محمد خان سينمائي تنبأ بأفول الطبقة الوسطى

سينما تحذر من النيولبرالية ومن الاستهلاك العاطفي.
الأحد 2020/09/13
فيلم "عودة مواطن" نقد للنيولبرالية

لا يتوقف تأثير السينما واشتغالها على حدود الفني والجمالي بل تذهب أبعد من ذلك بكثير فيما يتعلق بقوتها وقدرتها الكبيرة على التأثير ومعالجة شتى أنواع القضايا بسلاسة مشرط الجراح، لذا وجه السينمائيون أعمالهم إلى النقد الاجتماعي وتفكيك وتفسير الظواهر وأحيانا كانوا أسبق في كشف الظواهر ونقدها من علماء الاجتماع والمفكرين والباحثين، وهذا ما نشهده مثلا عند السينمائي المصري محمد خان.

 في فيلم “عودة مواطن” (1986) للمخرج الراحل محمد خان يعود الأخ الأكبر شاكر (يحيى الفخراني) إلى القاهرة، بعد رحلة عمل استغرقت ثماني سنوات في قطر. وبعد أيام قليلة يقرر زيارة المصنع الذي كان يعمل به سابقاً في القاهرة. كان شاكر يعمل محامياً في مصنع لمستحضرات التجميل، من تلك المصانع التي كانت تنتج المكياج وأدوات التجميل للسوق المصرية؛ والتي لم تكن تعرف بعد حمّى الاستيراد المجنون قبل سياسة الانفتاح. فماذا يجد شاكر في نفس العنوان القديم؟ في نفس الشارع، وبنفس رقم البناية: المصنع قد تحول إلى ملهى ليلي.

إحدى السمات المميزة للاقتصادات التي تحولت فجأة إلى النيولبرالية هي التحول من الاقتصاد المادي الذي ينتج منتجات صناعية ومادية حقيقية، إلى ما يسميه سلافوي جيجيك في كتابه “سنة الأحلام الخطيرة” (2012)، “العمل الانفعالي – العاطفي”؛ أي القائم على خدمات الترفيه والتسلية والأنشطة الطفيلية ومضاربات البورصة والتسويق العقاري والإسكان الفاخر والاستثمار السياحي وخدمات الاتصالات والمعلومات… إلخ. هذا التحول الحاد والصادم (والصدمة عنصر أساسي في سياسات النيولبرالية) بدأ في العالم مع تولي مارغريت ثاتشر رئاسة وزراء بريطانيا (مايو 1979)، ورونالد ريغان رئاسة أميركا (يناير 1981).

فمنذ ذلك الحين تم إطلاق يد الرأسمالية العالمية؛ وبدأت عمليات توسيع الخصخصة، ومنح المزيد من الإعفاءات والامتيازات للشركات الكبرى العابرة للقارات، وانسحبت الحكومات من السوق، وتقلصت اعتمادات التأمين الصحي، وتم تحجيم نفوذ النقابات العمالية، وزادت الضرائب على الطبقة الوسطى، وتم تخفيضها عن الشركات الكبرى، وانتهجت سياسات مالية واقتصادية لا تعير اهتماماً لطحن الطبقات الوسطى والفقيرة.

وكانت النتيجة هي عملية مستمرة من التدهور الطبقي الذي أخذ في الاتساع يوماً بعد يوم، فاتسعت الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء، وبرزت سياسات اقتصادية وإدارية تسمح للأغنياء بأن يزدادوا غنى، وتدفع الطبقة الوسطى والفقراء نحو المزيد من الفقر.

مما أجبر النخب المهنية للطبقة الوسطى على الهجرة إلى الخارج بحثاً عن الخلاص الفردي؛ كحال شاكر في فيلم “عودة مواطن”، وخالد (نبيل الحلفاوي) والد الطفلة ناهد الذي هاجر إلى الكويت في “سوبرماركت” (1990)، وابن المدرس عبدالعظيم في “فارس المدينة” (1991)، في حين انغمس من تبقى منهم في الدوامة المعيشية لتوفير الاحتياجات الضرورية والصراع من أجل البقاء، كحال باقي شخصيات أفلام محمد خان.

