مشاكل الاقتصاد العالمي أعمق من حروب التجارة

انحسار المواجهات التجارية لا يعني نهاية الأزمات بسبب تباطؤ نمو الصناعات التحويلية بدرجة تفوق توقعات الاقتصاديين وضعف الإنفاق التجاري على المعدات.
الأربعاء 2019/06/12
هموم الأسواق أكبر من الحروب التجارية

ستاين كوي

تشير تحركات الأسواق إلى أن المستثمرين يشعرون بالارتياح كلما انحسرت حدة الحروب التجارية. لكن، هل حقا أن أوضاع الاقتصاد العالمي مريحة ولا تدعو للقلق إذا ما انتهت الحروب التجارية؟

لاحظنا تفاؤل الأسواق وارتفاعها في جميع أنحاء العالم بعد سحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديدا بفرض رسوم على المكسيك، خاصة أنه زاد الآمال في التوصل إلى اتفاق لتهدئة النزاع التجاري مع الصين.

يبدو أن المستثمرين انهمكوا كثيرا في متابعة تفاصيل الحروب التجارية، وفاتهم أن هناك مشاكل ومخاوف أخرى في العالم، لا ينبغي التغاضي عنها، خاصة أن المؤشرات كانت ترجح حدوث أزمة اقتصادية قبل حرب الرسوم الجمركية.

وقد أكد ذلك تقرير الوظائف الأميركية الأسبوع الماضي حين أظهر أن الوظائف الجديدة كانت أقل بكثير من توقعات الاقتصاديين، إضافة إلى الضغوط الكبيرة على أرباح الشركات.

ويرى ريتش وايس، كبير مديري محافظ أميركان سنتشري أنفستمنتس إن “واشنطن إذا قامت بإطفاء الحرب التجارية التي أشعلتها فإن ذلك لن يحدث فارقا كبيرا في سوق الأسهم. ستعالج المشكلة قصيرة الأجل فقط لأن العوامل الأساسية في الأساس ليست قوية”.

لا يزال الكثيرون في وول ستريت يتوقعون حصد مكاسب كبيرة هذا العام. ويكمن التفاؤل في توقعات المحللين بأن يتسارع نمو الأرباح في وقت لاحق من العام، والأهم أن المجلس الاحتياطي الفيدرالي ألمح إلى أنه قد يساعد في إنقاذ السوق من خلال خفض أسعار الفائدة إذا اتسعت لأضرار الحرب التجارية.

نهاية الحرب التجارية الأميركية الصينية أمر إيجابي على المدى القصير، لكنها لن تعالج جميع مشاكل الاقتصاد العالمي

لكن المتشككين يقولون إن المتفائلين لا يدققون بعمق في جميع المشكلات التي غطت عليها النزاعات التجارية.

ينبغي الإقرار بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال قويا، فسوق العمل قوية، طالما أن تقرير الأسبوع الماضي المخيب للآمال لا يشير إلى تحول هيكلي. فمعدل البطالة لا يزال في أدنى مستوى له منذ عام 1969 عند 3.6 بالمئة، وهو المفتاح عندما يمثل إنفاق المستهلكين ثلثي الاقتصاد.

لكن المتشككين يشيرون إلى التقارير الاقتصادية الأخيرة التي أظهرت ضعفا في أبريل الماضي، قبل اندلاع المخاوف التجارية الأخيرة ومن بينها انخفاض معدلات شحن البضائع في أميركا الشمالية، وتباطؤ نمو الصناعات التحويلية بدرجة تفوق توقعات الاقتصاديين وضعف الإنفاق التجاري على المعدات.

ويرى مايكل ويلسون، استراتيجي الأسهم في شركة مورغان ستانلي، علامة تحذير في انخفاض أرباح العديد من متاجر التجزئة، رغم أن الأرقام الإجمالية للربع الأول من هذا العام قد تبدو مناسبة بسبب المكاسب الكبيرة التي حققتها أمازون.

وكتب ويلسون في تقرير بحثي أنه يرجح “استقبال المزيد من خيبات الأمل المحتملة للنمو” بعد أن شهدت شركات مثل نوردستروم وغيرها من تجار التجزئة انخفاضات كبيرة.

