاص الذي يخدم به الذين يلوثون المناخ. ويبقى الكل راضيا عنه. وسوف يفوز بالولاية تلو الأخرى حتى ليمكن أن يُطلب منه تولي المنصب ثلاث مرات بدلا من مرتين. وربما رابعة أيضا.

شيء واحد يبقى ظاهرا على طول الخط لا يتبدل، هو أن الخراب الذي صار رئيسا للوزراء عليه، سيظل هو نفسه الخراب.

ما الذي تغير في العراق منذ أن تولاه الكاظمي؟

تأمّل في الصورة جيدا وسترى أن الأزمة باتت أسوأ مما كانت. وهو نجح في قتل الاحتجاجات من دون أن يحد من سلطة الجريمة. والفساد الذي قال إنه سيحاربه صار هو الذي يسعى للفوز في الانتخابات المقبلة. والعراق الذي نام تابعا لإيران سيصحو تابعا، والـ500 مليار التي اختفت في عهد نوري المالكي ستظل تختفي.

عاش مع حسن روحاني فأرضاه. وعاش مع إبراهيم رئيسي فأرضاه، كما أرضى السعودية ولم يزعل عليه بشار الأسد. وأخرج العراق من دائرة العقوبات ضد إيران (ليصنع ثقبا أسود فيها) من دون أن يخسر رضا دونالد ترامب ولا خلفه جو بايدن.

إنه رجل الجميع الذي يستطيع أن يُرضي كل زبائنه.