بينما يصبح يحيى (خالد أبوالنجا) بطل فيلم “في شقة مصر الجديدة” (2007) سمساراً في البورصة؛ كصدى للتغير الحاد في مجتمع مصر الجديدة. لقد باتت هذه هي المهن التي تسمح بالأمان المالي والترقي الطبقي. ولا يفوت خان هنا أن يُظهر يحيى كسليل تافه لفوارسه في “طائر على الطريق” (1981)، و”الحرّيف” (1983)، و”فارس المدينة”.

الاستهلاك المتفاخر

انعكاس للتغير الحاد في مجتمع مصر الجديدة
انعكاس للتغير الحاد في مجتمع مصر الجديدة

“عودة مواطن” هو من الأفلام الأولى في تاريخ السينما العالمية التي ترصد بوعي عميق التحولات في المجتمعات الاشتراكية التي انتقلت إلى اقتصاد السوق الحرّ، وأثر تلك التحولات على الطبقة الوسطى. وينتبه في وقت مبكر جداً إلى الآثار التي سترصدها بعد ذلك بعقد كامل السينما في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية (وهي الدول التي خضعت لشروط النيولبرالية وصندوق النقد الدولى، كحال مصر). وهو ما نرى صداه القويّ مثلاً في الفيلم الروائي للمخرج الروماني ناي كارانفيل (Nae Caranfil) “المؤسسة الخيرية” Filantropica) 2002)، والذي تبدأ افتتاحيته باللوحة الاستهلالية التالية: “في رومانيا الآن، هناك طبقة صغيرة من فاحشي الثراء، وطبقة صغيرة من المعدمين، وبينهما عدد كبير جداً من الشحاذين كان يُطلق عليهم في ما مضى: الطبقة الوسطى”. من اللافت أيضاً أن خان يصنع فيلماً سابقا لهذا الفيلم بعشر سنوات؛ هو”فارس المدينة”، وفيه إشارات بينة للخراب الذي لحق بالطبقة الوسطى. إن أستاذ التاريخ في الفيلم (عبد العظيم: حسن حسني) هو شحاذ ينصب على الأغنياء، كحال بطل فيلم “المؤسسة الخيرية”، الذي هو نفسه أيضاً مدرس ثانوي ينصب ويحتال على الأغنياء ليوفر لقمة عيشه.

الوعي بسمات العصر النيولبرالي الجديد لدى محمد خان، وشريكه كاتب السيناريو عاصم توفيق في “عودة مواطن”، نجده في أنقى صوره عندما يتحول مصنع مستحضرات التجميل إلى ملهى ليلي، مع إشارات إلى بقاء عمال وموظفي المصنع السابقين في العمل بالملهى. وفي المقابل، فإن المصنع الحقيقي في الفيلم؛ مصنع الحديد والصلب الذي يعمل به الخال (عبدالمنعم إبراهيم)، يظهر على نحو تبدو فيه أحوال العمل في تدهور وانحدار، بل ونرى أحد العمال وقد أدمن تعاطي المخدرات.

إن مشاهد المصنع، على نحو خاص، مدعومة بوعي إخراجي عال من خان، قلّ أن يوجد بين المخرجين السينمائيين، فهو يُفوِّت فرصة تصوير مصنع الحديد والصلب على نحو مبهر بصرياً، بكل إمكانيات الثراء البصري والتشكيلي لكادرات مصنع من هذا القبيل، لصالح دعم المعنى الأكثر عمقاً، فيصوره كخرابة صدئة في كادرات ضيقة ومغلقة؛ أي متقشفة بصرياً (وليست فقيرة).

