محمد مهدي علي زعيم المتمردين في تشاد يطرح الحوار في الوقت الضائع

التمرد لم يكن ليصل إلى مبتغاه طالما أنه لم يكن مدعوما بانتفاضة شعبية من الداخل وبانشقاقات فعلية في قوات النظام، وطالما أنه ينطلق من خلفية عرقية وقبلية منحصرة في 7 في المئة من سكان البلاد.
الأحد 2021/05/09
اشتراكي بغطاء قبلي ينزع إلى التغيير بالقوة

بالإعلان عن مصرع الرئيس التشادي إدريس ديبي، متأثرا بإصابته في جبهة القتال في إقليم كانم الحدودي مع النيجر، برز للعلن اسم زعيم المتمردين محمد مهدي علي الذي بات يعرف بقائد المعارضة المسلحة ورئيس المجلس العسكري المعلن من قبله في مواجهة المجلس العسكري المعلن من قبل سلطات نجامينا، والذي لا يمكن عزله عن سياق الصراعات العرقية والقبلية والمناطقية في تشاد منذ اندلاعها في سبعينات القرن الماضي، وتحول الصراع المسلح على الحكم إلى ظاهرة بارزة للعيان تؤججها التدخلات الخارجية والتأثيرات العامة للأوضاع المتداخلة في منطقة الساحل والصحراء، حيث كلما عمّت الفوضى في إحدى دول الجوار، استغلها المتمردون للتجييش والتدريب والتسلح والاستعداد للهجوم على البلاد، بهدف الوصول إلى قصر الرئاسة في نجامينا.

ولد علي في العام 1964 في أسرة تتحدر من قبيلة “كريدا” والتي تتشكل من 64 بطنا، ما يجعلها إحدى أبرز قبائل القرعان إن لم تكن أكبرها على الإطلاق، ولها انتشار واسع في شمال البلاد، وتفخر بأن لديها مقاتلين أشداء.

والقرعان اسم يطلق على تبو ليبيا وتشاد والسودان الذين يصعب الفصل بينهم بسبب التداخل الكبير بين مناطقهم وجذورهم الأسرية، وقد يكون بينهم من يحظى بجنسيتي بلدين في نفس الوقت، وإذا لوحق بعضهم في بلد، عبر الحدود فر نحو بلد مجاور واندمج في بني جلدته وتحصّن بهم، فالانتماء العرقي والقبلي يطغى على الانتماء للدولة ويهمشه.

ومن التبو من حكموا تشاد، أبرزهم كوكوني عويدي “وداي” الذي دخل عالم السياسة أواخر الستينات من القرن الماضي كمقاتل في الجبهة الوطنية لتحرير تشاد من منطلق الاستياء من سيطرة المسيحيين الجنوبيين المدعومين من فرنسا على الحكم، وقاد تمردا ضد النظام القائم إلى حين إسقاطه في العام 1979 واختير رئيسا للبلاد بعد مؤتمر لاغوس، ولكن في العام 1982 تحول نظامه بدوره إلى عرضة للتمرد عليه من قبل قوات حسين حبري، وهو كذلك من التبو، وتحديدا من قبيلة “الأنكزة”، فأطاح حبري بعويدي، وعرفت مرحلة حكمه حروبا متقطعة من الجارة الشمالية ليبيا، ووجد دعما كبيرا من باريس وواشنطن، فكان هجومه على وادي الدوم في المعركة التي دارت رحاها يوم 22 مارس 1987 وقتل فيها 1.269 جنديًا ليبيًا وأسر 438 كان من بينهم العقيد خليفة حفتر والمقدم عبدالله الشيخي.

يورانيوم وقبائل

الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا، الصيف الماضي، دفع الرئيس ديبي إلى إبلاغ حلفائه الفرنسيين بأن نهاية الحرب في ليبيا ستعني بدايتها في تشاد.
الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا، الصيف الماضي، دفع الرئيس ديبي إلى إبلاغ حلفائه الفرنسيين بأن نهاية الحرب في ليبيا ستعني بدايتها في تشاد.

الصراع التشادي الليبي ليس وليد فترة حكم القذافي وإنما يعود إلى أوائل الخمسينات من القرن العشرين، حيث طالبت المملكة الليبية بعد قيامها في العام 1951، بحقها في شريط أوزو، الذي كان سكانه موالين للحكم العثماني وللحركة السنوسية، كما أن العام 1935 عرف توقيع اتفاقية تنازلت بموجبها فرنسا عن الإقليم لإيطاليا ليصبح الشريط جزءا من خارطة الأراضي الليبية منذ بداية الأربعينات، وفي مطلع السبعينات تم التوقيع على معاهدة تنازلت من خلالها تشاد عن الشريط لصالح ليبيا، فدفعت سلطات طرابلس بقواتها إلى هناك وسيطرت عليه سيطرة كاملة، وعندما جرت الإطاحة بنظام الرئيس فرنسوا توم بالباي في العام 1975، انقلب خليفته فيليكس معلوم على المعاهدة، بإيعاز غربي نظرا للأهمية الاقتصادية القصوى لشريط أوزو ولمخزون اليورانيوم الذي يحتكم عليه، لتدخل البلاد مرحلة من الفوضى والانقلابات والتدخلات الدولية المباشرة والصراع مع ليبيا، وخاصة في عهد الرئيس حسين حبري إلى أن تمرد عليه أحد حلفائه السابقين وهو إدريس ديبي، بإسناد من الخرطوم وطرابلس، وأسقط نظامه في ديسمبر 1990، لينتقل الحكم من التبو إلى قبيلة زغاوة المنتشرة في شرق تشاد وغرب السودان، وفي مايو 2016 حكمت عليه المحكمة الأفريقية الخاصة في داكار -على حسين حبري – بالسجن المؤبد، بعد إدانته بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم اغتصاب وخطف وإعدام وتعذيب.

