مساحة مناورة تخفف حدة تطويق مصر بالأزمات الإقليمية

القيادة المصرية رسمت رؤيتها للتعامل مع المعطيات الإقليمية التي تعج بالصراعات ووضعت مجموعة من التصورات التي شرعت في تنفيذها كي تتمكن من مقاومة الضغوط.
الثلاثاء 2020/09/15
لا بدائل سلمية أمام الحوارات الدبلوماسية

في ظل حالة التوتر الأمني والسياسي، الذي يطبع الشرق الأوسط، استطاعت القيادة المصرية أن ترسم لنفسها خطا واضحا في تعاملها مع السيناريوهات الاستفزازية لبعض دول المنطقة، والتي تعمل على المس من هيبة القاهرة وخاصة في ما يتعلق بأمنها القومي. ولعل أبرز ما يميز الاستراتيجية المصرية هو نسج شبكات أمان مختلفة لحمايتها من أي استهداف وذلك من خلال تقوية الجبهة العسكرية مع اعتماد الدبلوماسية الهادئة لحل الأزمات.

القاهرة- تواجه مصر تحديات خارجية عميقة، وأدى تصاعدها في وقت واحد من شرق المتوسط وليبيا إلى إثيوبيا، للفت انتباه كثيرين، وعندما أُضيفت السخونة التي ظهرت في هذه الملفات إلى الأزمات التقليدية في الداخل ومكافحة الإرهاب في سيناء وتوتر الأوضاع في قطاع غزة وارتباك التطورات في السودان، بدت القاهرة كأنها تواجه حربا منظمة، من الصعوبة أن ترتفع الحدة في هذه الأزمات دفعة واحدة.

وحظيت الدراسة التحليلية التي أعدتها الخبيرة الأميركية في مجال الأمن القومي إيرينا تسوكرمان وتطرقت فيها لمخطط تركي لإضعاف مصر في المنطقة عبر محاصرتها إقليميا، باهتمام البعض من المراقبين، ووجدوا فيها تفسيرا منطقيا لتراكم المشكلات التي تحيط بالقاهرة في نواحي مختلفة، وانفجارها بأشكال متتابعة.

ولم يكن إثارة الأزمات وليد الصدفة، وساد لدى دوائر مصرية عديدة اعتقاد راسخ بأن افتعالها مقصود، ما يستلزم التعامل معها بحنكة، لأن ثمة دولا عدة في المنطقة وخارجها، بخلاف تركيا، تريد محاصرة مصر وعدم السماح بامتلاكها أدوات قوة أكثر من اللازم، تمكنها من التأثير في مجريات الأحداث.

وترى مصادر مصرية، أن هناك فريقا ثانيا في الخارج لا يريد إضعاف الدولة تماما أو امتلاكها قوة طاغية، فالضعف الشديد والقوة المفرطة يمثلان خطرا، ومن المفضل إغراقها في منغصات محسوبة بدقة، تستغرق جزءا كبيرا من تفكيرها ووقتها للبحث عن الحلول، بدلا من البحث عن نفوذ إقليمي، وتمنعها من الانزلاق إلى الفوضى.

حماية الأمن القومي

أعلى درجات الحذر
أعلى درجات الحذر

اكتسبت الدولة المصرية خبرات تاريخية كبيرة من تجاربها السابقة، ساعدتها على تجنب الانزلاق في سيناريوهات قاتمة، وأدركت قيادتها منذ ثورة 30 يونيو 2013 وسقوط نظام الإخوان في القاهرة أنها محل استهداف من قبل قوى مثلت لها هذه الثورة ضربة وانتكاسة في خططها الاستراتيجية.

ورسمت القاهرة رؤيتها للتعامل مع المعطيات الإقليمية التي تعج بالصراعات، وتجاوز المشكلات الداخلية المتراكمة، ووضعت مجموعة من التصورات البعيدة، وشرعت في تنفيذها سريعا كي تتمكن من مقاومة الضغوط المتوقع ممارستها عليها، في ظل توترات تعج بها غالبية الدول المحيطة بها، وارتباط الأمن القومي بعوامل تتجاوز حدود الجغرافيا السياسية المباشرة، وارتهانه أحيانا بتطورات أبعد من مرمى البصر.