في مشهد دال في “عودة مواطن”، تطلب الأخت الكبرى فوزية (ميرفت أمين) من خالها عامل مصنع الحديد، مساعدتها في البحث عن عمال لمخبز الكيك والغاتوهات الذي ستفتتحه (اسم المخبز: ماري أنطوانيت). لقد لاحظت فوزية أن المستقبل الآن هو للاستهلاك التفاخري والترفيهي. إننا هنا نشهد أيضاً وعيا عاليا من خان وتوفيق بسمة أساسية للنيولبرالية: المجتمع الاستهلاكي الذي يجد معظم أفراده صعوبة حقيقية في الحصول على رغيف الخبز، يتطلع إلى الحصول على الغاتوه. بل وسيصبح على استعداد للتضحية بكل شيء للحصول على الغاتوه في فيلم “سوبرماركت”، وهو أحد أهم الأفلام الأخرى التي تعاون فيها خان مع توفيق، والتي ترصد توابع سياسات الانفتاح على الطبقة الوسطى المصرية.

وخان وتوفيق هنا يسبقان نقاد النيولبرالية في ما سيُطلقون عليه لاحقاً: “سلوك المستهلك المتطلع وغير القادر مادياً”. فالعصر الانفتاحي الجديد قد فتح الشهية للاستهلاك المفرط والإنفاق المتهور، وأصبح إنسان الطبقة الوسطى محاطاً من كل جانب، وفي كل وقت، بالضغوط الثقافية والسلوكية والاجتماعية التي تدفعه دفعاً نحو الإنفاق المتهور، وهو عاجز في الوقت نفسه عن تلبية تلك الرغبات؛ لتدنّي الأجور، والغلاء، والبطالة المتفشية، وأزمات الإسكان والغذاء.

أفول الطبقة الوسطى عند خان وتوفيق هو أكثر فنية من معالجات سينمائية أخرى أكثر سخونة من الناحية الدرامية

بالرغم من أنه لا تجري تسمية التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في أفلام خان أو نقدها مباشرة أو صراحة، إلا أن البناء الدرامي في أعماله يتوقف برمته عليها، مثلما تعتمد إضاءة مصباح على الكهرباء. وتحتفظ تلك الأفلام بآثار دائمة لا تخطئ لعملية أفول الطبقة الوسطى المصرية، كما تحتفظ صور شمس الفوتوغرافية في “ضربة شمس” (1978) بآثار الجريمة. إن تدهور المصنع الذي يمثل أفول العمل المادي في مقابل صعود العمل الانفعالي والترفيهي، وتفسخ الرابطة الأسرية في “عودة مواطن”، وتدهور مكانة العمل الزراعي، والضغوط المادية على الطبقة الوسطى في “خرج ولم يعد” (1984)، والثقافة الاستهلاكية، وتسليع الإنسان في “سوبرماركت”، وما أدى إليه انسحاب الدولة من السوق من فساد وخراب عام في المجتمع كله في “فارس المدينة”، كل تلك المظاهر

للتحول إلى الاقتصاد النيولبرالي، تأتي متزامنة في سينما خان مع “أفول” الطبقة الوسطى أفولاً بطيئاً وقدرياً. أفول الطبقة الوسطى عند خان وتوفيق هو أكثر فنية من معالجات سينمائية أخرى أكثر سخونة من الناحية الدرامية؛ كسينما عاطف الطيب مثلاً. فالأفول؛ أي التحلل التدريجي البطيء، والذي هو أقل سخونة من المعالجات التي تقيس التغيرات المجتمعية بموازين أكثر دقة تسجيلياً، يتيح ملاحظة رائحة عفونة التحلل من ناحية، ويتجنب عنصر “الصدمة” الذي تتسم به المعالجات الدرامية الساخنة من ناحية أخرى. لذلك يتاح لأعمال خان التغلغل في أعماق أبعد في نفس المُشاهد، ذلك التغلغل الذي يتطلب حالة من الاسترخاء يقضي عليها أسلوب “الصدمات”. ولذلك تصبح أفلام خان جزءًا من خبرة المُشاهد؛ جزءًا من ذاكرته، أكثر من غيرها من أفلام الواقعية الاجتماعية.

