مدينة الذكاء الاصطناعي الفاضلة

التغيرات القادمة لا يمكن أن نتلافاها، فإن نحن خططنا لها جيدا واحتضناها يمكننا بناء مجتمع أكثر عدلا وسعادة وازدهارا.
الجمعة 2021/03/26
الذكاء الاصطناعي سيخلق ثروة هائلة

حتى هذه اللحظة أثار الذكاء الاصطناعي من المخاوف أكثر مما أثاره من الحماس. التطبيقات الذكية التي يمكنها التفكير والتعلم تسرق المزيد من فرص العمل من البشر، وتعيد ترتيب النظام العالمي، وقد تؤدي إلى نزعة انغلاق بعد أن كان العالم قد شهد نزعة للتواصل والانفتاح، انتهت على أثرها الحرب الباردة.

لن يحتاج الغرب بعد اليوم إلى يد عاملة رخيصة، يبحث عنها في الصين والهند وباكستان والمكسيك وغيرها من الدول. ولن يحتاج إلى جيوش جرارة تقود طائراته ومدرعاته.

الذكاء الاصطناعي سيقوم بكل ذلك وأكثر.

هل هذا يعني بالضرورة أن يغرق العالم في الفقر؟ التقارير الصادرة عن مؤسسات دولية تتوقع حصول ذلك، خاصة إذا ما أضيف للمشهد وباء كورونا الذي أثر سلبا على الاقتصاد العالمي. أكثر الدول تضررا حسب هذه التقارير تقع في أفريقيا، وفي آسيا والشرق الأوسط. الحروب ليست وحدها السبب في تأزم الوضع الاقتصادي في دول مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن.. هناك تغيرات كبيرة تحصل في العالم، وفي مقدمتها ثورة الذكاء الاصطناعي، التي فاقت في تأثيرها الثورة الزراعية والصناعية وثورة المعلومات. وهناك كوفيد – 19 أيضا.

الإنسان بطبعه ميال إلى التشاؤم، لا يرى غالبا إلا النصف الفارغ من الكأس. الصورة رغم كل ذلك ليست بهذه القتامة. هناك من يرى النصف المملوء من الكأس، بل يرى الكأس مملوءا حتى حافته.

بيل غيتس كان أول من لاحظ الخلل الذي ستحدثه ثورة الذكاء الاصطناعي في توزيع الثروات، واقترح فرض ضريبة دخل على الروبوتات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تستخدمها الحكومات في برامج الضمان الاجتماعي.

الذكاء الاصطناعي سيساهم في خلق الكثير من الثروات، هذه حقيقة لا جدال فيها.

سام التمان، مؤسس مشارك ورئيس منظمة OpenAI غير الربحية في سان فرانسيسكو، يقول إن عمله يذكره يوميا بحجم التغييرات الاجتماعية والاقتصادية، التي ستأتي في وقت أقرب مما يعتقده معظم الناس.

“التقدم التكنولوجي الذي سنحققه في المئة عام القادمة سيفوق بكثير كل ما حققناه منذ أن اكتشفنا النار واخترعنا العجلة”.

هذا التقدم التكنولوجي الهائل سترافقه ثروات ضخمة، يقول التمان، إنها تكفي في الولايات المتحدة لتوزيع أكثر من 13 ألف دولار على كل فرد بالغ، خلال عشر سنوات من الآن.

إن لم تتكيف الحكومات وفق تلك المستجدات، ستتحقق نبوءات المتشائمين، وسينتهي الأمر بمعظم الناس إلى وضع أسوأ بكثير مما هم عليه الآن، بل قد يقعون في فاقة وفقر مدقع.

لا بد من تدخل الحكومات ومنظمات المجتمع المدني لدراسة الوضع وسن قوانين جديدة، لجمع الثروات وإعادة توزيعها.

عندما سئل الكاتب البريطاني الساخر جورج برنارد شو يوما أن يعرّف الرأسمالية، أشار إلى رأسه الأصلع ولحيته الكثيفة وقال “غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع”.

لا يخفى أن ميول برنارد شو اشتراكية، وهو متعاطف مع الماركسية، ولكن هذا لا يمنع من أن يكون قوله اليوم مناسبا لوصف الحالة التي بتنا على مقربة منها.

في السنوات القادمة سيقوم الذكاء الاصطناعي بكل الأعمال، من قراءة الوثائق القانونية وتقديم المشورة الطبيه، إلى العمل على خطوط التجميع في المصانع. ولن يكون مستبعدا أن يقوم أيضا بإجراء الاكتشافات العلمية الجديدة.

مع تسارع وتيرة التنمية، سيخلق الذكاء الاصطناعي ثروة هائلة، وفي نفس الوقت ستنخفض كلفة العمالة إلى الصفر.

إذا قامت الحكومات بجمع وإعادة توزيع الثروة التي سيولدها الذكاء الاصطناعي، فإن المكاسب الإنتاجية الهائلة يمكن أن “تجعل مجتمع المستقبل أقل انقسامًا، وذلك بتمكين الجميع من المشاركة في المكاسب”.

تبدو الصورة التي يقدمها التمان خيالية، ولكن هذا ما يمكن أن تقدمه التكنولوجيا، بل هي تقدمه بالفعل. لذلك يرى التمان ضرورة أن تفرض الحكومات الضرائب على رأس المال، وليس على العمالة. ومن ثم توزع هذه الضرائب على المواطنين.

من خلال منح كل مواطن ملكية في البلاد، سيتحسن المجتمع للجميع. و”نظرًا لارتفاع الأصول الفردية للأفراد جنبًا إلى جنب مع أصول البلاد، فإن لدى الجميع مصلحة حقيقية في رؤية أداء بلدهم يتحسن”.

إيلون ماسك تحدث هو الأخر عن مستقبل مماثل مع شبكة CNBC قائلا “هناك فرصة جيدة جدًا لأن ينتهي بنا المطاف بدخل أساسي شامل، أو شيء من هذا القبيل، بسبب الأتمتة. نعم، لست متأكدًا مما سيفعله المرء أيضًا. أعتقد أن هذا ما سيحدث”.

لن يكون أمام الحكومات من خيار سوى الشروع في دراسة هذه المقترحات. سيحدث ذلك في غضون عشر سنوات من الآن. ولنا أن نتخيل ماذا سيترتب على مثل هذه السياسات.

حياة الناس والطريقة التي يمضون بها وقتهم ستكون مختلفة جذريا. قد يكون البعض منا شاهدها في أفلام الخيال العلمي.

“نظرًا لأن الذكاء الاصطناعي ينتج معظم السلع والخدمات الأساسية، سوف يتفرغ الناس لقضاء المزيد من الوقت مع الأشخاص الذين يحبونهم، أو يهتمون بأمرهم، أو يقدرون الفن والطبيعة، أو يعملون من أجل الصالح الاجتماعي”.

“التغيرات قادمة لا يمكن وقفها” كما يقول التمان. إن نحن خططنا لها جيدا واحتضناها، يمكننا بناء مجتمع أكثر عدلا وسعادة وازدهارا. يمكننا بناء مدينة فاضلة “يكون المستقبل فيها رائعًا بشكل لا يمكن تصوره”.

12