وبحسب مؤشر أسهم ستاندرد أند بورز 500، فقد سجلت الشركات أرباحا ثابتة تقريبا في الربع الأول من العام الحالي، حيث لم تعد تحصل على دعم كبير من برنامج خفض الضرائب.

لكن المحللين يشعرون بتفاؤل أكبر بشأن الاتجاهات في وقت لاحق من هذا العام ويتوقعون تسارع النمو إلى 7 بالمئة في الربع الرابع من هذا العام، وفقا لشركة “فاكت سيت”.

ويعتبر ذلك أمرا أساسيا لأن أسعار الأسهم تميل إلى تتبع مسار أرباح الشركات على المدى الطويل. لكن المتشككين يقولون إن سقف تلك التوقعات مرتفع للغاية.

ويتوقع باري بانيستر، الخبير الاستراتيجي في شركة ستيفل، الذي كان من أوائل المحذرين من تراجع الأسهم في العام الماضي، أن تكون الأرباح في النصف الثاني من عام 2019 أقل من توقعات المحللين، خاصة في مجال التكنولوجيا والرعاية الصحية وصناعات الطاقة.

التأثيرات السياسية على الأسواق لا تقتصر على المواجهات التجارية، حيث بدأت السلطات التنظيمية بفتح تحقيقات بشأن مكافحة الاحتكار في بعض أكبر شركات التكنولوجيا

ومع ثبات قوة سعر الدولار وتراجع التصنيع في الولايات المتحدة، يبحث بانيستر عن مدراء تنفيذيين لإعطاء توقعات بالأرباح للنصف الثاني من عام 2019 دون توقعات المحللين، مع صدور إعلانات في أقرب وقت الشهر المقبل، عندما تبدأ الشركات في الإبلاغ عن نتائج الربع الثاني من العام.

وتدفع الشركات أيضا أجورا أعلى لموظفيها، حيث ارتفع متوسط ​​الأجر بنسبة 3.1 بالمئة في مايو، مما يرفع من تكاليفها.

ويقارن تشون وانغ، كبير المحللين في شركة لويتهولد بين ارتفاع التكاليف مع مؤشر أسعار المستهلك، والذي يعطي نافذة على مدى سهولة قيام الشركات بتمرير زيادات الأسعار إلى عملائها. ويقول إن ارتفاع معدل مؤشر أسعار المستهلك كان متواضعا منذ عام 2011 وإن كان ثابتا عند 2 بالمئة في أبريل الماضي.

كل هذه الضغوط يمكن أن تؤدي إلى انخفاض هوامش أرباح الشركات، التي بلغت مستويات قياسية في الآونة الأخيرة.

وإذا كانت الشركات غير قادرة على جني نفس القدر من الأرباح من كل دولار من الإيرادات، فسوف تحتاج إلى تعويض ذلك عن طريق تحقيق المزيد من المبيعات. لكن تباطؤ الاقتصاد سيجعل ذلك صعبا.

التأثيرات السياسية على الأسواق لا تقتصر على المواجهات التجارية، حيث بدأت السلطات التنظيمية بفتح تحقيقات بشأن مكافحة الاحتكار في بعض أكبر شركات التكنولوجيا مثل أبل وأمازون وغوغل، التي كانت من أفضل الشركات أداء في السنوات الأخيرة، لكن تعرضت لخسائر كبيرة في الآونة الأخيرة.

في يوم 3 يونيو، ارتفع ما يقرب من ثلاثة أرباع جميع الأسهم في مؤشر ستاندرد أند بورز 500 لكن المؤشر انخفض بنسبة 0.3 بالمئة بسبب انخفاض شركات التكنولوجيا الكبرى.

كما يمكن لأسعار النفط أن ترتفع بعد أن تعهدت إدارة ترامب بممارسة “أقصى ضغط” على إيران، إضافة إلى احتمال وقوع اضطرابات أخرى في الشرق الأوسط.

وفي أوروبا، لا تزال بريطانيا تتفاوض على خروجها من الاتحاد الأوروبي، والمستثمرون قلقون بشأن علامات التوتر المتزايد بين الاتحاد وإيطاليا.

ويرى وايس من شركة أميركان سنتشري أن “إصلاح الوضع في الصين يؤدي لإصلاح بقية العالم. هو أمر إيجابي على المدى القصير، لكنه لا يعالج جميع المشكلات الأخرى التي نواجهها”.

10