إن أفلام خان ليست وثائق اجتماعية وصفية، بقدر ما هي قطع فنية تعكس متغيرات اجتماعية حقيقية برؤية نافذة. ولذلك فهي خالية من النبرة الصارخة والخطابية المباشرة للوثائق الاجتماعية. وبالرغم من أنّ واقع التحولات في الطبقة الوسطى المصرية نفسه يتسم بالصدمات والفرتكة (والفرتكة هي التقطيع مثل الذَّرِ)، إلا أن تفضيل خان وتوفيق، في أفلامهما عن الطبقة الوسطى، لمنظور الأفول على الصدمات، هو تفضيل لرهافة الفني على غلظة يد التسجيلي، تفضيل للتصوير الزيتي على الفوتوغرافيا، للتنوير على الأهمية المعلوماتية.

وثمة شيء مواز لذلك الأسلوب في التحلل البطيء والتدريجي لشخصيات الطبقة الوسطى في أعمال نجيب محفوظ؛ خصوصاً في شخصية أحمد عاكف في “خان الخليلي” (1946)، والسيد أحمد عبدالجواد في “الثلاثية” (1956 – 1957). تلك الأعمال التي ترصد واقع الطبقة الوسطى المصرية في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها، والمشابه كثيراً لواقعها بعد الانفتاح. هناك “شاعرية” ما في أسلوب الأفول. ربما لتماشيه مع قانون الوهن الحتمي التدريجي في الطبيعة.

الشر الهيكلي

رأس المال وحرصه على طمس وعي الناس
رأس المال وحرصه على طمس وعي الناس

منظور الأفول البطيء أيضاً يتيح الفرصة الفنية لعرض الجانب القدري للخراب الناتج عن التحولات في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. إن المسؤولية عن الشر هنا تصبح مسؤولية هيكلية، وليست فردية أو شخصية فقط، كما تطرحها الأعمال الدرامية الأقل وعياً. يبدو الأمر في سينما خان وكأن الفرد ليس هو من يستخدم الشر، بل الشر هو من يستخدمه. إن العنصر القدري (أو الهيكلي) في الخراب (أو الشر) واضح في كل أعمال خان، وبخاصة في فيلم “فارس المدينة”. رغم أننا نعلم من تاريخ فارس (محمود حميدة) في “فارس المدينة” -ويحق لنا اعتباره التطور الطبيعي لفارس (عادل إمام) في فيلم “الحرّيف”- أنه كان يتاجر في العملة، وفي أنشطة أخرى كثيرة غير مشروعة، فإنّ خان لا يدين بطله في “فارس المدينة”. كما لم يدن من قبل فارس في “الحرّيف” أو حتى القاتل في نفس الفيلم (عبدالله: نجاح الموجي)، أو فوزية أو صاحب الكباريه (مصطفى: حسين الشربيني) في “عودة مواطن”، أو عيد الحِرفي (أحمد زكي) في “أحلام هند وكاميليا” (1988)، أو غيرهم من شخوصه التي يمكن أن تظهر أشراراً منحرفين عند غيره.

قد يرجع ذلك في جزء منه إلى صفة “الحنوّ” على الإنسان التي تميز كل فنان كبير. وطالما لمسنا حنوّاً من كبار الأدباء والفنانين تجاه شخصيات الأوغاد واللصوص والمحتالين. ولكننا نعتقد أن ذلك يرجع أيضاً إلى رؤية خان إلى أسباب الشر في المجتمع. فالشر عند خان ليس فردياً ذاتياً خاصاً، بمعنى أن الفرد ليس هو فقط المسؤول عن الشر، ولكن مصدره الأساسي هو السياق العام الاقتصادي والاجتماعي.

إن الهدف المسيطر على فارس هو جمع المال، ولكن ليس بدافع الجشع أو زيادة الثروة الشخصية، بل بدافع مضاد لطبيعة رأس المال الذي لا يعبد إلا الربح. إن فارس وهو يسعى لجمع المال تسديداً لديونه ووفاءً لكلمته -بعد الخراب الذي لحق بمصر في عملية النصب التي قامت بها شركات توظيف الأموال الإسلامية في منتصف الثمانينات من القرن الماضي- يبدو كما لو كان شخصية من المجتمعات البدائية التي تتحرّك بدوافع الشرف والفخر والكرامة والوهب.

