مسرحي فرنسي يراوغ الحجر بعروض من شرفة بيته

المسرحي توما جولّي يفتتح موسم “رصيف الصّيف” بمسرحية تستجيب للشروط الصحية لمواجهة كورونا.
الاثنين 2020/07/20
عروض تستجيب للشروط الصحية

لئن خضع بعض رجال المسرح للصّمت الذي فرضته الأزمة الصحيّة فإن آخرين ابتكروا طرقا غير مسبوقة للتواصل مع جمهورهم. وهذا ما فعله توما جولّي مدير المسرح الدرامي بمدينة أنجي الفرنسية، الذي افتتح موسم “رصيف الصّيف” بمسرحية تستجيب للشروط الصحية.

بعد إلغاء مهرجان أفينيون، وسائر العروض المسرحية في كامل التراب الفرنسي، لا يزال أهل المهنة يبحثون عن حلول ذكية يحافظون بواسطتها على جمهورهم، مع مراعاة شروط التباعد الاجتماعي.

وبعد روبير بلانيول، الذي أنشأ موقعا على شبكة التواصل الاجتماعي يعرض فيه أسبوعيا، مباشرة من بيته، آخر مسرحياته، هذا مخرج مسرحيّ آخر هو توما جولّي، الذي عيّن على رأس المسرح الوطنيّ الدرامي بمدينة أنجي منذ ثلاثة أشهر فقط، أي عند اندلاع الأزمة الصحيّة، يهتدي إلى طريقة مماثلة، ولكن دون اللجوء إلى التقنيات الحديثة، إذ قام بأداء مشهد من “روميو وجولييت” من شرفة بيته، أمام مجموعة من جيرانه، في شرفاتهم هم أيضا، وبعض المارّة والمزوّدين.

وبعد أن استحسن السّكان هذه البادرة، قرّر مواصلة التجربة بالاستعانة بعدة فرق جهوية ووطنية تؤدي عروضها بعيدا عن الخشبات التقليدية، أي في أماكن محددة من المدينة كالسوبر ماركت، ومآوي السيّارات وخارج أسوارها، وحتى في أماكن متفرقّة من محافظة مين إي لور، كالضّيعات والأديار.

وقد أعدّ خمس عشرة مسرحية موزعة على ما يزيد عن مئة عرض، تتواصل من 15 يوليو الجاري إلى نهاية أكتوبر المقبل. وقد اختار أعمالا تستجيب لواقع الحجر والتباعد الاجتماعي، مثل “مهمة عسيرة” لهانوخ ليفين، عن زوجين يعيشان الحجر معا مند ثلاثين عاما.

ومن الأعمال التي افتتح بها نشاطه قبل أن يمرّ إلى العروض الموسمية التي أطلق عليها اسم “رصيف الصّيف” مسرحية قصيرة للكاتب الأرجنتيني راوول بوطاتا الشهير بـ”كوبي” (1939-1987) بعنوان “ليلة مدام لوسيان”، وقد وقع اختياره عليها لأن أحداثها تدور في مسرح فارغ، ولأنه وجد جانبا فارغا من مسرح أنجي مخصّصا للإمدادات والتزويد يلبي حاجته.

لا يتخيل المتفرّج، وهو يشاهد عملا مسرحيا ناجحا، أن الأبطال الذين أبهروه بأدائهم المتميز على الخشبة لا يحب بعضهم بعضا، وربما يكره بعضهم بعضا حدّ الرغبة في التخلص من هذا أو ذاك، ولو رمزيا، كالسعي إلى حرمانه من دور ما، أو إقصائه عن المجموعة، وهذا كله لا يراه المتفرج، ولكنه حقيقة، ليست عامة لا محالة ولكنها موجودة في كل الأنشطة الجماعية، لاختلاف الطبع والأمزجة والسلوك والتربية.

وهذا ما أراد كوبي إبرازه في “ليلة مدام لوسيان”، فهي باروديا عن حياة الممثلين في الكواليس، ومسرح داخل المسرح، حيث تتوالى المواجهات والخصومات ومظاهر الحقد، وتتبدّى المواقف اليومية وما يتخللها من تعاطف وتنافر، وتآلف وتخاصم حدّ الكراهية.

جولّي اختار أعمالا تستجيب للتباعد الاجتماعي، مثل «مهمة عسيرة»، عن زوجين يعيشان الحجر معا منذ ثلاثين عاما

وكوبي، لمن لا يعرفه، هو فنان أرجنتيني اضطر أهله إلى هجرة بوينس أيرس والعيش في هايتي بعد أن قرّر النظام آنذاك نفي أبيه عقابا له على نشاطه السياسي في المعارضة. انتقل الشاب بوطانا إلى نيويورك ثم إلى باريس عام 1963 حيث عمل رساما في مجلة “نوفال أوبسرفاتور”، ثم في جريدة “هارا كيري” الساخرة، التي ستتخذ لاحقا اسم “شارلي هبدو” وصار يوقّع رسومه الساخرة باسم كوبي.

وبفضل مداخيله من الرسم، أمكن له الانصراف إلى تأليف الروايات ومتابعة دروس في المسرح، شغفه الحقيقي، صحبة الشيلي من أصل روسي أليخاندرو جودوروفسكي والفرنسي جيروم سافاري الذي كان أول من بدأ يهتم بمسرحيات صديقه كوبي، قبل أن يخلفه الأرجنتيني خورخي لافيلّي، أوّل من أخرج “ليلة مدام لوسيان” في مهرجان أفينيون عام 1985.

وتحوم أعمال كوبي سواء في مسرحياته أو في رواياته حول فكرة العزلة والعنف والجزع والموت، ولكنه يعالجها بأسلوب ساخر، فالموت يصخب من وراء أقنعة الحمى الكرنفالية، فما يراه المشاهد لا يعكس حقيقة ما يجري تحت الأقنعة. وكما هو الشأن مع الكرنفالية، يتحدّى كوبي الأعراف والأنماط والرموز، وكأنه يستهزئ بشكل سريالي بالموت والقدر والمصير، حتى عندما أدرك أنه مصاب بالإيدز.

هذه المسرحية كما يدل عليها عنوانها، “ليلة مدام لوسيان” تدور أثناء الليل في مسرح مهجور، حيث يلتقي قبل العرض الأول مؤلف وممثلة وآلاتي (مكلّف بتركيب آلات المسرح وتفكيكها) للتمرّن على مسرحيّة سريالية لا تزال تستعصي عليهم، تحت أنظار ممثلة مشوّهة الخلقة.

وأثناء التمرّن الذي يتخلله التدخين والشرب والتعاليق الخارجة عن النص، يحتدّ الجوّ وتتوتر الأعصاب، لاسيما بعد تلقي مكالمات هاتفية غريبة، قبل أن يتم اكتشاف جثة عاملة التنظيف مدام لوسيان.

من القاتل؟ ومن هي تلك الممثلة المشوّهة؟ لا جواب، لأن الحقيقة تنفلت من بين أيدي الجميع، والواقع هو غير ما نتصوّر، حيث يصبح المسرح فضاء معقدا، فلا نستطيع التمييز بين المسرح والواقع، أيهما نحن بصدد مشاهدته. المسرحية أم مصرع مدام لوسيان، وهل هي شخصية حقيقية، أم أن المؤلف أقحمها داخل العمل المسرحي، ما يعني أن موتها هو أيضا تمثيل؟

هو نصّ يستكشف في سخرية الوجه الآخر للعمل المسرحي، أي ما يحدث خلف الكواليس، وراء الخشبة والديكور، وما يتضمنه من فقدان للمعالم والرموز.

16