محمد الظريف: دور السينما الخوض في الواقع واختراق التابوهات

الممثل التونسي يؤكد أن دوره في فيلم "ولدي" يشبهه إلى حد كبير، وأنه يعتز بدور الأب في الفن والحياة.
الجمعة 2019/05/10
“ولدي” أعاد محمد الظريف إلى عشقه الأول، التمثيل

محمد الظريف، ممثل تونسي، عرفه جمهور الثمانينات والتسعينات، خاصة، في دور المحقّق في السلسلة البوليسية “ابحث معنا” مع الراحل عبدالمجيد لكحل، وأيضا من خلال دوره في فيلم “ريح السد” للنوري بوزيد، ليغيب إثرهما عن الشاشتين الصغيرة والكبيرة لعدة سنوات، قبل أن يُعيده إلى الأضواء فيلم “ولدي” لمحمد بن عطية والذي توّج عنه بجائزة أحسن ممثل في الدورة الثانية لمهرجان الجونة السينمائي الدولي، وأيضا بجائزة أفضل ممثل في مهرجان السينما الأفريقية في إسبانيا في دورته الـ16، “العرب” التقت الممثل المخضرم، فكان هذا الحوار عن مساره المُتقطّع، وهل هو اختيار أم اضطرار؟

تونس – بعد سنوات بعيدا عن الأضواء، عاد الممثل التونسي المخضرم محمد الظريف إلى عشقه الأول، التمثيل، عبر الفيلم التونسي “ولدي” لمحمد بن عطية (إنتاج 2018)، وهو الذي راكم تجارب مسرحية عديدة بين التأليف المسرحي والتمثيل، متنقلا بين أكثر من فرقة مسرحية جهوية (الكاف، المهدية وصفاقس) ليستقر به المقام في الأخير بمدينة المنستير، حيث اكتفى بالعمل في إذاعتها الجهوية كمخرج لمسرحياتها الإذاعية منذ العام 1986 وحتى العام 2011، سنة تقاعده عن العمل الوظيفي.

وهي السنة التي مثلت لضيف “العرب” عودا على بدء لهوايته الأولى، التمثيل، التي عشقها يافعا ومارسها شابا وغادرها كهلا، ليعود إليها مؤخرا، نضرا، كما كان وأكثر، وهو الذي قدّم في فيلم “ولدي” لمحمد بن عطية دور الأب المُلتاع في ابنه الذي ضل الطريق ليلتحق بالجماعات الإسلامية المتطرفة (داعش) في سوريا، وهو الابن المدلّل لوالدين أحباه حدّ التملّك!

عن الدور الذي تميّز فيه، أكّد محمد الظريف أن الشخصية تشبهه إلى حد كبير، وهو الأب الذي اختار الحياة الأسرية على طموحاته التمثيلية التي أجّلها لسنوات، مُنتصرا للاستقرار الأسري الذي يراه رسالة إنسانية نبيلة من واجبه كأب تحقيقها لعائلته بالشكل الأمثل.

وقال الممثل التونسي لـ”العرب”، “حين عُرض عليّ الدور، وجدت نفسي فيه، وجدت الأب والعائل للأسرة والحامي لها من كل طارئ أو مُستجد ينغّص استقرارها، ومن هناك اجتهدت وبحثت في بواطني الداخلية، واستلهمت من الأب الذي أنا هو في الحياة جسدا وروحا، فأتى الأداء سلسا دون تعقيدات رغم أن طبيعة الدور تبدو للمُشاهد مركّبة إلى حد بعيد”.

الممثل التونسي المخضرم أعاده فيلم “ولدي” إلى الشاشة الكبيرة ويعيده مسلسل “أولاد مفيدة” إلى الشاشة الصغيرة بعد طول غياب

وأضاف “أعتقد أن شخصيتي في الفيلم موجودة في مكان ما، ولدى كل واحد منّا، أن تمنح للآخرين كل شيء ثم تكتشف أنك وحيد، قد يبدو هذا الأمر مُربكا وفيه نوع من نكران الجميل، إلاّ مع الأب، فالأب هو الشخص الوحيد الذي يتمنى أن يرى أبناءه أفضل منه، وأنا شخصيا مُستعد لبذل كل حياتي من أجل أن أحبهم، وسعادتي لا تعني شيئا أمام سعادة من أحب، أُنكر ذاتي من أجل عائلتي”.

واجتهاد الظريف لم يقتصر على النبش في دواخله كي يأتي أداؤه في فيلم “ولدي” بتلك الحرفية التي توّجته بنجمة الجونة لأفضل ممثل في مهرجان الجونة السينمائي 2018، علاوة على جائزة أفضل ممثل في مهرجان السينما الأفريقية بإسبانيا الأخير (من 25 أبريل إلى 4 مايو 2019)، بل تجاوزه في طريقة تعامله مع النص الذي أتاه مكتوبا باللغة الفرنسية ليترجمه هو إلى اللهجة التونسية، ويسجّل دوره بشكل فردي في شريط فيديو ليُرسله إلى المخرج، الذي قال حين رأى أداءه “هذا هو المطلوب”.