إنها أخلاق البطولة التي تجلب الاحترام، ويُبنى عليها التماسك الاجتماعي. ولذلك يبدو فارس شخصية أسطورية، بالرغم من معرفتنا بمصدر ثرائه الذي تراكم بطرق غير مشروعة.

ما يمنح بعداً ملحمياً لأفلام خان هو أن المسافة عنده في المكان كثيراً ما تحل محل المسافة في الزمان. يصبح انتقال نجوى (غادة عادل) من المنيا إلى القاهرة في فيلم “في شقة مصر الجديدة” انتقالا بين زمنين شهدت في كل منهما الطبقة الوسطى وضعاً متبايناً. وتصبح عودة شاكر إلى بيت العائلة القديم في “عودة مواطن” محاولة لبعث عصر قديم بقيمه، في زمن أصبح مختلفاً.

وتفضيل موظف الطبقة الوسطى عطية (يحيى الفخراني) في “خرج ولم يعد”، للحياة في الريف على المدينة، هو تفضيل لعصر أكثر منه لمكان؛ تفضيل لقيم زمن ماض على قيم الحاضر.

ومن قبل، ينتهي تلكؤ فارس في “الحرّيف” للدخول إلى السوق، ويستوعب استيعاباً تاماً التغيرات التي طرأت على العصر الجديد، بعد انتقاله (المكاني) من القاهرة إلى بورسعيد (المدينة الرمز للانفتاح) لكي يلعب مباراة كرة شوارع بها. بعدها يتخذ قراره بمسايرة القيم الجديدة والعمل في التهريب. ويمكن اعتبار تفضيل فارس في نفس الفيلم لمجالسة الكباتن الرياضيين العجائز تفضيلا زمانيا أكثر منه مكانيا. وثمة شيء مناظر لذلك وسابق عليه في علاقة فارس سائق التاكسي في “طائر على الطريق” بالسائق العجوز المجنون والشريد على الطريق السريع. بل وفي الارتباط الذي سينشأ لاحقاً بين فارس في “فارس المدينة” بأستاذ التاريخ عبدالعظيم، والإقامة معه في مسكنه (أي في زمنه). ولنا أيضاً أن نعتبر العودة المتكررة لرمزي عازف البيانو في “سوبرماركت” إلى بيت أمه عودة في الزمان أكثر منها في المكان.

تحولات القيم

إدانة للطبقة المتوسطة
إدانة للطبقة المتوسطة

التحولات الهيكلية التي تسببت فيها سياسات الانفتاح التي انتهجها السادات بعد رحيل عبدالناصر، ثم مبارك من بعده، لم تؤد فقط إلى إعادة ترتيب العلاقات بين الطبقات على نحو مفاجئ وصادم، ولكنها أدت أيضاً -وهو الأهم- إلى إعادة كتابة نسق القيم السائد في المجتمع.

فقد ترافق مع الانفتاح والاقتصاد الهش الذي يعطي الأولوية للقطاعات الخدمية والاستهلاكية، تفشي القيم الطفيلية في المجتمع. واتخذت الأنشطة الطفيلية صوراً عديدة مثل: استغلال السلطة والنفوذ الإداري والارتشاء والعمولات والتواطؤ مع مصالح القطاع الخاص على حساب مصالح القطاع العام والمضاربات في الأراضي والعقارات والعملات الأجنبية والاتجار في السوق السوداء والتهريب والاستيلاء على أموال الدولة وأراضيها. وكانت لهذه الظواهر تأثيرات بالغة الخطورة على النظام القيمي للطبقة الوسطى، لأنها أدت إلى شيوع روح “الفهلوة”، وفقدان الإيمان بالعلاقة بين العمل والكسب. ممّا أدى إلى عواقب وخيمة على النظامين الاقتصادي والإداري في مصر؛ لأنه أدى إلى انهيار مبدأ ربط الأجر بالجهد، والعزوف عن العمل المادي الحقيقي المنتج (والذي هو أساس التنمية الحقيقية) لصالح الأنشطة الطفيلية والخدمية والمضاربات.

