مراجعات واجبة

كان قطب يدعو الضباط إلى هدم العالم الافتراضي، الذي لم يعطه حقه. لذا، ركز الرجل في ما ينشر في مجلة “روز اليوسف” على المطالبة بتصفية شرائح واسعة من المبدعين.
الأحد 2020/11/29
إخراس الأصوات البناءة

يتوجب إجزال النُصح لجماعات “الإسلام السياسي” لبدء مراجعات جادة، وعملية جريئة لنقد الذات، إن أرادت التأهل للمستقبل والمشاركة في رفع غوائل الشر والظلم عن المسلمين. ولعل أولى المحاور والخطوات الواجبة، هي التوقف طويلا لمراجعة سيّد قطب وثقافته. فقد كان الرجل كاتبا موهوبا، لكن الكاتب الموهوب، مهما كان، أصغر كثيرا جدا من أن يستدعي مئات عمالقة الفقه والشريعة في تاريخ الإسلام؛ لكي يعلمهم دينهم بأثر رجعي ويحدد لهم واجباتهم في الحياة الدنيا. فلم يكن الرجل فقيها أصلا، وفي ليلة وضحاها، وبعد عدد من الإخفاقات، اختار أن يتفرغ لتحليل النصوص الفقهية لكي يشتق منها خطا سياسيا، وهذا ميدان لا يلائم العقاد وطه حسين وغيرهما. كان ذلك خيار من لم يتسن له أن يأخذ حقه من الريادة الأدبية في بلاده، في حضور نجوم الأدب والثقافة الذين تألقوا في العهد الملكي، وبعد أن جرى تنميطه عندما كان يحاول، كمحض تلميذ للعقاد، وصديق لنجيب محفوظ تأثر به وأثر فيه.

بحكم ذلك الانسداد، استقبل الرجل حركة الجيش في يوليو 1952 بترحاب غامر، وكتب بكثافة في امتداحها، وهو الصوت الأدبي الثاني (بعد الروائي محمد فريد أبوحديد) الذي اخترع للانقلاب وصفا لم يخطر على أذهان أصحابه. فهؤلاء أطلقوا على انقلابهم الذي لقي شعبية كاسحة “حركة الجيش” ثم أضاف المؤيدون لها وصف “المباركة”. كان قطب يدعو الضباط إلى هدم العالم الافتراضي، الذي لم يعطه حقه. لذا، ركز الرجل في ما ينشر في مجلة “روز اليوسف” على المطالبة بتصفية شرائح واسعة من المبدعين، وتأجيج مشاعر الضباط ضد القوانين والدستور، ويدعو إلى مصادرة الأراضي من كبار الملاك، ويحث على أن يستخدم العسكر القبضة القوية ضد البُنية الاجتماعية والاقتصادية. ودعا الضباط إلى كتم أنفاس الإذاعة وشطب الموسيقى، وأطلق النداء “أخرسوا تلك الأصوات النجسة” وفي بعض الأحيان، كان يوجه النداءات التي تزايد على العسكر، فتجعلهم يشفقون على أنفسهم وعلى الناس ويستشعرون العجز عن العمل بمنظومة الإرشادات العُنفية التي يدعو إليها. وكانت تلك المزايدة هي السبب الأول لنفور الضباط منه، وليتهم استوعبوه وأعطوه شيئا ولم ينفروا!

في “نداء” شهير، دعا إلى منهجية أشد وطأة من منطق “الخمير الحُمر” الذين حكموا كمبوديا عام 1975 وقتلوا نحو ثلاثة ملايين مواطن “فلنضرب، ولنضرب بقوة، ولنضرب بسرعة على الحديد وهو ساخن. أما الشعب فعليه أن يحفر القبور ويُهيل التراب. وينبغي ألا نبحث عن سند في دستور انتهى أمره، بل أن نبحث عن السند في منطق الحوادث، بغض النظر عما إذا كان الدستور يقره أو لا يُقره” (روز اليوسف 8/8/1952).

كل ذلك يتناقض تماما مع كل الذي يقوله القطبيون اليوم، عن عسكر اليوم، ويبالغون فيه. إن البشر بشر، سواء كانوا عسكرا أم مدنيين، والثقافة لا تقتصر على المدني دون العسكري.

24
مقالات ذات صلة