مصر تعيد تنظيم مراكز حفظ القرآن لسد منافذ التطرف

المؤسسة الدينية تختبر محفّظي القرآن نفسيا وسلوكيا وفكريا لوقف تجنيد المراهقين والشباب.
الاثنين 2020/08/17
قطع الطريق على الأفكار التكفيرية

السيطرة على الفضاء الديني إحدى أولويات السلطة المصرية في المرحلة الحالية، وهي تنتهج في ذلك سياسة متدرجة لحساسية هذا الملف لدى المجتمع المصري، ومن أبرز الخطوات في هذا السياق إعادة تنظيم مراكز تحفيظ القرآن والكتاتيب التي تعتبر أحد المنافذ لتسرب الأفكار المتشددة واستقطاب الأجيال الجديدة.

تسابق المؤسسة الدينية في مصر الزمن لإحكام قبضتها على مراكز تحفيظ القرآن، لوقف توظيف السلفيين لها كمساجد بديلة، من خلال استقطاب أكبر عدد من الأطفال والمراهقين والشباب بذريعة تحفيظهم القرآن ثم تتحول الجلسات إلى ما يشبه الخطب الدينية التي يتحول فيها المحفّظ إلى خطيب ينشر ما يشاء من أفكار ومعتقدات.

ووضعت الجهات الدينية الرسمية اشتراطات ومعايير صارمة للراغبين في العمل كمحفظين للقرآن، أو المتقدمين لفتح كتاتيب، على أن يخضع هؤلاء لاختبارات فكرية ونفسية وسلوكية، مع تقديم كل ما يلزم من معلومات شخصية لتكون أمام المؤسسة الدينية فرصة للتحري عن أفكارهم وتوجهاتهم ومدى انتمائهم لتيارات دينية متشددة.

وتُتهم الكثير من الكتاتيب القرآنية بانحرافها عن الدور المرجو منها وتتحول إلى بؤر لاستقطاب شريحة من الشباب لضمهم إلى تيارات متشددة، عبر تلميع التنظيم التابع له المحفّظ، وتشجيع الانضمام إليه، وتقديم حوافز لمن يؤمنون بأفكاره ويلتزمون بتوجهاته.

وتخوض مصر حربا متعددة الأوجه والأبعاد على التنظيمات الجهادية التي وجدت في ارتدادات ما سمي بالربيع العربي منفذا للتغلغل محاولة ضرب استقرار مصر. ولا تنحصر المواجهة مع هذه التنظيمات على البعد العسكري على أهميته، أو التنظيمي والفكري، في ظل قناعة سبق وعبر عنها الرئيس عبدالفتاح السيسي في أكثر من مناسبة بأن اجتثاث التطرف يستوجب وضع مقاربة شاملة.

باب خلفي ينفذ منه التطرف

جيل مستهدف
جيل مستهدف

تتعامل المؤسسة الدينية مع ملف المدارس القرآنية بحكمة وعقلانية دون صدام مباشر، لأن المجتمع لن يقبل بذلك، بحكم التعاطف مع هذه المراكز باعتبارها “محصّنة” من الاستهداف مهما كان الانتماء الفكري لأصحابها، لأن المساس بها قد يعتبر من وجهة نظر الأغلبية، موجها ضد الدين الإسلامي.

واعتادت تيارات إسلامية متشددة، التعامل مع الكتاتيب على أنها الباب الخلفي الذي تنفذ من خلاله لاستقطاب الشباب والمراهقين والوصول إلى أسرهم، بعد إقصائهم من العمل في المساجد كأئمة وخطباء، فضلا عن التضييق عليهم سياسيا، ووجد هؤلاء في مدارس تحفيظ القرآن طريقا للتخفي في عباءة دينية تقبلها الأغلبية وتتعامل معها بنوع من القدسية.

وتنتشر مراكز تحفيظ القرآن في مساجد الجمعيات الشرعية والأهلية التي كان يسيطر عليها السلفيون قبل الاستحواذ عليها كليّا من جانب وزارة الأوقاف، لكنها لم تنجح بعد في إنهاء الوجود السلفي الذي يتفنن في تقديم نفسه على أنه الأساس في تحفيظ القرآن بشكل يتناسب مع السنة النبوية، كمدخل لاستمرار نفوذه داخل هذه المساجد.