والوعي بهذه التحولات القيمية موجود في وقت مبكر جداً لدى خان، ويظهر بوضوح منذ “الحرّيف”، الذي يهجر فيه فارس مهنته في مصنع الأحذية، لصالح العمل الهامشي الطفيلي؛ من أول المراهنات على مباريات كرة القدم في الساحات العامة، وصولاً إلى العمل في تهريب السيارات. ولا يفوت خان حتى في فيلم “أحلام هند وكاميليا”، بالرغم من أن أبطاله من الخدم والمهمشين، لا من الطبقة الوسطى، أن يلفت نظرنا إلى أن الطريق الذي ينتهجه عيد الحِرفي لتوفير المال والترقي اجتماعياً هو إما السرقة، أو الاتجار في السوق السوداء للعملة.

لكن هذا الوعي أكثر وضوحاً في “عودة مواطن”، إلى درجة أن التحولات القيمية الجديدة تصبح هي العمود الفقري الذي يُبنى عليه الفيلم بأكمله. إن تامر (إبراهيم يسري) المتخرج من كلية التجارة، يفضل العمل في وظيفة بارمان في فندق على العمل في تخصصه. وخطيبته نجوى (ماجدة زكي) تفضل هي الأخرى العمل كنادلة في نفس الفندق، بينما تفتح أختها الكبرى فوزية مخبزاً للكيك والغاتوهات. وصاحب مصنع مستحضرات التجميل نفسه مصطفى (حسين الشربيني) يفضل العمل مديراً لكباريه. مع إشارات واضحة إلى تفشي روح الطفيلية والفساد والغش كقيم جديدة حاكمة في مجتمع الانفتاح الاستهلاكي.

هناك صاحب عمارة في الفيلم يبيع شققها الخمسين إلى خمس مئة مشتر. وهناك إشارات شديدة الوضوح إلى تفكك الأسرة المنتمية إلى الطبقة الوسطى. لم تعد الأسرة هي الرابطة، بل السوق. إن اسم النكرة في عنوان الفيلم “عودة مواطن” هو للتعميم. سافر شاكر إلى قطر كـ”مواطن”، وعاد ليجد نفسه “مستهلكاً”. لم تعد الرابطة أيضاً هي الوطن، بل السوق. لقد عاد شاكر إلى أطلال الطبقة الوسطى، ويحرص خان على تصوير بيت العائلة ليوحي بهذا المعنى. وحين تفوته الطائرة في المطار، بعد أن قرر العودة إلى قطر مرة أخرى (العودة كمستهلك لا كمواطن)، يحرص خان على أن يُجلس بطله تحت لافتة “بنك القاهرة”.

ستتضح هذه الحقيقة على نحو أعمق في “سوبرماركت”؛ الذي تقرر فيه الشخصيات انحيازها بناءً على القيم الجديدة للسوق. إن الطفلة ناهد (مريم مخيون) تنحاز إلى أبيها الذي هجرها لأنه أغنى من الأم. والأم أميرة نفسها تنحاز إلى الدكتور عزمي لأنه من الأثرياء الجدد. حتى أن الفنان رمزي (ممدوح عبدالعليم) نراه خادماً في بلاط رأس المال؛ يحمل الحقيبة للدكتور عزمي، ويعزف للأثرياء مقطوعات بيانو في كازينوهات الفنادق، وفي حفلات عشائهم.

وفي ظل مجتمع السوبرماركت، يحرص رأس المال على طمس وعي الناس، ليس فقط بالشروط الاجتماعية للعمل (أي الاستغلال)، بل أيضاً بالشروط التقنية والفنية للمنتجات السيئة، والتي يجد أن متطلبات إنتاجها بنوعية جيدة أكثر كلفة. فنجد تماثلاً، على سبيل المثال، بين رداءة السلع الغذائية وبين انحدار “السلع الفنية” وتدهورها.