لم تخمد محاولات التبو التمرد على نظام ديبي، ومن أهمها تلك التي تزعمها القاضي يوسف توغويمي الذي كان وزيرا للعدل ثم للدفاع قبل انشقاقه عن النظام في العام 1999، والذي اتجه إلى مقاطعة تيبستي في أقصى الشمال الغربي للبلاد، حيث ملتقى الحدود مع ليبيا والنيجر، وهناك أسس فصيلا مسلحا وهو حركة “من أجل الديمقراطية والعدالة”، وخاض مواجهات دامية مع القوات الحكومية ووجد دعما من أبناء جلدته، قبل أن يصاب إصابة بالغة بسبب تعرضه لانفجار لغم أرضي بالقرب من مدينة برادي عاصمة المقاطعة، وتم نقله إلى طرابلس لتلقي العلاج، ثم أعلن عن وفاته ودفن في العاصمة الليبية، وتم تكليف شقيقته مبروكة توغويمي، وهي تحمل الجنسيتين التشادية والليبية وزيرة للثقافة والمجتمع المدني في حكومة عبدالحميد الدبيبة.

الأكاديمي المحارب

خلال عقد التسعينات، كان علي مقيما بفرنسا التي تخرج من جامعاتها بماجستير في الإدارة وتخصص في القانون والاقتصاد، وحصل على الجنسية الفرنسية، وأقام في مدينة رين بالغرب الفرنسي حيث لا يزال أبناؤه يعيشون هناك.

التدخلات الخارجية والتأثيرات العامة للأوضاع المتشابكة في منطقة الساحل والصحراء، تؤجج الصراع في تشاد، حيث كلما عمّت الفوضى في إحدى دول الجوار، استغلها المتمردون لمحاولة الوصول إلى قصر الرئاسة في نجامينا

قضى 25 عاما كلاجئ سياسي، ونشط ضمن الحزب الاشتراكي الفرنسي، وكأحد ممثلي حركة “من أجل الديمقراطية والعدالة” التي أسسها توغويمي، والتي عقدت اتفاق سلام مع نظام إدريس ديبي في ديسمبر العام 2003 برعاية بوركينا فاسو، تحولت الحركة بموجبه إلى حزب سياسي، مع تمكين مسلحيها والمنتمين إليها من عفو شامل، وهو ما فسح المجال أمام علي ليعود إلى نجامينا، حيث تسلم منصبا مهما في وزارة البنية التحتية.

بعد خمس سنوات وصل متمردون إلى العاصمة، وكان النظام على وشك الانهيار، ولكن قدرة ديبي على قمع التمرد، دفعت بعلي إلى الفرار خشية وضعه في دائرة الانتقام.

اتجه للانضمام إلى المتمردين في دارفور، وانخرط في المعارضة المسلحة ضد نظام ديبي، ثم غادر إلى الجنوب الليبي ليتخذ منه مكانا لتدريب قواته، ضمن ما يعرف باتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية بزعامة وزير الدفاع الأسبق محمد نوري الذي أصدر القضاء التشادي حكما بالإعدام في حقه بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بين عامي 2004 و2005 في السودان، أثناء أنشطته في التمرد ضد نظام ديبي.

في العام 2015 قرر نوري تكليف علي بالعمل على إعادة تنظيم قواعده في ليبيا، والاستفادة من حالة الفوضى وخاصة في منطقة الجنوب، ولكن في العام التالي أعلمه بأنه لم يعد مرغوبا فيه داخل اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية، بسبب خلافات بين الطرفين، وعين بديلا عنه، غير أن علي قاد عددا من المنشقين عن قوات نوري لتأسيس جبهة التغيير والوفاق “فاكت”، ورغم أن الإعلان عن ذلك كان في مدينة تانوا التشادية، إلا أن مقرها العملياتي كان في منطقة وادي مسعودة بجبال الحساونة في جنوب ليبيا.

مرتزقة تشاد

علي يؤكد أنه لم يكن من بين أهدافه الإطاحة بالنظام والحلول محله. ويضيف قوله إن “هدفنا الرئيس هو التناوب الديمقراطي في تشاد”. لكن هذا الموقف لم يعد مجديا، بعد تشتت قواته.
علي يؤكد أنه لم يكن من بين أهدافه الإطاحة بالنظام والحلول محله. ويضيف قوله إن “هدفنا الرئيس هو التناوب الديمقراطي في تشاد”. لكن هذا الموقف لم يعد مجديا، بعد تشتت قواته.