أصبح معتادا أن تجد تجمعات شبابية كبيرة داخل الكثير من المساجد، يجلس أمامهم شخص ذي لحية، يقوم بتحفيظهم القرآن، ويعقب ذلك تفسير الآيات وفق رؤيته وأفكاره التي يؤمن بها دون رقيب أو حسيب، وينتهز الفرصة لتلقين طلابه ما يشاء، فإن كان وسطيا يزرع في عقولهم ذلك، وإن كان متشددا فيزرع فيهم التشدد بسهولة.

صحيح أن وزارة الأوقاف تمنع تحفيظ القرآن بشكل عشوائي داخل المساجد، وتعاقب الأئمة والخطباء الذين يسهلون هذه المهمة، لكن تماهي بعض المسؤولين عن دور العبادة مع السلفيين جعلهم يتمردون على قراراتها، ويفتحون المساجد أمام الراغبين في تحفيظ القرآن بذريعة أن ذلك واجب شرعي.

وتنتشر كتاتيب تحفيظ القرآن في المناطق الريفية والشعبية، ويكون فتحها وتحصينها من التضييق الرسمي نابع من الأهالي أنفسهم، وهذه أكبر معضلة تقف في وجه المؤسسة الدينية التي ترغب في تحول الكتاتيب إلى بيئات تعليمية دينية موازية يستثمرها السلفيون لتعويض خسائرهم في المساجد، وحصارهم سياسيا ودعويا.

مدخل للاستقطاب

أسماء بارزة اكتسبت ثقافتها الدينية من الكتاتيب

  • عصام العريان: قيادي في جماعة الإخوان في مصر توفي قبل أيام داخل السجن نتيجة أزمة قلبية
  • عمر عبدالرحمن: أمير الجماعة الإسلامية
  • جابر ريان: عضو في الجماعة الإسلامية
  • محمد خليل الحكايمة: قيادي سابق في تنظيم الجهاد قبل أن ينضم إلى تنظيم القاعدة
  • محمد سعد نورالدين: أحد قادة الجناح المسلح داخل جماعة الإخوان في مصر

تبدأ الكتاتيب السلفية، الدعاية لنفسها على أن دورها يرتكز على تحفيظ القرآن، ثم تتحول تدريجيا إلى مدارس تقدم تفسيرات واجتهادات منحرفة، ولا تمانع في وضع مناهج تعليمية تنشر من خلالها أفكارها وتوجهاتها، وتنشط خلال فترات الإجازات الصيفية، لأن الطلاب بعيدون عن المدارس ويمكنهم استغلال الفرصة لحفظ أجزاء من
القرآن.

وتسعى المؤسسة الرسمية من وراء ضبط منظومة الكتاتيب، إلى غلق غير المرخص منها، وإقصاء أصحاب الفكر المتشدد ووقف تجنيد الشباب داخل تنظيمات إسلامية متطرفة تصارع من أجل البقاء في المشهد والنفاد إلى الشارع بأي وسيلة ممكنة، حتى لو كان تحفيظ القرآن وتفسيره بشكل خاطئ، مدخلا لتحقيق الهدف المرجو.

تكمن المعضلة في أن السلفيين يركزون جهدهم على استقطاب أبناء الطبقة البسيطة والكادحة للانضمام إلى الكتاتيب، حيث يقدمون خدمة تحفيظ القرآن مجانا أو بمقابل رمزي، لتحفيز الأهالي على إرسال أبنائهم. ولأن هذه الفئة أغلبها غير متعلمة جيدا، نشأت على توقير واحترام الشيوخ من ذوي اللحي، وتنظر إليهم بثقة عمياء.

وقال أحمد سلطان الباحث والمتخصص في شؤون جماعات الإسلام السياسي، إن الإخوان والسلفيين تعاملوا مع الكتاتيب القرآنية باعتبارها أسهل وسيلة لاستقطاب الأشبال، ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها مرحلة التجنيد، وهناك بالفعل عناصر داخل التنظيمين مهمتها استمالة أكبر قدر ممكن من المراهقين. وأضاف سلطان في تصريحات لـ”العرب”، أن البداية تكون بالدعوة إلى حفظ كتاب الله، ثم الاستماع إلى تفسيرات متطرفة، ويتبع ذلك دعوة الشاب إلى الاجتماع مع مجموعات ليزيد معارفه الدينية، ثم يجد الشاب نفسه عضوا داخل التنظيم دون أن يدري، وبعدها يتجه إلى إقناع أسرته وأصدقائه ممتدحا الخطوات التي قام بها.