إن النصائح الثلاث التي يقدمها الدكتور عزمي لرمزي في دروسه عن كيف يصبح المرء مليونيراً هي: ضربة حظ + التنازل الأخلاقي + الاحتكار. هذه النصائح هي صدى لصيحات رأس المال المتحكم في مجتمع السوبرماركت. لقد أصبحت سلعاً أساسية كمواد التموين والحديد والأسمنت والسماد محتكرة في أيدي قلة من كبار المستوردين ورجال الأعمال الجدد من أمثال الدكتور عزمي. فإذا أضفنا إلى ذلك انسحاب الدولة من السوق واستقالتها من وظيفتها التنموية وبيع مصانع وشركات القطاع العام، أدى ذلك، لا فقط إلى تمزيق الطبقة الوسطى، بل إلى الخراب العام الذي ينتصب فوقه “فارس المدينة” شامخاً كشاهد عليه.

الخراب الذي يطفح من كل مكان وكأنه كارثة قدرية. ويصبح الوضع في مجتمع السوبرماركت أشبه بنتائج القانون الثاني للديناميكا الحرارية “الفوضى الناتجة عن اجتماع عنصرين مضطربين معاً، تصبح أكبر كثيراً من حاصل جمع الفوضى في كل منهما على حدة”.

فيلموجرافياّ:

ولد محمد خان في حي السكاكيني الشعبي بالقاهرة في 26 أكتوبر 1942، لأب باكستاني وأم مصرية. سافر إلى لندن عام 1956 لدراسة الهندسة المعمارية، لكنه استغرق في دراسة ومشاهدة السينما العالمية طيلة سبع سنوات، وخصوصاً أفلام الواقعية الجديدة والموجة الأوروبية الجديدة. عقب تخرجه من “مدرسة لندن للسينما”، عاد إلى القاهرة عام 1963، وعمل في قسم القراءة والسيناريو في “الشركة العامة للإنتاج السينمائي”، تحت إدارة المخرج صلاح أبوسيف.

سافر إلى لبنان من أجل العمل مساعداً للإخراج لعدة سنوات. ثم عاد إلى إنجلترا لفترة قضاها في كتابة النقد السينمائي، قبل أن يرجع إلى مصر عام 1977 ليعمل على إخراج أول أفلامه الروائية الطويلة “ضربة شمس”. كوَّن مع مجموعة من زملائه جماعة “أفلام الصُحبة” ومنهم: بشير الديك وعاطف الطيب وخيري بشارة وسعيد شيمي ونادية شكري وآخرون. وكان باكورة إنتاج الجماعة فيلم “الحرّيف”. كتب خان القصص السينمائية لعدد كبير من أفلام زملائه، ومن أهمها كتابته لقصة فيلم “سواق الأتوبيس” من إخراج عاطف الطيب (1983). حصل على الجنسية المصرية عام 2014 (بريطاني الجنسية). وتوفي في القاهرة في 26 يوليو 2016. قام خان بصنع 24 فيلماً روائياً طويلاً، من أهمها:

  • ضربة شمس، 1978.
  • طائر على الطريق، 1981.
  • موعد على العشاء، 1982.
  • الحرّيف، 1983.
  • خرج ولم يعد، 1984.
  • مشوار عمر، 1985.
  • عودة مواطن، 1986.
  • زوجة رجل مهم، 1987.
  • أحلام هند وكاميليا، 1988.
  • سوبرماركت، 1990.
  • فارس المدينة، 1991.
  • مستر كاراتيه، 1993.
  • كليفتي، 2003.
  • بنات وسط البلد، 2005.
  • في شقة مصر الجديدة، 2007.
  • فتاة المصنع، 2014.

ينشر  بالاتفاق مع "الجديد" الثقافية الشهرية اللندنية

15