ويضيف “حين قابلت محمد بن عطية فهمت أن العالم أكبر من أن نختزله في وجهة نظر واحدة، أعترف أنني تعلمت منه الشيء الكثير، وهو الذي يعرف ما يريد وكيف يأخذه من الممثل الذي يعمل معه، وقد وجد عندي ما يرغب فيه وبدوري وجدت عنده ما أطمح إليه”.

ويسترسل “وما جائزتي أفضل ممثل في مهرجاني الجونة السينمائي الدولي والسينما الأفريقية بإسبانيا الأخير، إلاّ دليل على هذا التكامل الذي حصل بيني وبين بن عطية، هما جائزتا رد الاعتبار لمسار كُتب له أن يكون كذلك، أي متقطّعا، لكنني فخور به”.

أداء سلس دون تعقيدات
أداء سلس دون تعقيدات

يصرّ محمد الظريف على أن الأهم بالنسبة إليه، في أي مشروع يُشارك فيه، على قلّتها، إنجاح العمل والإيمان به وتبنّيه إلى حدّ التماهي معه، وهو ما حصل معه في فيلم “ولدي”، وهو ما يأمل أن يصل إلى الجمهور أيضا من خلال دوره الرمضاني في المسلسل التونسي “أولاد مفيدة” في جزئه الرابع، والذي يعرض حاليا على قناة “الحوار التونسي” الخاصة.

وعنه يقول “دوري في مسلسل ‘أولاد مفيدة’ محقّق شرطة مُتقاعد، تجربته كانت نافعة ليقدّم النصح لابنه المحقّق أيضا في قضية شائكة فيها جريمة قتل وقضايا فساد“.

وعن رأيه في المشاركة في مسلسل مثير للجدل ينتصر للعنف في زمن ضياع القيم في مجتمع تونسي يبحث عن هويته بعد ثورة 14 يناير 2011، يجيب “لا يمكن إلاّ أن أكون سعيدا بهذه المشاركة، وكما أسلفت وقلت لك، إنني حين أشارك في مشروع، أي مشروع كان وإن كان الدور صغيرا، أتماهى معه وأتبنّاه، مشاركتي الأولى في قناة الحوار التونسي لا يمكن إلاّ أن أكون سعيدا بها، حيث ستزيد في إثراء رصيدي الفني، وفي رأيي ليس هناك دور صغير وآخر كبير، بل هناك ممثل صغير وآخر كبير، أما عن الجدل الذي أثاره المسلسل ولا يزال يثيره إلى اليوم، ففيه إشارة إلى أنه جلب اهتمام الناس وناقش قضاياهم وعرّى المسكوت عنه”.

جائزة الجونة لأفضل ممثل: رد اعتبار للمسار
جائزة الجونة لأفضل ممثل: رد اعتبار للمسار

ويؤكّد الظريف أن من أوكد أدوار الفن، والدراما خاصة، الخوض في الواقع واختراق التابوهات بالتعرية أولا، فالإصلاح ثانيا، إن أمكن، مضيفا “ثم إن ما يطرحه مسلسل ‘أولاد مفيدة’ من تفش لمظاهر الفساد حتى داخل الأسرة الواحدة، موجود في الواقع، ربما وجب تنسيبُه، لكنّه موجود، ومن الضروريّ طرحه والاشتغال عليه وتعريته لنبني من جديد”.

ويبدو دور الأب مُلازما لمحمد الظريف في عامه الثامن والستين، من خلال تجسيده لدور الأب في فيلم “ولدي” وأيضا في مسلسل “أولاد مفيدة”، فما مدى خوفه من أن يتم حصره في هذا الدور دون سواه؟ وعن ذلك يجيب “العرب”، “للعمر أحكامه، وأنا في النهاية أب، وسعيد بأداء هذا الدور في الفن والحياة”.

وحول ما إذا كان دوره في “أولاد مفيدة” يمثّل له مدخلا للعودة إلى الدراما التلفزيونية مجدّدا، بعد طول غياب، وهو الذي أعاده، قبله فيلم “ولدي” إلى السينما من أوسع أبوابها، يقول محمد الظريف “أجل هو بمثابة البريق الذي يشعّ في العتمة، أنا محظوظ بـ’ولدي’ و’أولاد مفيدة”.

ويضيف “تسعدني العودة إلى الدراما التلفزيونية بعد غُربة طالت كثيرا، أبعدتني قسرا حينا وطوعا في أحيان أخرى، عن الأضواء، وكما يقول المثل الفرنسي ‘أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا’، فطالما في الجسد روح سأظل أحيا بالفن وفيه، إن شاء الله”.

16