وأوضح أن خطورة الكتاتيب العشوائية في إدارتها من جانب عناصر لها توجهات فكرية تؤمن بالتمييز والعنصرية والطائفية والإقصاء كمدخل للبقاء، ولديها قدرة فائقة في تهيئة ذهن الصغار للعداء والتشدد، وضبط هذه المنظومة يحتاج إلى تحركات متشعبة، مع اتباع سياسة النفس الطويل لتجنيب الشباب وأسرهم مغبة التطرف.

ترتبط المخاوف من عدم إحكام السيطرة على الكتاتيب، بأن أغلب الجيل الحالي ليس لديه الوعي أو الثقافة الدينية التي تؤهله لعملية فرز بين ما يقبله ويرفضه، وهو ما تلعب عليه العناصر المتشددة، حيث تقوم بتوظيف ذلك في توجيه المراهقين عندما تحول جلسات حفظ القرآن إلى نقاش حول بعض المعاني والتفسيرات والتلميحات والتوضيحات الدينية.

إشكالية التأويل

Thumbnail

ما يزال السلفيون يتمسكون بوجود آيات قرآنية صريحة تتحدث عن تكفير الأقباط، وفرضية الجهاد والنقاب، وإباحة تأديب النساء، وغيرها من القضايا الجدلية. وبحكم أن الطفل أو المراهق عموما لديه حب استطلاع أو شغف للمعرفة، قد يسأل عن رسائل الآيات القرآنية أو معانيها، ومن هنا تبدأ مرحلة بث السموم الفكرية.

قد يخرج الذي جاء لحفظ القرآن من الجلسة وهو مؤمن بأن صديقه أو جاره المسيحي، كافر، ومشاهدة التلفاز حرام، وعدم ارتداء أمه أو شقيقته للنقاب جريمة، وكل من يختلفون معه في العقيدة يستحقون الانتقام، أو على الأقل القطيعة، وبالتالي فالخطر ليس في تحفيظ القرآن كرسالة نبيلة، لكن في أبعاد توظيف الخطوة لنشر الشذوذ الفكري وضرب التسامح.

يذكر أن العديد من الأسماء البارزة في الساحة الجهادية تشربت ثقافتها الدينية من الكتاتيب، على غرار عصام العريان القيادي الإخواني الذي رحل قبل أيام حيث توفى في محبسه نتيجة “أزمة قلبية”، وعمر عبدالرحمن أمير الجماعة الإسلامية، وجابر ريان عضو الجماعة الإسلامية، ومحمد خليل الحكايمة القيادي السابق في تنظيم الجهاد قبل أن ينضم لتنظيم القاعدة، ومحمد سعد نورالدين أحد قادة الجناح المسلح داخل جماعة الإخوان.

خطورة الكتاتيب العشوائية تكمن في إدارتها من جانب عناصر لها توجهات فكرية تؤمن بالتمييز والعنصرية والطائفية والإقصاء كمدخل للبقاء

وإذا نجحت المؤسسة الدينية في ضبط المدارس القرآنية وإبعاد المتشددين عنها سوف تصطدم بمعضلة أكثر تعقيدا، ترتبط بأن الكثير من الأهالي يستعينون بمحفظين منهم داخل المنازل، أيّ أن بعض هذه العناصر نجحت فعليا في أن تسيطر على أرباب الأسر نفسها، ولا تمانع في تحوّل البيت إلى مسجد صغير تُقام فيه النقاشات والدروس الدينية لكل أفراد العائلة.

يقود ذلك، إلى حتمية اقتناع المجتمع بأن المؤسسة الدينية، لن تنجح وحدها في حماية الأجيال الصاعدة من الوقوع في فخاخ التيارات المتشددة، ما لم يشارك أرباب العائلات في المهمة بالتحري عن أفكار ومعتقدات وتوجهات المحفّظ القرآني، لأن الصغار يتأثرون بما يتعلمونه دينيا ويؤثر في تركيبة شخصيتهم في مرحلة لاحقة، وقد يستيقظ الأهالي على جيل جديد من المتشددين يدين بالسمع والطاعة للشيوخ.

13