برز المتمردون التشاديون كمرتزقة داخل ليبيا يؤجرون بنادقهم لمن يدفع أكثر، فقد قاتلوا أولا مع أبناء جلدتهم من التبو في سبها وأوباري ضد أولاد سليمان والطوارق، ثم في صفوف ميليشيا إبراهيم الجضران التي كانت تسمى بحرس المنشآت النفطية في إطار ما سمي بمعركة “الشروق” المنبثقة عن منظومة “فجر ليبيا” ضد الجيش في منطقة الهلال النفطي.

وقاتلوا أيضًا مع الجيش ضد المتطرفين في بنغازي، ومع ميليشيات الزنتان بقيادة أسامة الجويلي ضد قوات المشير حفتر في غرب البلاد، كما حاربوا الجيش في مرزق وأم الأرانب، وشاركوا في مذبحة القاعدة العسكرية ببراك الشاطئ في مايو 2017، وفي العديد من الصراعات.

تعرض الموقع الذي تتحصن به قوات علي إلى قصف من قبل الطيران التابع للجيش الليبي بقيادة المشير حفتر، فقتل أحد رجاله وأصيب اثنان آخران. وقال حينها “اعتقدنا أنه كان خطأ في البداية، حتى قال الوفد المرافق لحفتر أن الهدف هو قمع أي تمرد قد يزعزع استقرار دولة مجاورة”.

مرحلة جديدة

أسرة علي تتحدر من قبيلة "كريدا" التي تتشكل من 64 بطنا، ما يجعلها إحدى أبرز قبائل القرعان إن لم تكن أكبرها على الإطلاق، ولها انتشار واسع في شمال البلاد

بعد الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا، الصيف الماضي، أبلغ الرئيس ديبي حلفاءه الفرنسيين بأن نهاية الحرب في ليبيا ستعني بدايتها في تشاد، فالسلام داخل الأراضي الليبية سيؤدي إلى تجفيف منابع التمويل والتسليح لجماعات المتمردين، كما سيحاصر تمركزاتهم، وسيضطرهم إلى التحالف والهجوم على شمال البلاد، وهذا ما حدث بالفعل، في 11 من أبريل الماضي، وبينما كان التشاديون منشغلين بالإدلاء بأصواتهم، هاجم مسلحو جبهة “التناوب والوفاق” بقيادة مهدي علي إقليم تيبستي، مدعومين بأعداد من مقاتلي فصائل أخرى، إلى أن وصلوا إلى إقليم كانم الحدودي مع النيجر والذي يقع 400 كلم إلى شمال غرب العاصمة نجامينا، وبعد أيام أعلن عن مقتل الرئيس ديبي متأثرا بإصابته في المعارك عندما كان يقود قواته في تصديها للتمرد.

بعد تشكيل المجلس العسكري الانتقالي في تشاد برئاسة محمد نجل الرئيس الراحل قال علي إن الجبهة قبلت وساطة موريتانيا والنيجر من أجل الهدنة. وأضاف “قبلنا وقف إطلاق النار من أجل حل سياسي، يجب أن يكون هناك اليوم حوار وطني شامل، يشمل جميع مكونات الحياة السياسية التشادية”.

وأشار علي إلى أنه لم يكن من بين أهدافه الإطاحة بالنظام والحلول محله. مضيفا قوله “هدفنا الرئيس هو التناوب الديمقراطي في تشاد”. لكن هذا الموقف لم يعد مجديا، بعد تشتت قواته وسقوط المئات منها بين قتيل وجريح ومعتقل من قبل النظام، ما جعل فلولها تخترق الأراضي النيجرية المجاورة للاحتماء بها.

يبقى أن وصول المتمردين إلى إقليم كانم يطرح العديد من الأسئلة، ولاسيما في ما يتعلق بدور الحليف الفرنسي للرئيس ديبي وعما إذا كان جادا هذه المرة في الدفاع عنه كما فعل في مناسبات سابقة، وهناك من المراقبين من يرى أن موقف باريس كان محايدا في هجوم أبريل، والطيران الفرنسي كان قادرا على سحق المتمردين وهم يعبرون الامتدادات الصحراوية العارية في اتجاه الجنوب، ولم يكن مضطرا لانتظار وصولهم إلى إقليم كانم.

لكن بالمقابل، هناك من يشير إلى أن التمرد ما كان ليصل إلى مبتغاه، طالما أنه لم يكن مدعوما بانتفاضة شعبية من الداخل وبانشقاقات فعلية في قوات النظام، وطالما أنه ينطلق من خلفية عرقية وقبلية منحصرة في 7 في المئة من سكان البلاد، ومن نزعة مناطقية لا تزال تستبطن قناعة بضرورة سيطرة الشمال على السلطة، ما كانت لتتدعم لولا الفوضى التي ضربت ليبيا خلال السنوات العشر الماضية لتجعل من أراضيها خطرا يتهدد الاستقرار في دول الجوار.

8