ونفذت القيادة المصرية سياسة محكمة لتقويض التيار الإسلامي بكل أطيافه في الداخل، لم تفرق فيها بين متشددين ومعتدلين، وجزرت رأس الحربة، وهو تنظيم الإخوان، وتجاهلت الضغوط التي مورست عليها بذريعة حقوق الإنسان.

كما فرّغت السلطات المجال العام من القوى المعارضة، من خلال التقويض والحصار والاعتقال، وسدت المنافذ التي يمكن أن يلعبوا من خلالها دورا مؤثرا لتشتيت انتباه أجهزة الدولة، وسنت الحكومة قوانين لمنع التظاهرات والاحتجاجات إلا بضوابط صارمة لا تمثل تهديدا.

وجرى الإقدام على إصلاحات اقتصادية نادرة، كانت محل اختبار حقيقي لوحدة الدولة وقدرتها على الصمود، ونجح برنامجها، الذي تزامن مع تدشين مشروعات تنموية كبيرة، بغرض تخفيف الأعباء على المواطنين، ووقف نزيف التدهور، والتأكيد أن هناك قيادة رحيمة بالمواطنين تريد مصلحتهم، لذلك لم تلجأ إلى المسكنات.

وحقق هذا التوجه جانبا من أهدافه، وأبرزها منع توظيف المعاناة بصورة سياسية، خاصة أنها اصطحبت معها صرامة أمنية منعت قوى المعارضة من الاستفادة منها في تحريض الشارع وتأليبه على النظام، وهو ما يفسر تكرار عبارات تماسك المواطنين، وقوة الجبهة الداخلية، وأهمية الوحدة الوطنية، في خطاب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، كمدخل لمواجهة التحديات الخارجية.

جبهة عسكرية

مرتزقة تركيا في كل مكان
مرتزقة تركيا في كل مكان

تزامن سد جزء كبير من الثغرات الداخلية مع آخر لا يقل جدوى في الجبهة العسكرية، حيث قام الجيش المصري بعملية تحديث واسعة في بنيته الرئيسية، وراكم كمية كبيرة من الأسلحة المتطورة لتأمين الحدود في منطقة حافلة بالنزاعات، لردع من تسول لهم أنفسهم تهديد المصالح، فالجيش في الذاكرة الجمعية حامي حمى الدولة المصرية.

وأفرط الرئيس السيسي في الاعتماد على هذه المؤسسة في الأمور العسكرية وغيرها، ما أثار استهجان البعض خوفا على مستقبل المدنية، فالرجل قصد طريقا جاهزا ومضمونا لتنفيذ رؤيته، وعوّل على منتسبي جهازي الجيش والشرطة، باعتبارهما أكثر انضباطا وجاهزية، وأكثر استعدادا للتعامل مع التحديات، وأقل انسياقا للروتين.

وتعرض تضخيم القوة المصرية لانتقادات متعددة، خاصة أن الظروف الاقتصادية لا تسمح بكل هذا الإنفاق السخي، لكن مساعدات دول عربية صديقة أسهمت ماديا في التسليح، كما أن القيمة القومية والاستراتيجية التي ينطوي عليها ذلك جعلت القيادة السياسية لا تبخل في الإنفاق، الذي حوى أيضا أغراضا سياسيا.

وعقدت القاهرة صفقات أسلحة مع دول في الشرق والغرب، وبجانب الأهمية التي تمثلها القوة العسكرية كانت هناك قوة أخرى سياسية تتبلور ولا تقل أهمية، حيث جرى تذويب خلافات من وراء بعض الصفقات، وترطيب أجواء مع آخرين، وتوسيع شبكة المصالح، ونزعت مصر فتيل أزمات كادت تندلع، وتفتح عليها أبوابا صعبة.

وتنوعت الفوائد التي احتوى عليها طريق زيادة الإنفاق على التسليح، وأهمها منح القاهرة أدوات حماية لمصالحها في الإقليم وتقليص تهديدات البعض، وتوفير وسائل حماية ضد من فكروا سابقا أو يفكرون لاحقا في الاعتداء عليها.

ومنحت هذه القوة لمصر مساحة جرأة كبيرة في الأزمة الليبية، فمنذ إعلان الرئيس السيسي استعداده للتدخل عسكريا ورسم خطه الأحمر لسرت والجفرة أمام التحالف الذي يحكم طرابلس، لم تجرؤ تركيا أو غيرها خرقه، وهنا ظهرت فوائد التلويح بالجاهزية العسكرية في الردع ودون استخدامها فعليا.

دبلوماسية هادئة

حاولت أديس أبابا استفزاز القاهرة بالحديث عن رغبة الأخيرة ضرب سد النهضة الإثيوبي، لكنها شددت على تمسكها بالحلول السلمية معها وطرق الأبواب التي تصب في هذا المنحى بعيدا عن الخشونة التي تمناها البعض وساقوا لها الذرائع الكافية.

ووجدت مصر روائح تركيا تفوح في كل من ليبيا وإثيوبيا وسيناء، ناهيك عن قطاع غزة، وهي الدولة الأكثر سفورا في العداء، وتتمنى كسر شوكة مصر العسكرية وإرادتها السياسية لتعبر صعابا مختلفة، الأمر الذي جعل القاهرة تتحلى بأعلى درجات الحذر، للدرجة التي وصفت تصرفاتها كثيرا بأنها تحمل علامات “ارتباك وتذبذب وتريث وصبر في غير موضعه”.

وتم تجاوز التوصيفات ودلالاتها السلبية وعدم الاستجابة لجر مصر إلى مستنقعات ترى أن دخولها قد يكون سهلا، غير أن الخروج منها لن يكون كذلك، بل مكلفا، فالصراعات المحيطة بها رخوة وقد تنغرس فيها الأقدام وتتحول إلى حروب استنزاف طويلة.

افتعال الأزمات لمصر لم يكن وليد الصدفة، وهو ما استلزم من القيادة التعامل معها بشكل استباقي

ورفضت القاهرة، بالموازاة مع ذلك، الانجرار لوحدها وراء تحرشات أنقرة، ففي ليبيا وضعت الكرة في ملعب المجتمع الدولي برمته، وفي شرق المتوسط نسقت مع الدول الغربية المعنية، وفي مجال الإرهاب الذي تأثرت به مصر كان خطابها شاملا، والحديث عن تداعياته التي تلحق الأذى بغيرها، ومن الضروري التعامل معه بصورة جماعية، وهكذا عالجت الأزمة مع تركيا حتى لا تصبح في مواجهتها بمفردها.

ووصلت رسائل من أنقرة إلى القاهرة مؤخرا تفيد بإمكانية التفاهم معها، وكلها لم تحظ بتجاوب حقيقي، لأن غرضها تكتيكي، بمعنى أن تركيا لا تريد تسوية عادلة للأزمات، بل تريد هدنة تمنحها الوقت لترتيب أوراقها ومواصلة التحرش بأساليب أخرى، ففي كل الإشارات التي وصلت على ألسنة مسؤولين في أنقرة لم يتم التطرق لجوهر الخلافات، وهو التدخلات التركية السافرة، ودعمها للإرهاب، وتوظيفها للإخوان.

وقللت التصرفات المرنة على المستويين السياسي والعسكري من فرص الاستهداف التركي، وفوتت العديد من المناسبات لوضعها تحت مقصلة أزمات إقليمية ليس مستبعدا أن تلحق بها أضرارا بالغة، وأسهمت في الإفلات من عملية تطويق تركي محكم، لكن لا تزال حلقاته مفتوحة، لا تحتمل القسمة على اثنين، حتى لو لم يحدث صدام مباشر، فالمعركة ابتعدت عن الضربات القاضية وأخذت شكل تسجيل النقاط.

7